الرئيسية / خبر رئيسي / العائدون إليهم

العائدون إليهم

*خيري منصور

بعيدا عن لعبة استخدام الضمائر التي تحدث عنها بإسهاب ميشيل بوتور في تأملاته الروائية عن المكان، فإن ما أعنيه بالعائدين إليهم أو إلى أنفسهم هو التصالح والتناغم مع الذات بعد افتراق واغتراب عنها، وتلك بالطبع أطروحة وجودية غالبا ما أساء البعض فهمها وأدانوها أخلاقيا، لأنها بمثابة الانسحاب من الواقع، فالعودة إلى الذات ليست انكفاء داخل شرنقتها وانقطاعا عن السياق الاجتماعي والإنساني، ولعلّ هذا ما أراد محمود درويش قوله على نحو مباشر، وهو عُد اليك فأنت أوسع من بلاد الناس. وكرر المعنى ذاته في مقالة تخصني بصيغة رسالة حين قال دعنا من طنين البعوض ولنعد إلينا.
وقد تصور بعض الشعراء العرب ممن اجتذبهم الهاجس الصوفي أن التلاعب بالضمائر هو السبيل لتحقيق الحلول والوصال مع المطلق، ومنهم من أعاد إنتاج مقولة النفري عن اتساع الرؤيا وضيق العبارة، بحيث يصبح الصمت نهاية محتمة عندما تصل الرؤيا ذروة اتساعها، والمسألة أبعد من مجرد التقشف في الأسلوب، فالوثني لا يصبح صوفيا لمجرد أن يتلاعب بالضمائر، أو ينشئ عبارات هي أقرب إلى الإيهام من الغموض، حسب تعبير وليام أمبسون. وإذا كانت العودة تقتضي بالضرورة وجود منفى يعاد منه، فإن منفى العائدين إليهم ليس مكانيا على الإطلاق، بل هو زماني بامتياز، وقد يكون أبعد من ذلك فيصبح منفى ميتافيزيقيا، كالذي عبّر عنه الشاعر مالارميه حين تصور الإنسان المصاب بنوبة حنين إلى الذات بعد اغتراب، كما لو أنه يغفو في مصح بعيد لا يصل إليه عبر النوافذ من الأصوات غير أصدائها، تماما كما قال أفلاطون عن الأشباح التي تلوح لمن يراقبها من ثقوب الكهف، وهناك في ذلك المرتفع الذي حلم فيه الغريب بالعودة إلى الذات، أصغى مالارميه إلى صوت العربة التي تجرها خيول الزمن نحو الأبدية.
ما اقسى أن يكون المرء ذاته ويتحرر من حالات التقمص والتماهي التي طالما دفعته الحاجة إلى التأقلم القسري معها، فأن يكون المرء نفسه ولا شيء آخر فإن ذلك يعني التحرر الباسل من أي ارتهان، وهناك العديد من النصوص الأدبية بمختلف اللغات، قدمت نماذج لمن دفعوا ثمن التقمص والتماهي والاغتراب عن الذات وانتهوا إما إلى الجنون، كما انتهى رشدي أحد شخوص رواية «شيء من الخوف» لثروت أباظة، حين تماهى مع بطل الرواية عتريس حدّ التلاشي والذوبان وبالتالي الجنون، أو كما في مسرحية «الخادمة» لجان جينيه، حيث لا تجد الخادمة المتماهية مع سيدتها غير الانتحار خلاصا من صراعاتها النفسية.
العائدون إليهم من المنافي، سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو حتى زمانية، هم الذين قرروا في لحظة ما أن يكونوا أنفسهم، فكانت عقوبات النبذ والإقصاء والإفراد، كما يحدث للبعير الأجرب في القافلة أو العنزة السوداء في القطيع بانتظارهم، وقد يكون النقد الذاتي في أقصى تجلياته وشفافيته هو ما يمهد الطريق ويعبده للعودة إلى الذات، وحين يقول الشاعر محمد الماغوط في إحدى قصائده المشبعة بالعصيان على تعاليم القبيلة وطقوس القطيع، ما من قوة في العالم تجبرني على أن أحب ما لا أحب، وأكره ما لا أكره، ما دام هناك تبغ ورصيف. فإن هذا الرهان الوجودي يعني أمرين معا، أولهما الشعور بالاستغناء أو الاكتفاء. وثانيهما الحذر من فقدان الذات وتلاشيها في كيانات أخرى، ليس لأن الآخر جحيم، كما يقول سارتر في مسرحية «الحلقة المفرغة»، بل هو آخر وكفى، أي له حدوده ومطالبه وشروطه للتواصل معه، من خلال التأقلم مع خصائصه وضبط الخطوات على إيقاعات موسيقاه والعودة إلى الذات ليست انسحابا أو استقالة من المجتمع، فالعائد إلى ذاته قد يكتشف أخيرا ما اكتشفه هنري باربوس في رواية «الجحيم»، وهو أن البشرية كلها في داخله، أو ما قاله برديائيف في كتابه «العزلة والمجتمع» وهو أن العائد إلى ذاته هو العائد إلى الإنسان ليكون ذاته والآخرين معا في اللحظة ذاتها، وهناك قصة لألبير كامو بعنوان «الفنان يعمل» من مجموعة بعنوان «المنفى والملكوت»، ينتهي فيها الكاتب الذي ينتهك الآخرون عزلته إلى الإقامة في قفص يتدلى من شجرة عملاقة، وما تخيله البير كامو مارسه بالفعل الشاعر كمينجز، حين أقام زمنا في قفص يتدلى من شجرة لكنه اكتشف أن أصوات الطيور تفسد عليه عزلته وتوقظه مبكرا.
إن مصطلحات كالاغتراب والاستلاب وما يرادفها ليست سوى إيحاءات بالانفصام، وإفرازات الشيزوفرينيا حين يضطر الإنسان إلى ارتداء أقنعة تحجب ذاته الحقيقية. وحين قرأت وصايا الشاعر ريلكة لشاعر شاب استوقفتني منها تلك الوصية التي تطالب المبدع بإفراغ معظم ما في جعبته قبل أن يتورط بالشهرة لأنه عندئذ سيكتب ما ينتظره الآخرون منه، وبالتالي لا يكون هو نفسه فالشهرة لها وجه آخر أو حد آخر يحرم المبدع من الاستجابة البريئة لهواجسه، بحيث يحزر بمرور الوقت المطلوب منه وحين يقرر العودة إلى ذاته قد لا يجدها ويبقى تائها في منفى شهرته.
_____
*القدس العربي

شاهد أيضاً

كيف نقاوم وباء التضليل الماحق؟

*حبيب سروري تناولت، في مقالي السابق، إحدى مصائب عصرنا التكنولوجي الجديد: “ما بعد الحقيقة”، وشكليها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *