الرئيسية / خبر رئيسي / حين كان أسامة أنور عكاشة يقاتل نفسه!

حين كان أسامة أنور عكاشة يقاتل نفسه!

خاص- ثقافات


*أحمد الحسين التهامي

إن اكتشافي المتأخر لعمل أسامة أنور عكاشة المعنون بـ:( المشربية) فتح شهيتي للكتابة؛ وهذا لوحده في ظني إحدى علامات العبقرية الفنية لرجل صنع نفسه وفنه أمام أعيننا وتحت أنظارنا ؛ فبعد مرور سنوات ل ازلنا نكتشف جمالا أخاذا في أعماله ؛ لا زلنا نكتشف أسرارا  لا نجدها عند غيره ؛إنها عبقرية العقل الجميل ؛ عبقرية التعب والتجريب والكتابة دون توقف .. عبقرية الضعف والقوة الخوف والأمل القتال واليأس كان أسامة يتطور تحت أنظارنا طوال الوقت .. لذلك فقط استحق أن نكتب عنه وان نخصه بالاهتمام علنا نتعلم منه وعنه… أسامة الذي رأيته في المشربية ليس هو بالتأكيد أسامة الناضج الذي تعرفت إلى أعماله سنوات نهاية عقد التسعينات. إنه اسامة آخر اسامة لديه مشاكل شخصية وفنية ظاهرة لكنها لا تمنع الاستمتاع بالعمل ومتابعته لحظة بلحظة واهتماما باهتمام وكادرا بكادر ومشهدا تلو مشهد….!!.

الأعمال الأولى لأسامة قبل أن ينضج هي أشبه ما تكون بتدريبات من أجل الخروج.. ؛ الخروج من شرنقة المثقف الجاد والكاتب والأديب ؛ شرنقة الفنان وهذه يعرف أي سيناريست مبتدئ أن عليه تجاهلها تماما إن أراد أن يكتب للتلفزيون وأن يحقق المتعة لمشاهديه. الشرط الأول أن تترك التفلسف جانبا وأن تبدأ الكتابة !! وهذا ما فعله أسامة بالضبط…

في المشربية سنجد عدة عناصر فنية وجمالية سترافق أسامة خلال أعماله القادمة حتى تتحول إلى ما يشبه توقيعه الشخصي المميز له عن كل جيله من الكتاب وفيهم قامات فنية محترمة ومجدة وفنانة.. وأيضا ثمة عناصر اخرى سوف يجد اسامة انه لابد من التخلص منها وإنزالها مع اول محطة يقف عليها قطار العمر وقد كان… لذلك لن تكفي مقالة واحدة للإلمام بموضوع عناصر العمل الفني العكاشي- (نسبة لعكاشة)- وسوف تكون لنا وقفات اخر مع اعمال اخر لأسامة الناضج او المبتدئ فالتنقل بينهما يكفل فهم رحلة الفنان وتقديره حق قدره!..

من بين هذه العناصر عنصر الحوار الفكري الذي يطرح اسئلة كانت موجودة  قبل ظهور اعمال اسامة على الشاشة فلقد شغلت منذ نهاية عقد الستينات اذهان المثقفين والكتاب المصريين والعرب ؛و لكن كان له وحده شرف طرحها بهذا الالحاح وبهذا الاستمرار والتطور لعقود من الكتابة للتلفزيون ؛ وهي اسئلة ملحة عن علاقة الفنان والكاتب والمثقف بمجتمعه بمدى توحده مع مشكلاته وتعبيره عنها في ذات الوقت الذي يحتاج فيه كما بالضبط جاء على لسان الرسام في المشربية -قام بالدور الكبير محمود الحديني – فان الفنان يحتاج إلى مسافة ينمو فيها فنه إلى شئ من البعد عن هذا المجتمع إلى شئ من الخلوة حتى تظهر اعماله وتكتمل وتنمو.. هذا السؤال لطالما ارق اسامة في اغلب اعماله وطرحه مرارا بصيغ صريحة لا دوران فيها ولا تغطية ولا حتى مجاز ..! جاء السؤال على السنة الكثير من لشخصيات الرئيسة في اعماله  وفي هذا العمل بالذات – المشربية- يحتل السؤال  صدر الصفحة وصدر الشاشة ويتكرر مرارا بطرق مختلفة وذلك في حوارات الرسام مع الدكتور الباحث عن كنز بيت الحلواني كما في حوارات الفنان مع زميلته  الفنانة او مع موديله التي يرسمها او حتى في حواراته مع حارس بيت الحلواني عم ايوب!! وهذه الاسئلة حتى لو تمكن اسامة لاحقا من ادارة طرق عرضها وتخفيف حضورها وحصرها ضمن بعض المشاهد البسيطة والعابرة والصغيرة فإنها تقريبا لم تختف نهائيا من اعماله بل ظلت قائمة وحاضرة تشكل اطارا عاما لعمله الدرامي حتى وصلت إلى اعلى مراحلها رقيا فنيا وجماليا ومضمونيا في دراما ارابيسك..! بعدها توقف حضورها عن الحظوة بالأهمية الكافية التي كانت لها سابقا وراح اسامة يبحث عن اسئلة اخرى يطرحها ويجرب ويكتب..

وهنا لابد من ملاحظة ان هذه الحوارات في المشربية تختلف قليلا عما لحقها من حوارات اذ تبدو هنا كما لو كانت مونولوجا داخليا مستمرا ؛ ودليل ذلك هو امتناعها على التطور وتوقفها عند لحظة طرحها وتكراراها مرارا .. دون جدوى وهو ما سوف نشهد لا حقا نقيضه تماما فهذه الحوارات هي نفسها تتطور وتتلاحق وتنجب اجابات وتتركها لتذهب إلى غيرها فتتطور دراميا وتتلاحق وحتى تجري امام العمل الدرامي نفسه كما هو المشهد الذي يخترق فيه حسن ارابيسك حارات القاهرة القديمة مدخنا متسائلا اين اضاع نفسه كل هذه السنوات؟؟! والذي اجزم ان لا مشهد يشبهه في جماله وفي فرادة تشكيله وانه لا محاولة حتى للحاق به إلى الان تسجل!!.

ومعلوماتنا عن سيرة حياة الكاتب اسامة انور عكاشة هي فقط ما اعتقد انها تقدم لنا شرحا عن اهمية وضرورة الحوارات  التي اضطر اسامة لخوضها ضد نفسه ليخرج روحه الفنانة من شرنقة الثقافة والكتابة فهو قادم من هذا الوسط بالذات الوسط الذي يدعي الفهم والثقافة والجدية وكانت له مجموعة قصصية صادرة قبل اعماله الدرامية ورواية قضت على امال عيشها مدرسة السيناريو المعروفة فأخرجت عملا مملا لا علاقة له من قريب او بعيد بأعمال اسامة بل لقد اعادت عمل اسامة إلى نفس الشرنقة التي خرج منها- اقصد رواية موجة حارة-؛ وهذا يعني ان اسامة كان من هولاء الكتاب والمثقفين الجادين وهولاء تنمو موهبة الكتابة لديهم في ظل احلام اليقظة التي تتحول لاحقا ذخرا خياليا يمتحون منه ويغرفون!! بسهولة عجيبة شرط مرور الزمن الكافي!.

هكذا جاء اسامة انور عكاشة بشرنقته الملتفة حوله إلى عالم التلفزيون والشعب والواقع فاضطر مرارا إلى خوض كل ذلك النضال الحاد ضد ذاته و اوهامه وأحلام يقظته احتاج إلى كل هذه الحوارات حتى تمكن لاحقا من مزج احلام الفنان بوقائع حياة المواطن عبر نموذجه الاعلى وسوبرمانه الخاص: حسن ارابيسك.
___________
*بنغازي /في 23يونيو2018م

 

 

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *