الرئيسية / خبر رئيسي / حقيقة إخوان الصفا بين محمد عابد الجابري وجورج طرابيشي

حقيقة إخوان الصفا بين محمد عابد الجابري وجورج طرابيشي

خاص- ثقافات

*محمد نعيم/ جامعة شعيب الدكالي- الجديدة

 لا شك أن المشروع النقدي للمفكر محمد عابد الجابري قد أثار الكثير من الزوابع وخلف ردود أفعال كثيرة تراوحت بين السلبي والإيجابي، بين الإشادة والتنديد، بين التقريظ والتقريع. ولعل من أبرز ردود الأفعال السلبية التي خلفها هذا المشروع هو ما تبلور كمشروع نقدي مضاد تمثل فيما سٌمي “نقد نقد العقل العربي” لجورج طرابيشي. هذا المشروع الذي رام فيه صاحبه نقض كل دعاوى محمد عابد الجابري ودحض جميع أطروحاته، بأي وسيلة كانت.

 وبما أن المقام لا يسمح بالوقوف على كل نقطة نقطة مما ورد عند جورج طرابيشي ولا بفحص كل المسائل التي اعترض فيها على الجابري، فقد وقع اختيارنا في هذه المداخلة على مسألة واحدة متعلقة بحقيقة إخوان الصفا، فجعلنا عنوان مداخلتنا كالتالي: حقيقة إخوان الصفا بين محمد عابد الجابري وجورج طرابيشي.

والذي جعلنا نخصص نظرنا في هذه المسألة هو ما ورد في  آخر نص كتبه جورج طرابيشي والذي اختار له كعنوان “ست محطات في حياتي” نٌشر أول مرة في صحيفة أثير الإلكترونية[1] ثم تناقلته مجموعة من المواقع الإلكترونية الأخرى. لقد اعتبر هذا المقال كنص وداع لأن صاحبه كتبه قُبيل وفاته وكشف فيه عن بعض أسرار حياته من بينها علاقته المتوترة بوالده وبمحمد عابد الجابري.

 لقد استعاد طرابيشي في هذا النص ذكر السبب الذي جعله يقضي ربع قرن بكامله يقرأ الجابري ويقرأ مراجعه، وهذا السبب لم يكن سوى ما كان قد كتبه الجابري عن إخوان الصفا واصفا إياهم بأنموذج العقل المستقيل في الإسلام، وهو الأمر الذي جعل طرابيشي يبدي شيئا من الشك والتحفظ وإعادة النظر فيما كان قد كتبه في مجلة الوحدة عن كتاب “تكوين العقل العربي” بُعَيد صدوره  بقليل، حيث قال: “إن هذا الكتاب ليس فقط يثقف بل يغير، فمن يقرأه لا يعود بعد أن يقرأه كما كان قبل أن يقرأه”. ويقول عن سبب  شكه و تحفظه هذا: “فمن دراستي الجامعية في قسم اللغة العربية بجامعة دمشق كانت تكونت عندي فكرة عامة عن انتماء إخوان الصفا إلى العقلانية الفلسفية الإسلامية والحال أن الجابري كان قال كلاما سلبيا للغاية عن إخوان الصفا ناسبا إياهم إلى “العقل المستقيل في الإسلام”… وهكذا ارتسم عندي شك يتعلق بهذه النقطة تحديدا” انكببت..انكبابا مرعبا على قراءة التراث وعلى مطالعة عشرات المراجع التي ذكرها الجابري”[2]

لقد كانت أول خطوة قام بها طرابيشي هي قراره القاضي بالعودة إلى “رسائل إخوان الصفاء” للتحقق من حكم الجابري الذي أصدره بحقها، فتبين له، بعد مطالعتها، أن حقيقة إخوان الصفاء على عكس ما يقول الجابري، أي أن هؤلاء عقلانيون ومدافعون على المنطق الأرسطي وعن الفلسفة. وما أن اتضحت له هذه الحقيقة حتى شعر، كما يقول هو نفسه، بصدمة كبيرة و بطعنة في كبريائه كمثقف، ومنذ ذلك الحين عقد العزم على إعادة تثقيف نفسه.[3]

إذن فحقيقة إخوان الصفا ونسبتهم إلى الهرمسية وإلى الدعوة الإسماعيلية من طرف الجابري كانت هي السبب الرئيس المعلن لانطلاق رحلة جورج طرابيشي مع صاحب “مشروع نقد العقل العربي” والتي دامت لمدة خمسة وعشرين سنة، انعكست في مشروع مضاد سماه “نقد نقد العقل العربي”، قدم له بكتاب مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة، وأخرجه في أربعة أجزاء وهي نظرية العقل العربي وإشكالية العقل العربي ووحدة العقل العربي والعقل المستقيل في الإسلام. ويمكننا أن نضيف جزءا خامسا وهو كتاب من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث النشأة المستأنفة، رغم تصريح طرابيشي في خاتمة هذا الكتاب بأنه مفصول عن مشروعه حيث كتب: “كان يفترض بهذا الكتاب عندما شرعنا بالعمل فيه قبل ست سنوات أن يكون الجزء الخامس والأخير من مشروع نقد نقد العقل العربي في الرد على مؤلف تكوين العقل العربي وبنية العقل العربي… ولكن عندما انتهينا من إنجاز هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ، لم نجد مناصا من التسليم بأن محمد عابد الجابري لم يكن له من حضور فيه إلا على نحو عارض”[4]. نعم رغم هذا الادعاء أو التسليم كما سماه، فإن قارئ هذا الكتاب يدرك جيدا أن محمد عابد الجابري حاضرٌ فيه وبقوة، وأن سعي طرابيشي فيه هو محاولة إبطال كل ما أثبته الجابري في مشروعه، ومن بعض مظاهر ذلك أنه خصص جزءا مهما من هذا الكتاب للتأكيد على أن لا علاقة لابن حزم بالعقلانية التي نسبها إليه الجابري، حيث كتب: “يؤكد مؤلف العقل العربي أن كل المشروع الظاهري لابن حزم إنما يحكمه من الزاوية الإبستمولوجية المحض إيمانه بكونية العقل وطموحه إلى جعله السلطة المرجعية الوحيدة في مختلف مجالات المعرفة.  والحال… إن كل مشروع ابن حزم إنما يقوم على حصر السلطة المرجعية بالنص.”[5]

إذن قبل التطرق إلى اعتراضات طرابيشي وتقويمها علينا بادئ ذي بدء العودة إلى كتابات الجابري والنظر فيما يقوله عن إخوان الصفا؟ والوقوف على الأسس التي بنى عليها أحكامه تلك التي اعتبرها طرابيشي أحكاما سلبية.

ليس يخفى أنه منذ كتابه نحن والتراث اعتبر الجابري “رسائل إخوان الصفا” بمثابة الحاضن للهرمسية وأنموذج العقل المستقيل في الثقافة العربية الإسلامية، لأنها، في نظره، عبارة عن مدونة هرمسية كاملة[6] سيكون لها بالغ التأثير على مجموعة من الفلاسفة المشرقيين وعلى رأسهم  ابن سينا.

ويرى الجابري أن هدف هذه الموسوعة الفلسفية ذات الطابع الشيعي الإسماعيلي الواضح، كان هو دمج الدين في الفلسفة والفلسفة في الدين لأغراض ومطامح سياسية[7]. فهي قد حُررت من أجل التوظيف السياسي والإيديولوجي للطائفة الشيعية الإسماعيلية ضدا على المشروع الثقافي للدولة العباسية القاضي بتنصيب العقل الكوني، أي المشروع الذي دشنه الخليفة المأمون. يقول الجابري: “تأتي رسائل إخوان الصفا في إطار إستراتيجية إسماعيلية مضادة (إستراتيجية المأمون) تقوم على تكريس وتعميق الاتجاه”الباطني” الغنوصي اللاعقلاني في الثقافة العربية الإسلامية بهدف “امتلاك النفوس” وصولا إلى امتلاك الأبدان”[8]

فمعلوم أن التقسيم الذي وضعه الجابري للعقل: عقل بياني وعقل برهاني وعقل عرفاني، جعل رسائل إخوان الصفا أهم مظاهر تطور العقل العرفاني في الإسلام، وهو في واقع الأمر عقل مستقيل. فالرسائل تدور، في مجموعها، حول النفس بهدف امتلاك نفوس الناس وصولا إلى امتلاك أجسامهم والعمل على إسقاط الخلافة العباسية و إقامة دولة الشيعة الإسماعيلية. وهنا الجابري لا يعدم الشواهد، إذ استحضر ما قاله المؤرخ اليمني إدريس عماد الدين المتوفى سنة 872 ه في المجلد الرابع من كتابه”عيون الأخبار” وأيضا ما قاله الفقيه اليمني شرف الدين جعفر بن محمد بن حمزة المتوفى سنة 834 واللذان يؤكدان معا أن تأليف رسائل إخوان الصفا قد جاء كرد فعل ممنهج لمقاومة ما أقدم عليه الخليفة المأمون من حمل الناس على الاعتقاد بما قاله فلاسفة اليونان[9].

بعد ذكر هذه الشواهد وغيرها يعود الجابري إلى الرسائل فيقرأها وفق منهجه الذي أفصح عنه في كتابه نحن والتراث، أي قراءتها بتعيين الإشكال الواضح الذي يتمحور حوله فكر أصحابها وذلك بربط الأفكار بعضها ببعض. ثم النظر فيها وتقويمها باستحضار كل أبعادها الثقافية والإيديولوجية والسياسية والاجتماعية. وأخيرا الكشف عن الوظيفة الإيديولوجية التي كانت تؤديها؛ وهذه الخطوات المنهجية هي التي سماها: المعالجة البنيوية، التحليل التاريخي والطرح الإيديولوجي، وهكذا فكل حكم على رسائل إخوان الصفا لا يمكن أن تتضح حقيقته إلا انطلاقا من استحضار هذه الرؤية المنهجية.

انطلاقا من هذه الرؤية يرى الجابري أن إخوان الصفا لا يخفون انتماءهم للهرمسية وذلك جلي من خلال كثرة الإحالات على هرمس وأغاثاديمون وفيتاغورس، بالإضافة إلى تبنيهم للعلوم السرية ودفاعهم عنها، ويقصد “علوم التنجيم والكيمياء والسحر والطلسمات والعزائم وغير ذلك من منتجات العقل المستقيل”.[10] ثم تبينهم لفكرة الإله المتعالي ونظرية العقل الكلي المكلف بتدبير الكون إضافة إلى قولهم بالطبيعة الإلهية للنفس الإنسانية التي يجب الإقبال عليها بالرياضة والتهذيب والزهد والتعلم حتى تتطهر وتعود إلى أصلها الإلهي.

 كما أن الرسائل تقيم تطابقا بين الإنسان والعالم وبين المجتمع أو الدولة، مما يعني في نظره أن هناك توظيفا سياسيا إيديولوجيا سافرا للهرمسية وهو كالآتي: “فكما أن العالم تسيره وتسري فيه نفس كلية مثلما تسري نفس الإنسان في جسده فكذلك المجتمع أو الدولة يجب أن تسري فيه وتسيره نفس “نبوية” إي إمام من سلالة النبي يساعده دعاة وحجج مأذونون. وإذا كنا لا نجد في رسائل إخوان الصفا التعبير الصريح عن هذا الجانب السياسي والإيديولوجي فلأنها ظهرت في “دور الستر” من جهة ولأنها تمثل الصورة”الشعبية” للفلسفة الإسماعيلية من جهة أخرى.”[11]

هذا بإجمال هو حكم الجابري الذي أصدره على رسائل إخوان الصفاء وكذلك هذه بعض مبررات ذلك الحكم.

أما إذا عدنا إلى كتابات جورج طرابيشي التي خصصها لمحمد عابد الجابري خصوصا كتاب مذبحة التراث في الثقافة العربية المعصرة الصادر عن دار الساقي سنة 1993  وكتاب العقل المستقيل في الإسلام الصادر أيضا عن دار الساقي سنة 2004، فإننا نجد طرابيشي قد جند طاقته البحثية و استدعى ما رسب في ذاكرته منذ أن كان طالبا في قسم الدراسات العربية بجامعة دمشق[12] ليدحض أحكام الجابري السلبية عن إخوان الصفا وذلك بأسلوب لا يخلو من عنف لفظي وتجريح لا يصدر إلا عن كاتب مصدوم فعلا ومطعون في كبريائه، كما يقول هو نفسه[13]، إلا أننا نرى أن سبب صدمته وطعن كبريائه  شيء آخر غير ما يدعيه.

وعلينا أن ننظر في السند الذي اعتمده طرابيشي لبناء دعوته الجديدة والمناقضة لما قال به الجابري.

بداية يقر طرابيشي أن الجابري بربطه إخوان الصفا بالفكر الإسماعيلي لم يأت بجديد لأن ما قام به “يندرج في سياق تقليد عتيق بدأه المتأخرون من الدعاة الإسماعيليين وتابعهم فيه من بعدهم المستشرقون والمؤرخون الرسميون للفلسفة العربية الإسلامية”.[14]

وبالفعل يتطرق طرابيشي إلى ذكر مواقف مجموعة من الدارسين الذي أكدوا إسماعيلية رسائل إخوان الصفا، ويقسمهم إلى  ثلاث فئات: المستشرقون وذكر منهم غولدتزيهر وكازانوفا وإفانوف وكوربان ثم الدارسون العرب الذين اهتموا بتاريخ الفلسفة الإسلامية مثل ماجد فخري وحنا الفاخوري ثم الدارسون المتخصصون في الفكر الإسماعيلي وعلى رأسهم مصطفى غالب وعارف تامر. لكن عوض أن يناقش أطروحات هؤلاء ويفحص حججهم، نجده يقفز إلى الأمام ويعرض عنهم متهما الجميع أنهم “إما باحثون غير منعتقين من الهوى الإيديولوجي أو مستشرقون مصابون بهستيريا الإسماعيلية”[15].

وهكذا ولأنه لم يعثر على أي دراسة متخصصة اهتمت برسائل إخوان الصفا أو بالفكر الإسماعيلي عموما تدعم رأيه،  ضرب صفحا عن الجميع، مخطِّئا رأي كل مؤرخ من مؤرخي الفلسفة إذا وافق رأيه رأي الجابري[16]، فحاول أن يبدأ من الصفر ويجند طاقته التأويلية ويقرأ النصوص وفق فهم خاص، المهم عنده أن يكون هذا الفهم مغايرا لما ذهب إليه الجابري، حتى وإن تم ذلك بإخراج نصوص رسائل الإخوان من سياقها ومعارضة كل ما قاله الباحثون ومنهم المتخصصون الذين قضوا زمنا طويلا في دراستها.

نعم، إن المقدمة التي انطلق منها طرابيشي للتعريف بإخوان الصفا قد خالف فيها كل الآراء السائدة عنهم بدءا من اسمهم أي لماذا تسموا بذلك الاسم، وهنا يرى طرابيشي أن اللقب الذي تلقبت به جماعة الإخوان لا ينطوي على أية رمزية “باطنية” فاسمهم مشتق –كما يقول- “من رموز المملكة الحيوانية من كتاب ذي طابع “علماني” مكشوف ومنقطع الصلة بأي أدب إمامي مستور”[17]. إنه هنا يعمل مباشرة على ربطهم بالأدب الهندي وتحديدا بكتاب “كليلة ودمنة” الذي نقله ابن المقفع إلى اللسان العربي، ليؤكد أن لا علاقة للرسائل بفكر الطائفة الإسماعيلية.

 إن السند المنهجي التي اعتمده طرابيشي لنقض دعوى الجابري القاضية بأن رسائل إخوان الصفا تنتمي إلى الفكر الشيعي الإسماعيلي وإقامة دعواه الجديدة كان هو  ما أسماه التحليل المضموني للرسائل، حيث يقول وبكل وثوق: “إن التحليل المضموني لرسائل إخوان الصفا لا يدع مجالا لأي شك: فليس لشبهة الإسماعيلية من مدخل إليهم”[18] وهكذا صار إلى النصوص يفصلها من سياقها فصلا، وينتقي منها بعض الفقرات انتقاء، باحثا فيها عما سماه نوافي التسمعل. ولأن المقام لا يسمح بتتبع كل الشواهد النصية التي قدمها كحجج لإبطال دعوى الجابري حول إسماعيلية إخوان الصفا، سنكتفي هنا بالتطرق إلى أربعة عناصر أوردها طرابيشي تحت عنوان نوافي التسمعل، وهي:

  • التسوية بين عثمان وعلي في المقتل

  • توقير عائشة

  • التسوية بين النواصب والروافض

  • نفي التشيع

ففي زعم طرابيشي أن إخوان الصفا كانوا يسوون في المقتل بين عثمان وعلي مما يعني أنهم يتعالون فوق خلافات الفرق والطوائف على اختلافها. ولتأكيد هذا الزعم لجأ إلى نص مقتطف من الرسالة التاسعة من الرسائل والتي عنوانها من العلوم الناموسبة والشرعية والتي ورد فيها كلام عن يوم “الحزن والكآبة” وهو يوم كما يقول الإخوان: “حزن فيه أهل بيت النبوة لما فقدوا سيدهم وغاب عنهم واحدهم، وتخطفوا من بعده وتفرق شملُهم، وطمع فيهم عدوهم، واغتصبوا حقهم وتبددوا، تم خُتم ذلك بيوم كربلاء وقتل من قتل من الشهداء ما افتضح الإسلام به. ومن قبله ما أنال أحق الناس بما قاس أولاهم بالأمر من بعده، ثم من بعد غيبة صاحب الشريعة (ص)، قتل من بعده من أجلة أصحابه المساعدين له في إقامة الناموس معه مثل صديقه وفاروقه وذي النورين و ما تواتر على أهله وأقاربه من المصائب، فصار ذلك سببا لاختفاء إخوان الصفا وانقطاع دولة خلان الوفاء”[19] ويعلق طرابيشي على هذا النص قائلا  “ولنا أن نلاحظ أن هذا النص، علاوة على تسويته بين مآتم السنة والشيعة بلا تميز، يستخدم لغة كل من الفريقين بلا تميز أيضا”[20].

في الواقع يتعجب المرء عندما يعود إلى قراءة النص في أصله وضمن سياقه، فهو قد ورد في إطار حديث إخوان الصفا عن الأعياد الفلسفية وأعياد الشريعة والأعياد الخاصة بجماعتهم؛ وهي أربعة عند كل طائفة. فالأعياد الفلسفية تكون حسب فصول السنة العيد الأول وهو الربيع حيث تزل الشمس إلى برج الحمل والعيد الثاني وهو الصيف حيث تنزل الشمس إلى برج السرطان والعيد الثالث وهو الخريف وفيه تنزل الشمس إلى برج الميزان والعيد الرابع وهو فصل الشتاء ويكون عند نزول الشمس إلى برج الجدي. يقول ” إخوان الصفا: “وأمثال هذه الأيام الأربعة التي ذكرناها ووصفناها في الزمان والحركات الفلكية وموجبات أحكام النجوم الربيع والصيف والخريف والشتاء. وفي الشريعة المحمدية والملة الهاشمية عيد الفطر وعيد الأضحى وعيد الغدير ويوم المصيبة به، صلوات الله عليه”[21]. ثم بعد ذلك يتطرقون إلى الحديث عن أعيادهم هم حيث يقولون: “فاليوم الأول من أيامنا والعيد الفاضل من أعيادنا هو يوم خروج أول القائمين منا، ويكون اليوم الموافق لنزول الشمس برج الحمل… واليوم الثاني هو يوم قيام الثاني الموافق يوم قيامه يوم نزول الشمس أول السرطان.. واليوم الثالث هو يوم قيام ثالثنا الموافق لنزول الشمس أول الميزان… ثم اليوم الرابع يوم الحزن والكآبة يوم رجوعنا إلى كهفنا وكهف التقية والاستتار”[22].

نلاحظ أن هذا النص جاء في إطار الحديث عن تأثيرات الحركات الفلكية وموجبات أحكام النجوم، على مصائر الناس والدول، فعندما تنزل الشمس إلى برج الجدي يكون ذلك علامة على الهم والحزن والأسف وعلى الفقد. وما ورد هنا عن موت النبي ومقتل عثمان وعلي كان مجرد أمثلة قدمها الإخوان لوصف ما يحصل من كآبة وحزن عندما تحل الشمس في برج الجدي، ولسنا ندري كيف عنّ لطرابيشي أن هذا بمثابة دليل على نفي التسمعل عن إخوان الصفا!.

توقير عائشة

بعد هذا يدعي طرابيشي أن إخوان الصفا كانوا يوقرون عائشة كما يوقرها السنة ولم يجد من دليل على هذا سوى أنه ورد في الرسائل كلام في دم الشبع وجاء فيه “يروى عن عائشة رضي الله عنها” فيسارع طرابيشي إلى القول بأن هذا دليل على نفي التسمعل عنهم:”فأيقونتها (يعني عائشة) لدى السنة تقابل أيقونة فاطمة لدى الشيعة”. ولسنا ندري من يوافقه على هذا من الفريقين.

التسوية بين النواصب والروافض

يقول طرابيشي :”ففي أكثر من موضع في رسائلهم يجهر الإخوان بموقفهم المبدئي في التسوية بين النواصب (لقب السنيين عند الشيعة) والروافض (لقب الشيعيين عند السنة) في إدانة الطرفين على قدم المساواة” ثم يورد النص التالي: “ذلك أنك تجد…أهل الدين الواحد وتشعبهم في المذاهب والآراء مثل سامري وعيابي …، وخارجي ورافضي وناصبي وقدري وجهمي ومعتزلي وسني وجبري، وما شاكل هذه المذاهب التي يكفر أهلها بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا. ونحن منهم براء، مذهبنا واحد، واعتقادنا واحد، وكلنا موحدون مؤمنون مسلمون، غير مشركين ولا منافقين” ثم يعقب النص بقوله: “وبديهي أن هذا البرنامج الوحدوي القائم على إدانة التفرق والاقتتال في التفرق، يضع إخوان الصفاء خارج مدار أي انتماء فئوي”[23].

وهنا يتعجب القارئ أشد التعجب من هذا الفهم الذي قدمه طرابيشي لهذا النص، وتبدأ الشكوك تحوم حول حسن طويته، ويسأل عن البواعث الحقيقية لكل كتبه النقدية. أولا لا أحد يوافق طرابيشي على أن النواصب هم أهل السنة تحديدا، فمعلوم أن النواصب هم من يسبون علي بن أبي طالب ويقولون بكفره وفسقه[24] وهل يوجد في أهل السنة من لا يوقر عليا ويبجل أهل البيت؟ ثم كيف يصح أن إخوان الصفا في هذا النص يقصدون بالنواصب أهل السنة وقد أضافوا السني إلى الناصبي في الذين ذكروا، وكيف غاب هذا عن ناظر طرابيشي إذا كانت نيته  فعلا حسنة.

بعودتنا إلى الرسائل نجد أن هذا النص قد ذُكر في سياق خاص أخفاه طرابيشي عن القراء، عمدا فيما نعتقد، ليوهمهم أن إخوان الصفا كانوا خارج مدار أي انتماء مذهبي وأنهم كانوا يدينون التفرقة والاقتتال بين المذاهب. والحال أن النص ورد في إطار سجال دار في حضرة ملك الجن بين بني آدم وباقي المخلوقات، والفقرة التي أوردها طرابيشي كانت من ضمن ما قاله زعيم الطيور واسمه الهزاردستان، في حق البشر في سياق افتخاره بالطيور أبناء جنسه من جهة أنهم لا يعرفون كثرة الملل والنحل ولا الاقتتال على أساس الاختلافات المذهبية كما يفعل بنو آدم الذين لهم نفوس كثيرة ومختلفة. وقد تغاضى طرابيشي عن رد الإنسي على قول زعيم الطيور، ربما لأنه رأى فيه نقضا لدعواه، وهو كالتالي: “نعم أيها الملك، ليس ذلك من جهة الدين ، لأن الدين لا إكراه فيه، ولكن من جهة سنة الدين الذي هو الملك” ثم يضيف “إن الدين والملك إخوان توأمان لا يفترقان، لا قوام لأحدهما إلا بأخيه، غير أن الدين هو الأخ المقدم والملك هو الأخ المؤخر المعقَّب له، فلا بد للدين من ملك يأمر الناس بإقامة سنته طوعا أو كرها. فلهذه العلة يقتل أهل الديانات بعضهم بعضا، طلبا للملك والرياسة…وأنا أخبر الملك، وفقه الله لفهم الحقائق، وأذكره بشيء يقين لا شك فيه…إن قتل الأنفس سنة في جميع الديانات والملل والدول كلها، غير أن قتل النفس في سنة الدين، وهو أن يقتل طالب الدين نفسه، وفي سنة الملك أن يقتل طالب الملك غيره”[25] تم يختم قوله بما يلي: “وعلى هذا القياس يوجد حكم سنن أهل الديانات في جعل قتل النفوس  من فنون العبادات، وأحكام الشرائع كلها وضعت لطب النفوس”[26]

 يحق لكل ناظر في هذا النص أن يسأل: هل هذا النص دليل على  نفي التسمعل عن إخوان الصفا، كما يدعي طرابيشي، أم دليل على إثباته كما يقول الجابري وكثيرون غيره؟  أولا يقوم هذا النص كدليل قاطع على صحة دعوى الجابري التي يقول فيها أن مدار فكر الإخوان كان هو النفس والإعداد النفسي لأتباعهم حتى يصبحوا مستعدين للتضحية بحياتهم في سبيل أهداف الحركة الإسماعيلية؟.

ومن عجائب طرابيشي أيضا في مسعاه إلى نفي صفة الإسماعيلية عن إخوان الصفا إدعاؤه أن هؤلاء قد انتقدوا التشيع، ومن جملة ما أورده من شواهد ما نعثر عليه في كتابه العقل المستقيل في الإسلام[27] حيث يقول: “يندد إخوان الصفا بما يمكن أن نسميه منذ ذلك الحين ب”ثقافة الفتنة”. هكذا يقولون: “ومن الأبيات الموزونة ما يثير الأحقاد الكامنة ويحرك النفوس الساكنة ويلهب نيران الغضب مثل قول القائل:

واذكروا مصرع الحسين وزيد

وقتيلا بجانب المهـــــــــــراس

 هنا نجد طرابيشي يقوم بما يشبه التحايل والتمويه فيقفز على أبيات أخرى ساقها إخوان الصفا ليبينوا تأثير الألحان على النفوس منها قول قريط بن أنيف:

لو كنت من مازن لم تستبح إبلي

بنو اللقيطة من ذهـــل بن شيبانا

وقول البسوس:

لعمري لو أصبحت في دار منــقد

لما ضيم سعد وهو جار لأبيــاتي

ولكنني أصبحت في دار غــــربة

متى يعد فيها الذئب يعد على شاتي

فيا سعد لا تغرر بنفسك وارتحــــل

فإنك في قومٍ عن الجار أمـــــــواتِ

لقد ساق إخوان الصفا هذه الأبيات للتدليل على تأثير الألحان على النفوس،  فهم قد قالوا قبل أن يسوقوها كشواهد: “إن ألحان الموسيقى أصوات ونغمات، ولها تأثيرات…لاسيما إذا غُني معها بأبيات موزونة”[28]. إذن هذا هو السياق الذي جاء فيه البيت الشعري الذي اعتبره طرابيشي دليلا على نقد الإخوان للتشيع.

نستطيع بعد مقارنة الموقفين ملاحظة أن جهود طرابيشي، التي أرادت مسح الطاولة في ما يتعلق بهوية إخوان الصفا والمضمون المعرفي والإيديولوجي لرسائلهم والانطلاق من الصفر، قد كشفت عن سطحية في فهم النصوص أحيانا، و عن تحريف وتزوير لمضامينها أحيانا أخرى مع عدم وضوح في الرؤية المنهجية، وكل هذا يجعل القارئ يطرح كثيرا من الأسئلة حول القصد الفعلي لمجهوداته، وعن الباعث الحقيقي لكل ما كتبه، وللإشارة فإننا إذا ما قمنا بحذف نصوص الجابري التي أوردها طرابيشي في كتبه لما فضلت إلا صفحات معدودات مما كتبه بنفسه.

إننا إذا تجاوزنا تقويم الجابري لرسائل إخوان الصفا المسنود بنصوص تاريخية وشواهد من الرسائل واضحة لا تأول فيها عن انتمائهم للطائفة الإسماعيلية  أو على الأقل إلى الطائفة الشيعية، وولينا وجوهنا صوب الدراسات المتخصصة، قديما وحديثا، فإننا نجد جلها يصب في تجاه أن الرسائل من الناحية المعرفية تدور في فلك الهرمسية والغنوصية، ومن الناحية الإيديولوجية فهي تعبير عن الدعوة الشيعية الباطنية، فمن الدارسين من ربطها بالإسماعيلية، ومنهم من ربطها بالقرامطة. ونكتفي هنا بذكر ما قاله  عنهم البعض كهنري كوربان الذي قال: “لم يكن إخوان الصفا جماعة ألف بين قلوبهم المذهب الشيعي وحسب، بل كانوا جماعة فكرية ذات نزعة إسماعيلية خاصة بالرغم من أن كتاباتهم الحذرة لا تكشف عن الأمر إلا لأولي العلم والإدراك. ومن الثابت أن دعوتهم كانت تهدف إلى نشر آرائهم بين العامة.”[29] ثم يضيف وبشكل قاطع “ليس هناك من شك في علاقة الإخوان بالإسماعيلية. يتضح ذلك إذا ما قرأنا الرسالة الجامعة التي هي في الحقيقة الرسالة الثانية والخمسون من مجموع الرسائل…إن السنة الإسماعيلية الثابتة تنسب هذه الرسالة لثاني الأئمة الثلاثة وهو الإمام الوسط بين محمد بن إسماعيل (ابن الإمام إسماعيل الذي تنسب إليه الإسماعيلية) وعبيد الله مؤسس الدولة الفاطمية”[30] ثم قول بيير لوري: “تشكل رسائل إخوان الصفاء، وهي موسوعة فلسفية علمية جامعة،..ونظرا لأهدافها السياسية، ونزعتها الشيعية، ولإغفال أسماء مؤلفيها، وتستر أسلوبها، أو بالأحرى أساليبها، فقد أزيحت إلى هامش الخطاب الثقافي للغالبية الإسلامية.”[31]

أما  الباحث المقتدر فرهاد دفتري، فيقول: “إن معظم الباحثين متفقون الآن على أن الرسائل ألفت في البصرة سرا، ألفتها مجموعة من الخاصة من أرباب القلم والإدارة المرتبطين بالإسماعيلية”[32]
إحالات:

http://www.atheer.om/archives/11257–  متوفر على الرابط:  [1]

– نفسه.[2]

– نفسه.[3]

[4]– طرابيشي، جورج، من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، النشأة المستأنفة، دار الساقي، بيروت، 2010، ص. 635.

– ن، م، ص. 363.[5]

– الجابري، محمد عابد، تكوين العقل العربي، ص. 202.[6]

– الجابري، محمد عابد، نحن والتراث، ط.4، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1985، ص. 91.[7]

– الجابري، محمد عابد، تكوين العقل العربي، ص. 2.[8]

[9]– ومحتوى الرسائل يقوي هذا الاعتقاد، إذ نعثر في الرسالة الواحدة والثلاثون على ما يشبه بيان إدانة لمشروع المأمون القاضي بتنصيب رأي المعتزلة، وهذا منطوقة: “وأيضا فإن أصحاب الجدل والمناظرات، ومن يطلب المنافسة في الرياسة اخترعوا من أنفسهم في الديانات والشرائع أشياء كثيرة لم يأت بها الرسول، وما أمر بها؛ وابتدعوها وقالوا للعوام من الناس: هذه سنة الرسول عليه السلام، أمر به. وأحدثوا في الأحكام والقضايا أشياء كثيرة بآرائهم وقياسهم، وعدلوا بذلك عن كتاب ربهم وسنة نبيهم، عليه السلام، واستكبروا عن أهل الذكر الذين بينهم، وقد أمروا أن يسألوهم عما أشكل عليهم. وظنوا بسخافة عقولهم أن الله قد ترك أمر الشريعة وفرائض الديانة ناقصة، حتى يحتاج هؤلاء أن يبينوه بآرائهم الفاسدة وقياساتهم الكاذبة، واجتهادهم الباطل، ويخترعوه ويبتدعوه من ذواتهم.” الرسائل، ج3 ، ص.156.

– ن، م، ص. 203.[10]

– ن، م، ص. 204.[11]

[12]– يقول طرابيشي في مقال ست محطات في حياتي: ” فمن دراستي الجامعية في قسم اللغة العربية بجامعة دمشق كانت تكونت عندي فكرة عامة عن انتماء إخوان الصفا إلى العقلانية الفلسفية الإسلامية.” بهذا القول قد يعرض الكثيرون  من المطلعين على التراث العربي الإسلامي عن قراءة ما كتبه طرابيشي ولا يولونه  أي اهتمام، إذ كيف يصح القول أن إخوان الصفاء ينتمون إلى العقلانية وقد خصصوا رسالة كاملة من رسائلهم للسحر وهي الرسالة الحادية عشر  وعنوانها، في ماهية السحر والعزائم والعين، وفيها يقولون : “واعلم يا أخي أن جميع الأعمال والصنائع والحرف والمهن ما يجري بين الناس من الأخذ والإعطاء والبيع والشري والجدل والكلام والاحتجاج في الأديان  وإقامة الدليل والبرهان، وما يقوم من خرق العادة وقلب الأعيان وتحويل الأشياء بعضها إلى بعض، ومزج بعضها ببعض، فكل ذلك سحر وعزيمة.” الرسائل، ج4، ص.340.

[13] – يقول طرابيشي، في نفس المقال: “إني لمّا قرأت هذه الرسالة وهذا الشاهد أصبت بصدمة كبــيرة وبطعنة في كبريائي كمثقف، لأنّي كتبت في ما كتبت عن كتاب الجـابري: ” هذا الكتاب من يقرأه لا يعود بعد أن يقرأه كما كان قبل أن يقرأه”””

– طرابيشي، جورج، نقد نقد العقل العربي: العقل  المستقيل، دار الساقي، بيروت، 2004، ص. 271.[14]

– ن، م، ص. 247.[15]

[16] – يقول في الصفحة 272 من كتابه العقل المستقيل في الإسلام: “إن جميع من تحدث من مؤرخي الفلسفة والحياة العقلية في الإسلام، بدءا من طه حسين ومرورا بماجد فخري وانتهاء بحسين مروة، عن حركة المعارضة السياسية المتشيعة التي شكلها-حسب فرضيتهم، جماعة إخوان الصفاء في مواجهة الدولة العباسية، قد وقعوا في ضرب من المغالطة الزمنية …لكن أكثر من يغلو في تلك المغالطة هو ناقد العقل العربي”

– ن، م، ص. 286.[17]

– ن، م، ص. 318.[18]

رسائل إخوان الصفاء، ج4، دار صادر، بيروت، 2006،  ص. 229.[19]

–  طرابيشي، جورج، العقل المستقيل في الإسلام، ص. 321.[20]

– – رسائل إخوان الصفا، ج. 4، ص. 269.[21]

 –  ن، م، ص. 269 – 270.[22]

– طرابيشي، جورج، العقل المستقيل في الإسلام، ص. 322.[23]

[24]– يقول ابن تيمية: “فمن عرف سيرة الرسول، وأحوال الصحابة ومعاني القرآن والحديث علم أنه ليس هناك اختصاص بما يوجب أفضلية ولا إمامية، بل فضائله مشتركة، وفيها من الفائدة إثبات إيمان علي وولايته، والرد على النواصب الذين يسبونه ويفسقونه ويكفرونه” ابن تيمية، تقي الدين، منهاج السنة النبوية، ج. 7، تحقيق  محمد رشاد سالم، 1986، ص. 339.

الرسائل، ج. 2، ص. 368.[25]

– ن، م، ص. 369.[26]

– طرابيشي، جورج، العقل المستقيل في الإسلام، ص. 325.[27]

– ن، م، ج. 1، ص. 184.[28]

– كوربان، هنري، تاريخ الفلسفة الإسلامية، ط.4، دار عويدات، بيروت، 2004، ص. 222.[29]

– ن، م، ص. 222-223.[30]

– لوري بيير، من تاريخ الهرمسية والصوفية في الإسلام، ط2، دار بيبليون، لبنان، 2011، ص. 139.[31]

– دفترين فرهاد، الإسماعيلبون تاريخهم وعقائدهم، ترجمة سيف الدين القصير، دار الساقي،  بيروت، 2012 ، ص. 391.[32]

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *