الرئيسية / مقالات / الهندسة الثقافية وتحدي العولمة

الهندسة الثقافية وتحدي العولمة

*زهور كرام

إن حركية كل مفهوم، تظهر في مرونة انتقاله من الدلالة إلى الوسيط. ويُحقق المفهوم هذا الانتقال، بفضل نشاطه في الاستعمالات، خاصة الميدانية والتطبيقية، لكونه يأخذ ملامح سياق التطبيق، ويستثمر خصوصيات التصريف الدلالي، إلى جانب قدرته على إيجاد موقع حيوي ضمن المفاهيم المألوفة. هناك مفاهيم تظل قيد منطقة التفكير، باعتبارها مجرد موضوع مفكر فيه، وقد تعرف اهتماما كبيرا، وانشغالا معرفيا، يجعلها حاضرة بقوة في الخطابات، غير أنها قد لا تتمكن من مغادرة التفكير إلى السلوك والممارسة والإنجاز. وقد تقف وراء هذا الإكراه مجموعة من الأسباب، أهمها عدم نضج تربة استقبال المفهوم، الناتج عن عوامل سياسية وحقوقية وتنموية، تجعل التربة أكثر تعقيدا، إضافة إلى ذلك، فإن شكل التعامل مع المفهوم ودلالته، يُعبر عن مسار تقدم المجتمع، ومكتسبات الدولة. ويكفي أن نشير في هذا الصدد إلى بعض المفاهيم التي من كثرة ارتباكها في سياقات الاستقبال، فقدت دلالتها، وتحولت إلى وسيط يُناقض جوهرها، مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان والحداثة، وغير ذلك من المفاهيم التي اشتغل بها التفكير، خاصة في المنطقة العربية، أكثر من الاهتمام بسياق أجرأتها، وتمكينها من التحقق على أرض الواقع.
تعد الهندسة الثقافية من المفاهيم الطيَعة، لكونها تشتغل موضوعا، من أجل إنتاج الدلالة الثقافية التي تعبر عن جوهرها، وفي الوقت ذاته، تستطيع أن تنتقل من الموضوع إلى الوسيط لخدمة موضوع آخر، والتأثير فيه، وتطوير التفكير فيه بإنتاج وعي حوله. وبهذا، تُصبح عنصرا فاعلا ومساهما في تطوير الوعي.
إن الهندسة الثقافية باعتبارها مفهوما استراتيجيا لتدبير الثقافة بتصور مختلف، من خلال استثمار المجال والمواقع الحضارية، والآثار التاريخية، والمساحات الطبيعية، وصناعة أفكار جديدة في الفن والإبداع والموسيقى والمهرجانات، فإنها تعتبر أداة مرنة للتنمية، وأفقا مفتوحا على الابتكار والتجديد والإبداع للأفكار والتصورات والرؤى، وإدماج عموم الجمهور في عملية الابتكار والاستفادة منه. وبالتالي، فإن تحقيق فعالية هذا المفهوم على أرض الواقع، يتطلب شروطا بنيوية، تخص مبادئ الحرية، والحق في التعبير، وتهيئ شروط الابتكار، وتشجيع المبادرة، وغير ذلك من الشروط التي تسمح بحرية التفكير في إبداعٍ، يمكن تحويل فكرته إلى منتجٍ ثقافي برؤية مختلفة، قابل لتحقيق التنمية. وعليه، فإن الهندسة الثقافية ترفع من شأن البُعد الاقتصادي التنموي للقطاع الثقافي، وتجعل الثقافة قطاعا حيويا، شأنها شأن باقي القطاعات التي تلعب دورا تنمويا، وذلك عندما تحرر الهندسة الثقافية مفهوم الثقافة من المادة الجاهزة تاريخيا وحضاريا، وتُحولها إلى مادة مُتحولة، أو معاد إنتاجها من عناصر متعددة، أو يتم إنتاجها بشكل جديد ضمن رؤية مختلفة. فإذا كانت الثقافة في الاستعمال الدلالي المألوف، تعني الإرث التاريخي، الذي يُلزم المجتمعات الحفاظ عليه، بتحصينه من التلف، أو تجديد حياته، بالدفاع عن نظامه، أو نقصد بها مختلف أشكال الإبداع والفن، فإن الثقافة اليوم تدخل ـ بدورها ـ زمن « مجتمع المعرفة»، وتُصبح قطاعا مفكرا فيه، باستراتيجية تنموية واقتصادية، لذلك أصبح لها مهندسون ووسطاء يشتغلون بأفق مفتوح على ثقافة عامة، وعلى كل المجالات الطبيعية والصناعية والتجارية والفنية، ما يعطي للثقافة إمكانية التحرك في أرضيات متعددة ومتنوعة، ولكنها تملك قدرة تحويل هذه الأرضيات و الخطابات إلى منتجات ثقافية، لها جمهور ومتابعون ومدافعون عنها. وهذا يتماشى مع مجتمع المعرفة، الذي يجعل المعرفة هي أساس الاقتصاد والثقافة والمجتمع، وهي المادة الخام الأساسية في كل نشاط أو عمل، بل أصبح تطور المجتمعات يُقاس بحسن تدبير المعرفة، وامتلاك القدرة على إنتاجها. إنها الرأسمال الفعلي في كل إنتاجٍ ومشروعٍ. يدعو «مجتمع المعرفة» المجتمعات اليوم، إلى الاتجاه صوب ابتكار أفكار، وصناعة تصورات، وإبداع مفاهيم، واعتماد المعرفة باعتبارها أهم مكونات رأس المال في العصر الحالي.
وإذا كانت العولمة باعتبارها أيديولوجية تسعى إلى توحيد الكون في تصورات واحدة، فإن اعتماد الهندسة الثقافية برؤية واضحة، مع الوعي بأهميتها الحضارية، يمكن أن تتحول إلى عامل مساعد في تحدي العولمة، ومُحاصرة أيديولوجيتها التي تسعى لتذويب الخصوصيات السياقية للمجتمعات، من خلال عمل مزدوج، من جهة: الانخراط في العولمة باعتبارها واقعا يفرضه الاقتصاد والتكنولوجيا، بل الوعي بشرط الانخراط الذي يتم ـ في غالب الأحيان ـ بطريقة لاواعية، باعتماد سياسات الإعلام والإشهار والإعلان والاستهلاك، وتسويق أنماط محددة من الأفكار وأنماط العيش، والدفع بالمجتمعات إلى الأخذ بها، بل الدفاع عنها، ومن جهة ثانية: الانخراط في العولمة بخصوصية الإبداع في الأفكار والتصورات والمفاهيم، عبر الهندسة الثقافية.
ذلك، لأن منطق العولمة يعتمد في جوهره على نشر قيم ومفاهيم ورؤى، يتم تسويقها وتمريرها باسم الوحدة العالمية، إلى جانب عولمة السلوك ونمط الحياة، خاصة مع تراجع مفهوم الحدود مع الوسائط التكنولوجية، وتشجيع ثقافة الاستهلاك، مع خطاب الإشهار، الذي بات يعتبر من أهم خطابات التواصل، تحقيقا لعولمة الحياة والسلوك والأفكار والحاجيات. مع ذلك، فمفهوم الكونية الثقافية يبقى مفهوما مُلتبسا، أو بتعبير آخر، يحمل تناقضه في جوهره، إنه مفهوم استعماري لذاكرة مفاهيم المجتمعات وللتجارب الحضارية من جهة، ويسعى إلى إقصاء تجربة كل مجتمع مع المعرفة والفكر والذاكرة، ومن جهة أخرى فهو مفهومٌ مُستفزٌ للخصوصية الثقافية والاجتماعية للمجتمعات، وقد يتحول هدفه الأيديولوجي إلى سبب لمواجهته، بالعودة إلى الذات المحلية، وتطوير المعرفة بهذه الذات، ونشر أفكارها ومفاهيمها من أجل حماية الذات والذاكرة من العولمة، بل أكثر من هذا، الدفاع عن شرعية مكونات الذات، بتسويق تاريخها وثقافتها وتصوراتها.
بهذا الشكل، نفترض أن مفهوم الهندسة الثقافية يمكن أن يلعب دور الفاعل الثقافي الذي يُقاوم المنطق الداخلي للعولمة، ويتصدى لها، من خلال اختراق مفهومي الاستعمار والإقصاء. وإذا كان مفهوم الشراكة حاضرا في الثقافة التكنولوجية وفي مجتمع المعرفة، فإن المجتمعات مُطالبة بتدبير هذه الشراكة الإنسانية، من خلال الخصوصية المُبدعة، تلك التي تحظى باستقبال إنساني، واقتسام عالمي، لأن الشراكة المُنتجة لا تتحقق باستهلاك النموذج القائم.
وبالتالي، يصبح الوعي بوظيفية الهندسة الثقافية بالنسبة لوجود الشعوب، وحماية رؤاها، وتصريف أفكارها، يتطلب الوعي بوظيفة المفهوم من جهة، ودوره الحضاري والتاريخي من جهة ثانية. وبهذا التحقق الدلالي لمفهوم «الهندسة الثقافية» إلى جانب مفاهيم أخرى مثل الإشهار والإعلان والمواقع الاجتماعية والتطبيقات التكنولوجية والبرامج الإعلامية، يمكن للشعوب والأفراد أن تجعل مفهوم الكونية أكثر عطاء، عندما تُبدع أفكارها وتصنع مفاهيمها وتُنجز معرفتها، لأنها بذلك ستعمل على تغيير توجه العولمة باختراقها بالإنتاج وليس بالاستهلاك، وتحولها إلى أرضية فكرية، تلتقي فيها إبداعات الأفراد والمجتمعات، وتشكل من هذا التفاعل رؤية العالم بألوان الشعوب والتجارب. وكلما أدركت الشعوب قدرتها على المساهمة في تشكيل مفهوم الكونية انطلاقا من إبداعها، استطاعت أن تكون كونية، لأنها تدخل زمن الكونية من موقع المبدع لأفكار ومفاهيم تحتاجها الإنسانية، أو في مقدور العالم أن يتعامل معها.
عندما يمشي العالم بقدم واحدة، ولون واحدٍ، وتُصبح له رائحة واحدة، ومشاعر متشابهة، يُصبح باردا وعاريا من التعدد والاختلاف، ومن دفء المجتمعات ودهشة الخصوصية. تُساهم المجتمعات في جعل العالم كذلك، عندما لا تقوم بترويض مفهوم العولمة، وتحويله إلى مفهوم دال على الحضور الإنساني المتنوع والمختلف. إذا كانت الأيديولوجيات السياسية والاقتصادية تحمي المفاهيم، فإن الوعي الثقافي والفكري باستعمالها، يُحررها من نفق الأيديولوجي.
_______
*القدس العربي

 

شاهد أيضاً

القدس.. بمنتهى الصراحة!

*إبراهيم نصر الله كما عملت الصهيونية ولم تزل تعمل على محو كل الفلسطينيين، بمختلف أديانهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *