الرئيسية / خبر رئيسي / محمد حسين محمدي: الكتابة الأفغانية تُنسج من الدم والمعاناة

محمد حسين محمدي: الكتابة الأفغانية تُنسج من الدم والمعاناة

خاص- ثقافات

*عثمان بوطسان

يُعتبر فعل الكتابة بالنسبة للكتاب الأفغان تأكيدا على الوجود ومحاولة لإعادة بناء الهوية الممزقة، بالنظر إلى مجموعة من العوامل التاريخية؛ المتمثلة أساسا في ظروف الحرب التي مرت بها أفغانستان، وأبرزها الاحتلال الشيوعي السوفييتي والتدخل الأمريكي الذي أرهق الفرد الأفغاني، وأدخله في سلسلة من المعاناة المستمرة والمتكررة إلى حد الجنون. يمكن وصف أفغانستان بالبلد العبثي، ليس لأنه يعيش على هذا النوع، بل لأن الأزمات الاجتماعية والسياسية المتكررة حولته إلى ما يشبه البقعة الملطخة بالدمار، التي يصعب تنظيفها بسهولة. فالهجمات على أفغانستان من قِبل طالبان والحركات الظلامية مستمرة إلى يومنا هذا، ما يدفع بالكاتب الأفغاني إلى مواصلة حربه الأدبية ضد هذه الأعمال اللاأخلاقية واللاإنسانية، التي تعرقل مشروع تقدم المجتمع الأفغاني. لذلك ففعل الكتابة يأتي تأكيدا على مواصلة الصراع الثقافي بين هذه الجماعات والمثقفين والكتاب والفنانين في إطار التنديد وكشف القناع عن المستور.
إن فعل الكتابة يُعرف بكونه فعلا تحرريا وثوريا ضد الثقافة الظلامية السائدة والتقاليد العمياء، التي تحد حرية الفرد وتجبره على الالتزام بقواعد تخالف الوعي الفني والأدبي الحديث.
يعتبر محمد حسين محمدي من الكتاب الأفغان المميزين الذين يبحثون عن أنفسهم من خلال فعل الكتابة. فالكتابة أشبه برحلة البحث عن آثار الطفولة القديمة وسط الدمار ومخلفات الحرب. نشر محمد حسين محمدي كتابا تحت عنوان :» Les Figues rouges de Mazâr « وهو عبارة عن مجموعة من القصص القصيرة تحكي واقع أفغانستان الحديث، راسمة بذلك صورا دموية لها علاقة مباشرة باللون الأحمر المشار إليه في العنوان. فاللون الأحمر يرمز إلى الدم والعنف والمعاناة والقتل غير المبرر الذي تنهجه حركة طالبان ضد الأفغان العزل. ومحمد حسين محمدي، صحافي اشتغل مسؤولا في شعبة الصحافة في الجامعة الشعبية في كابل. ولد سنة 1975 في المزار الشريف، شمال أفغانستان، هرب في سن السادسة مع عائلته من أفغانستان نحو إيران بسبب اندلاع الحرب المدنية. يتطرق كتابه إلى إشكالية الحرب والموت والحب في زمان الأزمات. ويحاول الكاتب كشف القناع عن الواقع من خلال هندسة نصية تُدخل المتلقي في متاهة من المعاني والرموز التي تستمد معانيها من الثقافة الشعبية الأفغانية، لتسافر به نحو العالم الداخلي للشخصيات. فالكتابة ليست فقط، سردا للأحداث والوقائع، وإنما تتجاوز هذا التعريف لتشمل المعاناة اليومية والإحساس بالهوية الممزقة. يُدخل الكاتب المتلقي في سلسلة من الأسئلة المتعلقة أساسا بما يقع في أفغانستان نظرا للوضعية الحرجة التي تستدعي تعرية الواقع كما هو بدون التعمق في الوصف.
وقد اعتبرت الناقدة تيردانكر شاندا أن الحنين إلى أفغانستان من أسباب ودوافع كتابة هذا النص. فالعنوان يميل إلى الهزل لأن الـ14 قصة تكون جزءا يرسم فيه الكاتب جمال الماضي من خلال موضوع الغياب والطفولة البعيدة؛ كاشفا الستار عن الحرب والرعب والدمار المخلف. إن ثيمة الدم حاضرة بقوة في هذا الديوان القصصي. من هنا فإن الرواية الأفغانية والقصة القصيرة نصوص تنسج من وحي الفراغ، وصدى الصرخات والمعاناة، والدم الذي يلطخ الأرض والجدران. والأشكال الحمراء هي رموز للدم المهدور كدليل واقعي ومعاش عن التراجيديا الأفغانية.
تتحول الكتابة من المنطق الأدبي الفني الهادف إلى خلق عوالم خيالية لأغراض أدبية جمالية، إلى الالتزام والدفاع عن القضية كتعبير عن الوعي الفردي الباحث عن خلق وعي جماعي. يخلق محمد حسين محمدي عالما خاصا، حيث تخاط التفاصيل بدقة تامة بما في ذلك الشوارع الفارغة والمدن المدمرة والرجل والنساء الباحثين عن النجاة عن طريق التعاون والتضامن في ما بينهم، لمواجهة الغزو الظلامي لحرب عمياء تحرق اليابس والأخضر. ربما هو تعبير مجازي، لكن الوضع في أفغانستان وضع مأساوي جدا. إن الأدب الأفغاني أدب الدم، حيث يختلط العنف بالمعاناة والهوية الممزقة والمشتتة بالفراغ والغياب بالمنفى والأنا المجروح والتائه بالفضاء المتناقض.
يرسم محمدي مشاهد للعنف، حيث يتحول الجسم إلى شيء فاقد للمعنى يُستغل أبشع استغلال ويتعرض لكل أنواع العنف. يقدم الكاتب للمتلقي واقعا مرعبا من خلال وصف واقعي وإدراج شخصيات كضحايا للنظام السياسي والعسكري الفاسد. والهدف من هذا الوصف، ربما الاعتراف بطريقة أو بأخرى، وتقاسم تجربة واقعية عاشها الكاتب في مرحلة ما من حياته. فالرعب يسيطر على الفضاء السردي للنص، ليسكن الشخصيات ويتوغل فيها، عاكسا بذلك مفهوم تدمير الشخصية المتعارف عليه في الكتابة الروائية والمسرحية الحديثة. والمقصود بتدمير الشخصية، إفقادها القدرة على الإحساس بالوجود والمشاعر وتقرير المصير؛ أي أنه يتم تجريدها من كل شيء حتى تتحول إلى أشبه بشيء فاقد للمعنى والحس. فالوقائع التي يسردها محمدي تحملنا إلى قلب المشهد الأفغاني، حيث العنف والدمار يسيطران على خلفيات المشاهد وتتحول الأحداث إلى نوع من إعادة تمثيل جرائم الحرب المرتكبة في حق أفغانستان.
في هذا الإطار يتقاطع محمد حسين محمدي مع عتيق رحيمي في سرد واقعية المأساة، التي يعيشها الأفغان. ففي رواية «الأرض والرماد» لعتيق رحيمي، نجد شخصيات تعاني بسبب الحرب، ومنها من فقدت عائلاتها وشرفها. وهكذا فإن عنوان الرواية يشير إلى الرماد، وهو دليل عن الحرب ويرمز إلى النار والدمار.
ولكن، تعتبر كتابات محمدي من الكتابات المميزة المستمدة من عمق الأزمة التي عاشها، أو التي كان شاهدا عليها، وتندرج ضمن مجال الأدب الحديث من حيث الأسلوب والسرد والهندسة الشكلية للنصوص والشخصيات. كما أن الالتزام والدفاع عن قضية الشعب المغتصب في حقوقه وحياته تدفع بالعديد من الكتاب الأفغان إلى إعادة طرح إشكالية مصير أفغانستان، في ظل الأزمات المستمرة وتأثيرها الاجتماعي والاقتصادي على تطور البلاد.
في هذا السياق، كشف محمد زمان خان عن قلقه اتجاه السياسات الحالية التي تستهدف أفغانستان، معتبرا أن بلاده تحاول تجاوز هذه الأزمات بدون جدوى، ما يزيد من حدة المعاناة واستمرار مشاهد العنف والقتل. يحلم محمد زمان خان بعالم خال من المعاناة والحزن، خاصة من خلال هذه الأبيات الشعرية
بعيدا عن هذا العالم، في عالم آخر
لم يكن أحدٌ هناك، إلا أنا وأنت
لم يكن للحزن معنى وللمعاناة مكان
غرفة من حجرٍ
وزربية تكفي،
في مساءٍ ينسجم فيه الماء بنور الليل الصافي .
والمراد من عالم آخر، أفغانستان أخرى بعيدا عن الحرب والمعاناة، حيث لا مكان للحزن ولا للمعاناة. فجميع الكتاب الأفغان يحاولون خلق عالم مواز لعالم العنف والدم، بغرض نسيان المأساة ولو رمزيا. وإذا ما عدنا إلى كتاب محمد حسين محمدي، فليس فقط سرد الأحداث ما يملأ فضاء النص، بل يحاول أن يرسم لشخصياته مخرجا من الحرب، عن طريق إدخال ثيمة الحلم، كما هو الحال عند عتيق رحيمي في رواية «ألف منزل للحلم والرعب»، حيث يرتبط الحلم بالرعب خالقا بذلك عالما متناقضا كمرآة للواقع المعاش. كما أن الغرض من جميع كتاباته، دائما ما يرتبط بمجموعة من الأسس الثقافية والدينية والاجتماعية.
لكن هناك سببين يدفعان بالكتاب الأفغان إلى ممارسة الكتابة، وعلى رأسهم محمد حسين محمدي، وهما مسألة النزهة الأيديولوجية من خلال معالجة سياسية لأحوال بلاده، وكذا لتوجهات أدبية خاضعة لتأثير مباشر لحوار الثقافات، ويظهر هذا الجانب من خلال جعل الرواية الأفغانية مرآة للمعاناة التي يواجهها الشعب.
فالحرب صورة لمجزرة ارتكبها الجيش السوفييتي والتدخل الأمريكي وما تزال ترتكبها طالبان في حق أفغانستان.
وفي هذا السياق، يقدِّم لنا عتيق رحيمي من خلال روايته «ملعون دوستوفسكي» صورة مأساوية عنيفة عن أفغانستان، من خلال جريمة قتل تتماهى مع قتل راسكولنيكوف المربية العجوز في رواية دوستويفسكي «الجريمة والعقاب». من خلال الأسطر الأولى للرواية تتماهى مع بطل رواية دوستوفسكي «راسكولنيكوف»؛ ثم ما يلبث أن يدخلنا في متاهة محاكمة كافكا، لينتقل بعدها إلى عبثية «مورسو» في رواية «الغريب» لكامو، وينهي مع بعض المفارقات لبطل ديدرو في «جاك المؤمن بقدره».. وإقدام رسول (شخصية الرواية) على قتل عجوز لينقذ خطيبته وأخته وأمه من البؤس. البؤس نفسه يكشف عنه محمد حسين محمدي من خلال كتابه. فمهما اختلفت التجارب والوقائع، يظل الفضاء والمصير واحدا. فأفغانستان أرض غير مستقرة ولن تستقر أبدا على ما يبدو إلا بعد زمن طويل من المعاناة. إن نصوص محمد حسين محمدي تتخذ من الواقع منطلقا نحو عوالم أخرى ذات بعد نفسي تعكس أزمة الشخصيات، خاصة أزمة الهوية المتفسخة والمبحوث عنها. وهكذا فإن الكتابة الأفغانية شبيهة برحلة البحث عن الأصل المفقود، لأن الحرب أفقدت الفرد هويته وحولته من حالة الاستقرار إلى حالة البحث المستمر الشبيهة بالمتاهة التي لا تنتهي، إلا بعودة الذات إلى جذورها. فالشخصيات في حالة تحول مستمرة ترتبط بعالمين، أحدهما واقعي معاش وآخر متخيل يصعب تحقيقه. فالخيال يتشكل من خلال الحلم والذكريات ويتسم بحالتين ملموسة وأخرى مجردة.
وخلاصة القول، إن الكتابة تأكيد على الوجود ومحاولة لإعادة بناء الهوية. ولا يمكن نسج نصوص من الخيال ما دام الواقع المعاش يفرض قوته وسلطته على الكاتب. لذا، فمحمد حسين محمدي من الكتاب الذين يتخذون من الدم مادة لنسج أحداث الواقع ومزجها مع الصرخات النابعة من عمق المعاناة التي تخلف أثرا سلبيا على الكاتب وشخصياته الشبيهة بالمعاقة. من هنا، فالدم لغة كلغة الجسد والكلمات ويمكنه خلق رمزية وبعدا تأويليا سيدفع حتما بالمتلقي إلى طرح مجموعة من التساؤلات حول ماهية الدم والهدف منه، هل بغرض خلق نوع من التعاطف أو فضح الواقع بدون زخرفات زائدة. ولعل هذه من جماليات الأدب الأفغاني، باعتباره أدبا صريحا يستمد مكوناته من التجربة المعاشة والإحساس الفردي بالغربة والجرح من خلال تجربة المنفى والحرب. ودائما ما ينطلق الكاتب من ذات الفرد إلى ذات الجماعة في محاولة إلى بناء الهوية الجماعية التي تستمد جذورها من الهوية الفردية المضطربة.

٭ كاتب وباحث مغربي

شاهد أيضاً

نعوم تشومسكي : إنها فرصتنا لخلق عالم مختلف،أو لن يتحقق ذلك

ثقافات –  ترجمة  : سعيد بوخليط   تقديم : يتضمن هذا الحوار،وجهة نظر اللساني اللامع والفيلسوف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *