الرئيسية / خبر رئيسي / بيتر تغافني: لا يمكن فصل فلسفة هيدغر عن سياقها التاريخي

بيتر تغافني: لا يمكن فصل فلسفة هيدغر عن سياقها التاريخي

خاص- ثقافات

*حوار الفيلسوف الإسباني ” ميكيل سيغورو” / ترجمة عن الإسبانية: عبدالرحيم نورالدين

يعتبر “بيتر تغافني”Peter Trawny   ( غليسنكيرشن Gelsenkirchen ، 1964 ) أستاذ الفلسفة بجامعة فوبرتال Wuppertal ؛ من المتخصصين الكبار في فلسفة هيدغر. و لهذا فليس من الصدفة أن يكون  مؤسس ومدير معهد “مارتن هيدغر“، وناشر ” دفاتره السوداء”. من بين إصداراته ” هيدغر وأسطورة المؤامرة اليهودية العالمية” ( منشورات هيردير 2015). في هذا الكتاب يكثف “تغافني” ما تحمله ” الدفاتر” إلى النقاش المتعلق بصلة هيدغر بنزعة معاداة السامية. و قد أحدثت أطروحاته ضجة ، لاسيما وأن تأويله متسامح قليلا مع موقف الفيلسوف من أفعال القومية الاشتراكية ( النازية)، خاصة ما يتعلق ب ” المسألة اليهودية ” والمحرقة.

———–
سؤال:

بمناسبة نشر ” الدفاتر السوداء ” أعيد فتح النقاش حول علاقة هيدغر بالقومية الاشتراكية. ما هي حقيقة هذه الدفاتر؟

جواب:

الدفاتر السوداء هي دفاتر تشغل ما يناهز 34 مجلدا. إنها ليست في مجموعها مذكرات شخصية، بل ينبغي النظر إليها كتجميع لملاحظات فلسفية حررها هيدغر على مدى 40 سنة ( من سنوات 30 إلى سنوات 70 ). ومع ذلك، لا بد من الإشارة بشكل مؤكد إلى أن تحريرها لم يكن بشكل عفوي. ربما وجد نص سابق لم يتم العثور عليه، قد يكون هيدغر بلور فيه بعض الشذرات أو المواضيع المعالجة. إنها إذا أفكار واعية ومهيأة.

سؤال:

وماذا تحوي هذه الدفاتر؟

جواب:

المحتوى هو بالأساس تعليق فلسفي على بعض الأحداث المعاصرة المتعاقبة. كما يتعلق أيضا بالحياة اليومية للقومية الاشتراكية، مع الأحداث التي ميزت تاريخها، صعودها وسقوطها. لكن وكما قلت، لا يتعلق الأمر بسرد كرونولوجي مثل ذلك الذي ننتظره من مذكرات. يولي هيدغر اهتماما خاصا بكل هذه الأحداث وإن كان في بعض المناسبات يؤولها انطلاقا من منظور فلسفته وتصوره ل ” تاريخ الكينونة”

martin-heidegger1

سؤال:

انطلاقا من العبارة الأخيرة، ما هو الموضوع الرئيس لهذه الدفاتر؟

جواب:

لا يبدو سهلا اختزال غنى المواضيع المعالجة في تجميع لأفكار شذرية متناسقة، ولكن بالعلاقة مع السؤال الذي يعنينا هنا (  احتمال تورط هيدغر في أحد محاور القومية الاشتراكية: اللا سامية ) من المهم الانتباه إلى الأهمية الخاصة التي تمثلها مسألة التقنية بالنسبة لهيدغر، وبشكل واقعي أكثر، مسألة “مكننة ” ( الحياة، لنقل تحويل الحياة إلى تقنية). انطلاقا من هذا فقط يمكن أن نفهم علاقة هيدغر بالمسألة اليهودية.

تمثل التقنية بالنسبة لهيدغر، كمغامرة سابقة في ” الكينونة والزمن”، طريقة تعلق بالواقع غير أصيلة وزائفة، كما تمثل زيف الكينونة. إنها تمثل نشأة منظور للحياة مموضع، مراقب ومحسوب. إذا كانت الزمانية والمحدودية هو ما يفسر ” الدازين ” (  ال ” كينونة في العالم”، التي هي كل واحد منا )، فإن كل من يصرف النظر عن العيش بكيفية جذرية هو بالنسبة لهيدغر مدان وسبب شك. وفيما يتعلق بمسألة اللا سامية ، يمثل اليهودي روح التقنية المذكورة، لأنه يحرف واقع الكينونة ويختزلها إلى إحداثيات كمية.

سؤال:

وهذا المنظور هو أيضا الذي يفسر علاقة هيدغر بالقومية الاشتراكية بشكل عام ؟

جواب:

السؤال سهل الصياغة، بيد أنه ليس من السهل ضبط حدوده، لكن بالإمكان، بطريقة أو بأخرى،الجواب بنعم. ليس ثمة شك قي وجود التزام واضح مع القومية الاشتراكية خلال فترة العمودية بمدينة فرايبورغ (1933-1934 ) وإن كان هناك شك في وجود ابتعاد، سريع نسبيا ( خلال سنة 1937 أو خلال 1938 كحد أقصى)، واضح هو الآخر، عن نفس الحزب. في العمق، ولفهم جيد للسؤال، يتوجب علينا أن نميز في هيدغر بين فهمه للقومية الاشتراكية وبين فهمه لألمانيا، أو من الأفضل قول: فهمه ل “لألماني”.

سؤال:

بأي معنى؟

جواب:

بمعنى أن ألمانيا أو “الألماني”، تمثل بالنسبة لهيدغر، ذلك الذي يمنح قيمة للرسالة الملقاة على عاتق ألمانيا كشعب. إنه نوع من الصوفية الجماعية الثابتة في الاعتقاد بان لها دور نوعي خاص في العالم وفي تاريخه. إن ميثولوجيا ” الألماني” تكمل بالنسبة لهيدغر، الرؤية المثالية التي كانت له عن “الإغريقي” . بالنسبة له، ألمانيا هي بلد هولدرلين، وهولدرلين ( الشاعر) هو المصير المجسد لما يمثله “الألماني”. وفي الموقع المضاد يوجد الآخرون: البلشقية، الرؤية الأمريكية، اليهودية، وفي الأخير القومية الاشتراكية نفسها. جميعها تفترض طورا إضافيا، وهي حاملة لروح “التقنية” ، ل “آلية” ( أو “مَكننة”) الحياة.

سؤال:

و إذن فهل هذا يعني أن فكرة هيدغر تتضمن شيئا رومانسيا ، شيئا من الحنين إلى ماض أفضل؟

جواب:
لن أجرؤ على القول إن لدى هيدغر تصور  رومانسي ل “الألماني”. من المؤكد أن هنالك اتصالا بين “الألماني” و “الإغريقي”، كمرجع سالف للحظة وضوح في ” تاريخ الكينونة”. لكن ليس بحسب إدراك فنكلمان  Winckelmann أو غوتهGoethe  . يوجد لدى هيدغر علاقة واجب راهني، وجواب إيجابي الآن أمام جسامة المهمة. لا يتعلق الأمر بالبحث في الماضي عما يجب أن يكون علاقة أصيلة بالحياة، بل يتعلق بكون الرائع هو عيش الحياة في أصالتها الآن. وهذه كانت رسالة ألمانيا. الأسطورة ليست أسطورة الماضي، إنها على أي حال أسطورة المستقبل وانتصار “الألماني”.

41KdvXY3bkL._SX315_BO1,204,203,200_

سؤال:

بدأنا نقترب من الموضوع المركزي لكتابك: ما هو ذنب اليهود في نظر هيدغر؟

جواب:

فبل كل شيء لا بد من القول إن اللا سامية ليست موضوعا مركزيا في هذه الدفاتر، لكنها تمثل موضوع تعميق بالنسبة لهيدغر : موضوع التقنية. إن “اليهودي”، انطلاقا من منظوره، هو الممثل البعدي لهذه الروح التقنية والميكانيكية للحياة. فوعيه الجمعي، وتنظيمه، ولزومه أدوارا وقواعد واضحة وجامدة، وقدرته الجيدة على الانخراط في المجتمعات الرأسمالية والصناعية والنجاح فيها، هي أسباب اشتباه وشك بالنسبة لهيدغر.

في الكتاب المشار إليه ” الكينونة والزمان”، يخصص هيدغر صفحات عديدة لنقد كثلة الجماعة ووحدتها، لكونها تمثل الأنماط اللا أصلية للوجود. عدا أنه لا يتحدث هناك بوضوح عن اليهود. وإذا أضفنا النقد الذي يظهر في الدفاتر إلى الإنتاج النسقي، نحصل انطلاقا من منظور هيدغيري، على سبب ليكون معاديا للسامية.
سؤال:

تحدثنا عن خيبة الأمل السريعة نسبيا والمجربة بالعلاقة مع الحزب النازي. لكن ما نوع العلاقة التي كانت لهيدغر بصورة هتلر؟

جواب:

كانت لهيدغر، كما للعديد من مثقفي المرحلة، علاقة خاصة مع  فكرة هتلر وصورته الذهنية. يبدو أنه قرأ كتاب “كفاحي”، وبالنسبة لهيدغر، فإن هتلر كان يمثل الصورة المفتاح للثورة التي رغب فيها بقوة في كتابه ” تاريخ الكينونة”.  في المقام الأول لا بد من القول  إن الكراهية التي جاهر بها هتلر تجاه الأشكال الكلاسيكية للسياسة كانت بالنسبة لهيدغر شيئا ساحرا. لقد كان سياسيا يكره السياسة في تعبيرها الكلاسيكي، ولهذا رأى فيه هيدغر مرجع ثورة شاملة للسياسة. وهو ما كان باستمرار. فرغم خيبة أمله المعبر عنها إزاء القومية الاشتراكية والهزيمة النهائية في الحرب، حافظ هيدغر على إعجابه الدائم بصورة هتلر. للحقيقة، أنا لست على علم بوجود تعابير أو آراء واضحة لهيدغر ضد هتلر.

 سؤال:

أي أن خيبة أمله كانت من القومية الاشتراكية وليس من هتلر؟

جواب:

بالفعل. لقد انتهى الأمر بالنازيين إلى أن يكونوا، في نظره،  مجرد ممثل آخر للذهنية المُمَكْنِنَة للحياة، في حين كان هتلر يجسد الاستثناء الحي لإرادة متمردة في مواجهة هذا السقوط العام في روح التقنية. الغريب أن هيدغر لم يدرك أن النازيين كانوا في العمق محكومين بمبدأ الطاعة المطلقة للفوهرير  Führer ، بشكل كانوا معه ينفذون بالضبط رغبة زعيمهم. ذلك أن هيدغر كان يعرف، أفضل من الفوهرير ذاته،  الدوافع الحقيقية لهتلر كقائد ل “الألماني”.

سؤال:

اقتربنا من نهاية هذه المقابلة: لماذا تعتبر الدفاتر مهمة للبحث حول هيدغر؟

جواب:

في المقام الأول، لأن هيدغر ذاته برمج نشرها. لا أحد، باستثناء بعض الأصدقاء والمقربين، كان بإمكانه الاطلاع على محتواها قبل تاريخ نشرها المبرمج. ثانيا، لأن هيدغر، في هذا النص، في هذه المجموعة من الأفكار، يكتب ويعالج المواضيع الكلاسيكية لفكره، بطريقة مختلفة. إنه يستعمل نبرة وشكلا من الكتابة، لم يسبق وجودهما من قبل في نصوصه. ينفرد هيدغر أكثر ويعرض هجومات ضد ائتلافات عديدة: النزعة الأمريكية، البلشفية، ضد الفرنسيين، ضد الانجليز، ضد المسيحية، بل وحتى ضد القومية الاشتراكية ذاتها. ضد جميع من كان لا يمثل، بالنسبة له، نقطة ثورية في “تاريخ كينونة” الإنسانية غير الأصيل.

سؤال:

هل يغير هذا من معنى فهم فلسفة هيدغر؟

جواب:

لا اعتقد أن فهم فلسفة هيدغر ممكن من منظور واحد. على هذا المنوال، لا أظن أنه بإمكان المرء القول إن اكتشاف وإعداد محتويات هذه الدفاتر، يؤثران بشكل عميق في ” دلالة ” فلسفة هيدغر. على أي حال، إنها تأتي، من وجهة نظري، بتوضيح عميق وجذري، وليس بالضبط  بمعنى التبرئة، بالعلاقة مع اللا سامية.لا يمكن فصل فلسفة هيدغر عن سياقها التاريخي، ومسألة اللا سامية، كظاهرة تاريخية مؤولة هكذا، هي أساسية من أجل فهم صحيح لها. لأن صمت هيدغر، من بين أشياء أخرى، بالعلاقة مع المحرقة، هو أكثر من بليغ…ومع ذلك، مرة أخرى، لا يمكن لأحد أن يدعي امتلاك تفسير كلي ونهائي لفلسفة مفكر مثله.
سؤال:

ما دمنا وصلنا إلى هذه النقطة إذن، فما الشيء الذي يمكن إنقاذه من منجز هيدغر، إذا اعتبرناه، كما اقترحت، مفكرا تتشابك فيه التطلعات الثورية لفلسفته بتطلعات القومية الاشتراكية كفكرة أو كأفق حيوي؟

جواب:

هنالك الكثير من العناصر الإيجابية والموحية. يبدو الأثر الهائل لفلسفته، كما لو كان عنصرا هاما بما فيه الكفاية، لمعرفة أننا                                  أمام ظاهرة نادرة في تاريخ الفكر. بالنسبة لي، إذا كان هناك شيء ما يمكن إنقاذه، فإنه سيكون القدرة الهائلة التي كانت له، على قراءة الواقع المحدود للإنسان وتجربته الأرضية، ما يترجم إلى افتراض الخطأ كمحرك للتقدم. إن الخطأ، تبعا للفهم الذي يعطى لنا، ليس لعنة للذهن البشري؛ إنه بالأحرى أحد تعبيراته الأكثر حتمية. ما يقع، إذا ما طبقنا هذا على موقف هيدغر خلال المرحلة الأولى من القومية الاشتراكية، هو بدو ما يبحث عنه كأنه عملية إيجاد العذر له، بطريقة من الطرق، وهذا سيكون شيئا أقل استحقاقا للثناء. أكثر من خطأ، سيكون لا مسؤولية.
_________________

*مجلة ” فيلوسوفيا هوي” Filosofia Hoy الإسبانية، عدد 48، أكتوبر 2015 .

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *