الرئيسية / إضاءات / طريق الحكمة، طريق السلام: كيف يفكّر “الدالاي لاما”؟ (6)

طريق الحكمة، طريق السلام: كيف يفكّر “الدالاي لاما”؟ (6)

*ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي

 

    يُعدّ الدالاي لاما إحدى أكثر الشخصيات أهمية في عالما المعاصر ، وتأتي أهميته من كونه يطرح مفهوماً للدين هو أقرب إلى النسق  المجتمعي – السايكولوجي – الثقافي المغاير للمنظومة اللاهوتية الفقهية المتداولة ؛ وعليه سيكون أمراً مثمراً الإستماع إلى آرائه التي يطرحها في شتى الموضوعات المهمة على الصعيدين الفردي والعالمي .

   أقدّم في هذا القسم ( وأقسام أخرى لاحقة ) ترجمة لأجزاء منتخبة من بعض فصول الكتاب المسمّى ( طريق الحكمة ، طريق السلام ) الذي أوشك على إتمام ترجمته .

   إعتمدتُ في ترجمة هذا الكتاب على النسخة الإنكليزية التي نشرتها دار نشر ( Crossroads Publishing Company ) عام 2004 .

                                                   المترجمة

                    

               دقّات الساعات كانت مختلفة في قصر بوتالا

 

*  عشتَ وأنت لمّا تزل طفلاً في قصر بوتالا العظيم معزولاً عن عائلتك . ألم تكن مفرطاً في عزلتك تلك عن بقية العالم ؟

–  التقاليد البروتوكولية الخاصة بحياة الدالاي لاما كانت صارمة للغاية في تلك الأوقات ، وحياتي ذاتها إكتنفها روتين صارم حينذاك ؛ لكنى لست قادراً على تذكّر الجدول اليومي المضبوط بالساعات لأنّ التبتيين لايضعون الكثير من الأهمية على الأمور الخاصة بالمعيشة اليومية ساعة بساعة في تلك الأوقات ، وكانت الأمور تبدأ وتنتهي كما هو مقصودٌ لها أن تكون ومن غير كثير عجالة أو تردّد أو كثير تدبّر وتفكّر . أنا كنت حالة مستثناة في هذا الشأن لأنني كنت كثير الولع بالساعات منذ طفولتي الباكرة ، ولازال تصليح الساعات حتى اليوم بين الفعاليات العديدة المحبّبة لي .

   حتى عندما كنتُ طفلاً يافعاً لم أكن آبه كثيراً للشكليات المعتمدة ، وقد كنتُ مقرّباً بخاصة إلى المسؤول عن إدارة المطبخ في القصر ، و تعلّمتُ من القائمين على خدمتي ( الذين عاملوني كأيّ طفل صغير آخر ) ومنذ وقت مبكّر للغاية أنّ الحياة قد تكون شديدة الوطأة والمشقّة على الفرد البسيط من عامة الناس ، ولطالما أخبروني بين حين وآخر عن وجود مسؤولين رفيعي المقام في الحكومة ( بل وحتى بعض اللامات ) ممّن يفتقدون إلى العدالة والمروءة وكذلك ممّن إتخذوا قرارات كيفية وعبثية  مؤذية للناس . أدركتُ منذ بواكير يفاعتي وصباي أهمية أن يكون الزعيم أو القائد مرتبطاً بعلاقة وثقى مع بسطاء الناس ؛ إذ من اليسير للغاية  أن يقع الزعيم تحت تأثير مشورة مستشاريه وموظفيه الرسميين عند اتخاذه قرارات تمسّ مصالح هذه الطبقة ( بالضدّ من مصالح الكثرة من عامة الناس ، المترجمة ) ، وفي خضمّ هذه العملية يمكن ببساطة أن يطال الإنحراف المصالح الحقيقية لعامة الشعب .

                       اللوتس البيضاء تنمو وسط الطين

 

*  قلتَ أنّ الدالاي لاما هو إعادة إنبعاث للبوديساتفا Boddhisattva . هل يمكنك رجاءً توضيح المقصود بهذا الأمر  من جانب البوذية التبتية ؟

–  بالنسبة لنا يعدّ البوديساتفا ” كائن الإستنارة ” الذي يتطلّع إلى مثال  بوذا في الإستنارة الكاملة المطلقة من خلال إبداء التعاطف الشامل نحو كلّ الكائنات الأخرى حتى يساعد في تحريرهم ( من الشقاء واليأس ، المترجمة ) . يعيد البوديساتفا إنبعاث ذاته طبقاً لرغبته الذاتية ؛ لذا فهو يختار طوعياً البقاء في سلسلة إعادة الولادة ( وهو مايُعرَف بالسامسارا Samsara ) من أجل مساعدة الآخرين ، وهو في هذا الأمر إنّما يبتغي تحمّل الشقاء والمعاناة بالنيابة عن الآخرين وهو مايدعى ” ممارسة العطاء والأخذ ” حيث يتمّ فيها أخذ معاناة الآخرين وإعطاؤهم في المقابل السعادة الشخصية للمرء المُعطي .

   إنّ رمزاً للكيفية التي يستطيع بها البوديساتفا تجاوز رغبات الحياة والتعالي على مباهجها الشغوفة هو برعم اللوتس . اللوتس زهرة قائقة الجمال تنمو  وسط الطين ؛ لكن برغم هذا يبقى لونها الأبيض عصياً على التلوّث بالقذارة ، وفي القياس ذاته فإنّ القدرة التي تجعلنا نمتلك ممانعة بالضدّ من الفوضى الملازمة لصيرورة الكائنات وموتها إنّما تنمو من هذا الفهم : تعني كلمة ( Bodhi ) فهم الطبيعة الحقيقية للواقع أو الحكمة ؛ أما كلمة ( Sattva ) فتعني أيّ شخصٍ قادر على إبداء التعاطف أزاءء كلّ موجودات العالم ، وبقدر مايختصّ الأمر بمثال البوديساتفا ينبغي أن نجاهد دوماً في ممارسة تعاطف لاينتهي وإبداء حكمة لانهائية هي الأخرى في الوقت ذاته .

   طريقي هو طريق راهب ( بوذي ) ، وهذا يعني أنني أتبعُ مائتين وخمساً وثلاثين وصية يجب أن يتبعها كلّ راهب بوذي ، ومن بين تلك الوصايا ثمّة أربع وصايا رئيسية تمنع الراهب عن أفعال القتل ، والسرقة ، والكذب بشأن معرفته الروحية . ينبغي على الراهب البوذي أيضاً أن يتبع بصرامة مرسوم العفّة Decree of Chastity ، وتعمل هذه القواعد الحاكمة على تحريري من الإنشغالات الجانبية المشتّتة وبواعث الهمّ والقلق التي تنوء بها الحياة اليومية .

                       إبتسامةٌ هي أجمل من كلّ الجواهر

 

*  نرى في غالب الأوقات صوراً للّامات التبتيين وهم يرتدون أردية حريرية رائعة . هل ثمّة سبب كامن وراء إرتداء قداستك دوماً أردية مغالية في البساطة ؟

–  ألبسُ في العادة أردية تمثّل الزيّ المعتاد للرهبان التبتيين ، ويشتمل الحفاظ على هذا التقليد إرتداء قطع مختلفة من الأردية يُرادُ منها تذكيرُنا بملابس الفقراء المرقّعة  مثلما يُرادُ لها أن تكون رمزاً  للفقر ( والترفّع عن رغبة الإستحواذ والتملّك ) .

   لكن برغم ذلك ليس لهذه الأردية أيّ معنى فيما يختصّ بالإرتقاء الروحي للمرء ، وتبعاً للتقاليد التبتية يرتدي اللامات العظام في الغالب أردية مثيرة للدهشة ؛ فهم يرتدون قبّعاتٍ مختلفة يمكن تمييزها من حيث الشكل واللون بحيث تنبئ عن مكانة اللاما ، ويحصل متى ماقابلتُ لاما مرتدياً ألبسة على هذه الشاكلة أن أعاتبه قائلاً : ” معلّمنا الحقيقي هو بوذا ، وهو لم يكن يمتلك قبّعة . نحن محضُ مُريدين له ، وهو له كلّ الحقّ في إرتداء ملابس تعكس شيئاً من رفاهية باذخة لكونه المعلّم الحقيقي ؛ لكنه مع ذلك فضّل أن يبقى راهباً بسيطاً . ” . يمكن لأيّ فرد أن يرتدي ملابس مفرطة البذخ وأن يغمر جسده بالجواهر ؛ لكنه وهم خادع كبير أن نظنُ القدرة في هذه  الأشياء على تغيير شيء أساسي وجوهري في الكائن البشري ، وفي المقابل فإنّ التعاطف والحبّ ، وإبتسامة  قلبية نابعة من أعماق النفس ، وإطلالة ودودة – هذه كلّها أراها الجواهر الأكثر قيمة بين كلّ جواهر العالم . إنّ وجهاً غير أليف لايمكن أن يغدو أكثر جمالاً حتى مع أعظم العمليات المعقّدة في  نحت الوجوه وهندستها .

   أفكّر أيضاً وفي بعض الأوقات أنني إذا ماداومتُ على السير بوجه متجهّم ولم أبتسم كثيراً فسيكون ثمة القليل فحسب من الأصدقاء المهتمّين بقضية التبت ؛ ومن هنا جاء إنغماري في ممارسة سياسة الإبتسام الدائم .

                   التبت الحرّة ستصوّت بمحض حريتها

 

*  لم تعد قداستك ترى المنظومة الإجتماعية التبتية ملائمة البتة في أيامنا هذه ؛ ولأجل هذا السبب بالذات فإنّ أوّل الأمور التي فعلتها عند تقديمك لمسوّدة الدستور عام 1963 هو تحجيم سلطة الدالاي لاما ، وقد سبق لك أن قلتَ في كلمتك التي ألقيتها في ستراسبورغ عام 1988 بأنك تسعى لأن لايكون لك دور فعّال في أية حكومة قادمة في التبت . هل سيكون الدالاي لاما الرئيس الروحي للتبت فحسب في الأزمنة القادمة ؟

–  سأفعل كلّ ماهو أفضل من أجل خير شعبي ، وقد سبق لي أن إعتزمتُ التخلي عن أيّ دور سياسي أو لعب دور الزعيم السياسي في التبت الحرّة ، وحينها بالطبع سأكون محض قائد روحي لها . لاينبغي أن ننسى بعد كلّ هذا أنّ الدالاي لامات إضطلعوا في الأصل بمهمّات دينية ينبغي إنجازها على أتمّ وجه ؛ لذا عندما تتحرّر التبت سأحرص على نقل مهمّاتي السياسية إلى قرد تبتي منتخب من قبل التبتيين .

                          

  لارجعة حتى الآن إلى لاسا

 

*  تحت أيّ الظروف سيعود الدالاي لاما إلى التبت ؟

–  الكثرة من التبتيين الذين يعيشون في التبت – وبخاصة الفئات الأصغر عمراً منهم – يرون أنّ من الأفضل لي أن لاأعود إلى التبت في الوقت الحاضر لانني سأكون أقدر على الدفاع عن قضية الشعب التبتي عندما أكون خارج التبت . إنّ الشرط المسبّق الأكثر أهمية لعودتي إلى التبت هو أن تقبل السلطات الصينية إقتراحاتي بعامة وكذلك أن يقبل التبتيون الأوضاع السياسية التي يعيشون في ظلّها برضا وقناعة .

                            الحُجّاج يأتون بالأخبار

 

*  هل يوجد أحدٌ ما يمثّل قداستك في التبت ؟

–  لايوجد أحد ما يمثلني في التبت بذاتها ، وثمة تواصل غير مباشر فحسب بيني وبين التبتيين الذين فضّلوا البقاء فيها من خلال بعض التبتيين الحجّاج الذين يؤمّون الهند ثم يعودون ثانية للتبت ، أو من خلال بعض التبتيين الذين يُسمَحُ لهم بزيارة أقارب لهم في التبت ، ويحصل من خلال هذا الشكل من التواصل تسرّب الكثير من المعلومات إلى التبت . وسائل الإعلام هي الأخرى عون لنا في هذا الشأن ؛ فثمّة – على سبيل المثال – برنامج إذاعي باللغة التبتية في برنامج الإذاعة الهندية ، ويوجد برنامج آخر مماثل في ” صوت أميركا ” .

              سيظهر دالاي لاما جديد عندما يحتاجه العالم

 

*  هل سيكون ثمة إعادة انبعاث خامس عشر للدالاي لاما ؟ قلتَ قداستك مرّة أنّ من المحتمل أن تكون الدالاي لاما الأخير ؟

–  هذه العبارة التي قلتُها ينبغي أن تُفهم في سياق الأفكار غير المسوّغة من جانب السلطات الصينية التي تجاهد لجعل القضية التبتية محض قضية إشكالية تختصّ بالدالاي لاما والتبتيين المنفيين . نحن لانمتلك أيّ قصدٍ أو ترتيب يُراد منه إعادة تخليق النسق الإقطاعي القديم ، وحتى لو سعينا في هذا الأمر فلن يكون مسعانا ممكناً أو مناسباً لعصرنا هذا ، وهذا النوع من الحكومات ( الساعية لبعث النظام الإقطاعي ) لم يعُد بالتأكيد قادراً على خدمة شعبه . لو آمن الشعب التبتي في يومنا هذا أنّ بمقدوره إدامة حياته والمضي نحو المستقبل بمعزل عن مكانة الدالاي لاما فحينها سيكون قد آن الأوان المناسب لوضع نهاية لتلك المكانة في جوانبها السياسية والحكومية ، وسيظهر دالاي لاما جديد عندما تدعوه الظروف المناسبة للظهور في الوقت المناسب ؛ غير أنّ التأريخ إذا شاء المضيّ في مسار مختلف عن هذا فيتوجب علينا أيضاً أن نقبل به . النظم السياسية عُرضة لتغيّرات كثيرة محتملة ؛ غير أنّ الشيء الوحيد الذي يظلّ بمنأى عن أيّ تغيير هو القلب البشريّ ، والتوق الممضّ إلى السعادة ، والكفاح من أجل الحرية ، وهذه هي الأسباب الحقيقية للإرتقاء البشري المستديم والتطوّر سواء على صعيد مملكة المادة أو على صعيد الطبيعة الروحية . إنّ هذا الأمر يصدق تماماً على شعبي التبتي مثلما يصدق على كلّ الشعوب وكلّ الكائنات البشرية على هذه الأرض .
___________
*المدى

شاهد أيضاً

“العربية للثقافة” في ويلز تحتفي بالإبداع وشجون بغداد

*خاص – ثقافات ضمن خطتها المتواصلة لتنشيط الحركة الثقافية ونشر الإبداع أقامت”الجمعية العربية للثقافة” في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *