الرئيسية / إضاءات / سيد البحراوي ناقداً مجدداً ومترجما ً… وأديباً

سيد البحراوي ناقداً مجدداً ومترجما ً… وأديباً

*عبدالكريم الحجراوي

يعد الناقد المصري سيد البحراوي الراحل، الذي غيّبه الموت مؤخراً؛ أحد ركائز قسم اللغة العربية في كلية الآداب في جامعة القاهرة، منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، وبعد حصوله على الماجستير في «موسيقى الشعر عند جماعة أبولو»، والدكتوراه في «البنية الإيقاعية في شعر بدر شاكر السياب»، تدرّج في السلك الأكاديمي حتى بلغ رئاسة القسم نفسه في عام 2003، وحاضَر في جامعة القاهرة فرع الخرطوم، وفي جامعة ليون الثانية في فرنسا، وأشرف على مئات الأطروحات العلمية في جامعات مصر والجزائر وفرنسا، وترك أكثر من 30 كتاباً ما بين النقد، والترجمة، والإبداع القصصي والروائي، بخلاف العشرات من الدارسات النقدية والمقالات في المجلات والصحف العربية، وشارك في لجان تحكيم أكاديمية وأدبية عدة في الكويت والأردن والإمارات.

قدم البحراوي في دراسته للإيقاع عند بدر شاكر السياب منهجاً جديداً لم يضف إليه أحد بعده في الدراسات الحديثة، المتمثلة في تقديمه لمعرفة علمية بالتراث العروضي العربي كاشفاً عن المصادر التي استقى منها الخليل في وضع العروض، موضحاً في النهاية إيجابيات العروض الخليلي وسلبياته، والجانب الإيجابي يتمثل في إشارته عبر التفعيلات إلى واحد فقط من الأسس الإيقاعية للشعر العربي، وهو الأساس المقطعي أو الكمي، ومن هنا وجبت الاستفادة من الدراسة الصوتية الحديثة لتضيف إلى هذا الجانب الكمي عنصرين آخرين هما: النبر والتنغيم، والجانب السلبي والأهم من ذلك أن العروض بعامة لم يهتم بالجانب الأكثر أهمية في دراسة الإيقاع وهو وظيفته، أي علاقته بالمعنى في القصيدة؛ وطبَقه من خلال شعرية بدر شاكر السياب.

ومن أهم منجزات البحراوي كتابُه «في نظرية الأدب «محتوى الشكل مساهمة عربية»، الذي سعى فيه إلى تقديم نظرية عربية في الأدب. وتكمن أهمية هذا الكتاب في تأكيده أهمية إعمال العقل وعدم الارتكان إلى كل ما هو غربي على أنه هو الصحيح، من باب التبعية الذهنية والتي تعني التسليم بالآخر كنموذج فكري ينبغي أن يحتذى؛ كما أوضح في مقالة له نشرتها مجلة «أدب ونقد» القاهرية في عام 1994 حول التبعية الذهنية في النقد العربي الحديث في مصر.

وأثار هذا الكتاب الكثير من الأسئلة المهمة، عن العلاقة بين النظرية النقدية والأيديولوجية، والعلاقة بين شكل العمل الفني ومحتواه، كاشفاً أزمة المنهج العربي وأسبابها باعتبار أن التبعية الذهنية الدائمة للمناهج الغربية، هي التي أدت إلى عدم وجود منهج نقدي عربي، حتى الآن.

ورأى البحراوي، أن تجاهل إنجازه العربي هذا في الأدب «طبيعي ومتعمد»، لأن نظريته «محتوى الشكل» هي محاولة لكسر الجمود وتحقيق نقلة في التاريخ النقدي العربي الحديث، فالناقد العربي التابع ذهنياً للغرب يقاوم في شكل آلي ما هو أصيل، وما هو إبداع حقيقي، حفاظاً على مصالحه التاريخية في النقل، والأجيال الجديدة عليها أن تختار ما بين استمرار أزمة التبعية الذهنية أو محاولة الوعي بالمشكلة والخروج منها، وبالتأكيد الخروج من هذه الأزمة لن يكون بمجهود فردي وإنما مرهون بتغير شامل في المجتمع، وذلك بحسب الحوار الذي أجرته مع «الحياة» ونُشر في الأول من أيار (مايو) الماضي.

ومن إسهامات البحراوي ترجمته بالاشتراك مع زوجته أمينة رشيد «مداخل الشعر: باختين، لوتمان، كوندراتوف»، عن الإنكليزية والفرنسية، ورواية «المكان» لآني إرنو، و «الأيديولوجية: وثائق من الأصول الفلسفية لميشيل فاديه»، ورواية «الأشياء» لجورج بيريك. ولم تتوقف إسهامات البحراوي عند النقد والترجمة، وإنما خاض مجال الإبداع الأدبي، فعلى رغم تأخر ظهور إنتاجه الإبداعي مقارنة بأعماله النقدية والمترجمة، فإنه مارس الكتابة الإبداعية الأدبية منذ ستينات القرن الماضي، ولكن لم تخرج هذه الأعمال إلا متأخراً ومنها رواية «ليل مدريد» (2002)، التي تناقش الكثير من القضايا مثل إقصاء المرأة في العالم العربي، والصراع بين الروح والجسد، ومجموعته القصصية «طرق متقاطعة» (2005) التي تشابه إلى حد كبير مع ما يعرف باسم قصيدة النثر، فهي قصص قصيرة جداً، والتي اتسمت مع مجموعته الأخرى «صباح وشتاء»، بسردها الخاطف السريع، وفي عام 2006 أصدر ثلاث روايات قصيرة في كتاب واحد وهي «هضاب ووديان»، «رحلة الكروان»، «مغامرة رشيد»، وتتناول قضية الحرية المسلوبة في حياة الإنسان العربي.

وفي عام 2007 صدرت روايته «شجرة أمي». ويلاحظ أن جل أعمال البحراوي الإبداعية يطغى عليها الجانب السيري، والتكثيف السردي، وأنها قصيرة نسبياً من حيث عدد الصفحات. وأعلن البحراوي في عام 2014 أن لديه سيرة ذاتية شبه مكتملة، ورواية بعنوان «الساحرات»، وجزءاً ثانياً من رواية «ليل مدريد»، ومجموعة قصصية، وأنه بصدد إصدار أجزاء من كتاب بعنوان «الرحلات»، وقد أخبرني أثناء حواري معه لـ «الحياة» أنه لديه الكثير من الأعمال الإبداعية التي ينوي نشرها، وهي الآن في عهدة زوجته الدكتورة أمينة رشيد.

البحراوي؛ كان يؤمن بأن كلاً من النقد والأعمال الأدبية «إبداع»، لكن الإبداع الأدبي ينبع من منطقة في الإنسان مختلفة عن المنطقة التي ينطلق منها الإبداع النقدي. ومن هنا كان يرى أن الإبداع النقدي يهيمن عليه العقل، فيما يسيطر على الإبداع الأدبي الخيال والحدس، «على الأقل في الكتابة الأولى»؛ على حد تعبيره. ويعد البحراوي واحداً من أهم النقاد الماركسيين العرب، وبسبب ميوله اليسارية تعرّض للكثير من المشاكل مع السلطة في مصر، فكان ضمن المعتقلين في أيلول (سبتمبر) 1981 بأمر من الرئيس أنور السادات في إطار قمع معارضي اتفاقية كامب ديفيد.

كما حورب من قبل التيارات الرجعية، التي انتقدت تدريسه رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح في العام الدراسي 1985-1986 فقدموا شكوى ضده إلى رئيس جامعة القاهرة وقتها؛ متهمين إياه بأنه يدرس «رواية إباحية». ولم يكن ذلك الموقف بعيداً مِن الكيد له بسبب مواقفه السياسية الصريحة المنحازة إلى الطبقات الفقيرة.

ومن آخر الكتب التي صدرت له «في مديح الألم» (2016) الذي يعبر فيه عن تجربته مع السرطان، مختاراً لها شكل اليوميات ليروي تفاصيل مرضه الذي اكتشف الإصابة به في نيسان (أبريل) 2014. ولعله من الجدير بالذكر أنه في بداية هذا العام كان يحدثنا -نحن طلبة الماجستير في جامعة القاهرة- عن الألم، وكأنه كان يستشرف ما هو مقبل عليه شخصياً. وفي أيار (مايو) 2015 أعلن البحراوي شفاءه من المرض، إلا أنه في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي عاوده مرة أخرى.

نعي «ورشة الزيتون»

نعت جماعة «ورشة الزيتون» التابعة لحزب التجمع اليساري في مصر، الناقد سيد البحراوي، وعبر منسقها العام الشاعر شعبان يوسف في بيانٍ عن «الحزن والأسف الشديدين لفقده، في ظل احتياج الحركة الثقافية له كنموذج».

وأضاف: «البحراوي لم يكن ناقداً عابراً في الحياة الثقافية المصرية والعربية، بل استطاع أن يمثل الناقد والمثقف الضمير، وظل معتصماً باستقلاليته من دون أن يهرول نحو مناصب حكومية، بل شارك منذ السبعينات في الحركة الثقافية المستقلة، لينشئ مع يحيي الطاهر عبدالله مجلة «خطوة»، التي قدمت شكلاً ومضموناً فريدين في الثقافة، واستكتبت قامات فكرية من طراز نصر حامد أبوزيد وأمينة رشيد».

وجاء في النعي: «شارك البحراوي في تظاهرة ضخمة احتجاجاً على مشاركة إسرائيل في معرض القاهرة للكتاب عام 1981، وبعدها دفع بكل طاقته لتطوير لجنة الدفاع عن الثقافة القومية مع لطيفة الزيات وعبد العظيم أنيس وحلمي شعراوي وصلاح عيسى وغيرهم، ثم راح يكتب في مجلة «أدب ونقد»، وكرّس نفسه لاكتشاف كثير من المواهب الشعرية والقصصية، وقدّم جهوداً نقدية على مستوى كبير من الوعي والانحياز للثقافة الطليعية، وكان كتابه «البحث عن المستحيل» عن أمل دنقل، مثيراً للجدل، ثم كتابه «محتوى الشكل» والإشكاليات والحوارات التي أثارها مازالت تلوح في الأفق، ثم كتابه «المدخل الاجتماعي للأدب… من علم اجتماع الأدب إلى النقد الاجتماعي الشامل» وقدم فيه وجهات نظر جديدة، مع تطبيقات نقدية من أعمال لصنع الله إبراهيم وصلاح جاهين وغيرهما».

وذكر بيان النعي أن «إنجازات البحراوي جاءت وسط معوقات وضعت عمداً في طريق المثقف والناقد الضمير، من جانب مثقفين وساسة، لكنه حافظ دائماً على انحيازه من دون أي شروط للثقافة الطليعية».

وأوضح البيان نفسه أن سيد البحراوي سيظل «نموذجاً للمثقف الشريف والتقدمي، والذي كان يجاهر بموقفه الطليعي والمستقل في مواجهة الرخص الثقافي، وبهذا يكون مع مجموعة قليلة جداً، الامتداد العضوي لمحمد مندور وعبد المحسن طه بدر – أستاذه المباشر- وشكري عياد… سيظل البحراوي القيمة والقامة والمعنى العظيم للثقافة الناصعة في وجه مَن انسحقوا وضلوا وضللوا وارتضوا بدفء المقاعد الوثيرة».
_________
*الحياة

شاهد أيضاً

إنما الفلسفة أنا

*خاص – ثقافات *د.عزيز الحدادي      بهذه العبارة الرائعة انطلقت الفلسفة العربية منذ الفارابي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *