الرئيسية / إضاءات / مصطفى محمود.. المفكر الزاهد

مصطفى محمود.. المفكر الزاهد

*عبدالله العليان

تعرّفت على الفيلسوف والمفكر والطبيب المصري د/‏‏ مصطفى محمود رحمه الله ، في منتصف السبعينات من القرن الماضي، من خلال مكتبة مكتب إعلام ظفار ، الذي كان يسمّى بهذا الاسم آنذاك، وكنت موظفاً خلال تلك الفترة وهي سنوات قراءاتي للأفكار الجديدة بعد مرحلة النهضة 1970،وجاءت معرفتي به من خلال مقالاته التي كان يكتبها بمجلة روز اليوسف التي كانت تأتي للمكتبة، وقد جمعت هذه المقالات والدراسات في العديد من المؤلفات، منها على سبيل المثال لا الحصر كتاب (لماذا رفضت الماركسية)،و(أكذوبة اليسار الإسلامي )،و(حوار مع صديقي الملحد) و (رحلتي من الشك إلى الإيمان ) و(نار تحت الرماد) و( الوجود والعدم)،و(أينشتين والنسبية) و(رأيت الله)، ثم المجموعة الثانية من كتبه وهي (القرآن لفهم عصري) و(عصر القرود) و(الغد المشتعل) و( أيها السادة اخلعوا الأقنعة) وغيرها من المؤلفات الكثيرة التي صدرت له بعد ذلك.

وكان د/‏‏ مصطفى محمود، قد بدأ الكتابة الصحفية في مجلة روز اليوسف، ومجلة صباح الخير، بالعديد من الروايات المسرحية والقصص القصيرة ،التي تحول بعضها إلى أفلام ومسرحيات في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وعندما كنت في دورة صحفية في مصر في النصف الأول من الثمانينات، حاولت أن التقي بالمفكر والفيلسوف الزاهد، مصطفى محمود، وأجري حواراً صحفياً وقد كانت من الأمنيات التي تراودني منذ سنوات أن أزور مصر،أن التقيه،لكن إحدى بناته، أبلغتني بالهاتف بأن ظروفه الصحية لا تسمح له في تلك الفترة بالحديث واللقاء مع الصحافة،وقد بدأ الاعتكاف في تلك الفترة بمسجده الذي بناه في المهندسين بالقاهرة وسمي باسمه ، وهو أحد المساجد الكبيرة الحديثة بقاهرة المعز، ووضع في المسجد مرصداً وعيادة لعلاج الفقراء والمحتاجين، وكذلك أنشأ جمعية خيرية لتقديم المساعدات لذوي الدخل المحدود،والفقراء في كل أنحاء مصر.

وكانت حياة مصطفى محمود مليئة بالإثارة والضجة، والمشكلات التي صاحبت سيرته الفكرية والصحفية، وأولى المشكلات التي واجهت مصطفى محمود، صدوره كتاب ( الله والإنسان) التي تمت مصادرته من قبل السلطات في منتصف الخمسينات، وقد جاء قرار المنع بسبب ما جاء في هذا الكتاب من آراء رفضتها لجنة الإفتاء بالأزهر، بما تضمنه من رؤيا تخالف الدين، كما جاء في قرار منع الكتاب توزيع الكتاب ،وهي الفترة القلقة الفكرية التي عاشها مصطفى محمود،وتراجع عنها فيما بعد، وكتب بعد ذلك كتابه ( رحلتي من الشك إلى الإيمان) و( حوار مع صديقي الملحد).

elbashayer_image_1414763052

ولد مصطفى محمود في مدينة طنطا المحافظة الغربية، والتي تعتبر المدينة الثالثة في مصر بعد مدينة الإسكندرية،ويروي د/‏‏ مصطفى محمود في مذكراته التي أعدها الصحفي السيد الحراني،عندما «دخلت الثانوية العامة، أو كما كان يطلق عليها التوجيهية. وبدأت القراءة تؤتي ثمارها.. فقد بدأت في كتابة الشعر والقصص والروايات، وظهرت اهتمامات أيضًا بالعلوم، لدرجة أنني أنشأت معمل اختبار داخل بدروم المنزل، وأغرقت نفسي ليل نهار في التجارب العلمية، والتي كانت ستودي بحياتي أكثر من مرة، بسبب حدوث بعض الحرائق والانفجاريات الصغيرة كل فترة. وأغرقت نفسي بالعلوم التي كنت شغوفًا بها: مثل الكهرباء والبطاريات وجهاز التقطير والميكروفون والرسم على الورق وتنفيذ اختراعات لأجهزة. أي إنني كنت لا أرتاح في فترة الإجازة، وهو ما دفع أبي – لخوفه الشديد عليّ- إلى بيع هذا المعمل.

وأتذكر ـ كما يقول ـ أنني كنت أتمنى دائمًا زيارة الغابات الاستوائية، التي رأيت صورها لأول مرة داخل كتاب الجغرافيا، الذي درسناه في السنة الرابعة بالثانوية. وقد تصفحت هذا الكتاب الكبير باهتمام شديد أكثر من عشر مرات. وعندما كان المدرس يسأل في مادة الجغرافيا، فيقول الجميع لن يستطيع أحد أن يجيب غير مصطفى محمود، فهو يعلم موضع كل حرف داخل الكتاب، حتى أنني حصلت على سمعة كبيرة في المدرسة بأنني محب لمواد الطبيعة والجغرافيا والعلوم، وهذا كان السبب في أنني كنت الأول على المدرسة في الثانوية. وقرأت كثيرًا عن إفريقيا، وبصفة خاصة جنوب السودان ونيجيريا، ولم أكتفِ بذلك، بل كنت أنزع صور القرود والحيوانات الإفريقية، لأزين بها حجرتي بدلًا من كبار الفنانين والمطربين ونجوم الكرة وأبطال الرياضات المختلفة، التي كان أخوتي يعلقونها داخل حجراتهم.

وبعد تفوقي في المرحلة الثانوية، التحقت بكلية الطب جامعة القاهرة، التي كانت دراستها قاسية، وتحتاج إلى مجهود مضنٍ، إضافة إلى اعتراض أهلي الشديد على هذا الأمر، لكونهم كانوا يرغبون في التحاقي بكلية الحقوق –التي كانت تخرج الوزراء والباشوات وقتها- وتحملت كل ذلك، حيث كانت لي أهداف أخرى من دراسة الطب غير أن أكون طبيبًا. فكما ذكرت في السابق، أن رحلتي من الشك إلى الإيمان أو اليقين صاحبتني منذ سن صغير. فالشك ظهر، لأنني أريد أن أفهم ما يدور حولي..لم تكن طبيعتي أن يتقبّل عقلي كل الأشياء والمعتقدات المتوارثة بسهولة» ـ ويقول مصطفى محمود في رحلة الشك إلى الإيمان في هذا الكتاب ـ « كل يوم يجتمع لدي المزيد من الأدلة بأن الكون هو بالفعل مسرح للتوازن العظيم في كل شيء .. وأن كل شيء قد قدر فيه تقديرا دقيقا. لو كانت الكرة الأرضية أصغر حجما مما هي لضغطت جاذبيتها ولأفلت الهواء من جوها وتبعثر في الفضاء ولتبخر الماء وتبدد ولأصبحت جرداء مثل القمر لا ماء ولا هواء ولا جو ولاستحالت الحياة. ولو كانت أكبر حجما مما هي لازدادت قوتها الجاذبة ولأصبحت الحركة على سطحها أكثر مشقة ولازداد وزن كل منا أضعافا و لأصبح جسده عبئا ثقيلا لا يمكن حمله.ولو أنها دارت حول نفسها بسرعة أقل كسرعة القمر مثلا لاستطال النهار إلى 14 يوما والليل إلى 14 ليلة ولتقلب الجو من حر مهلك بطول أسبوعين إلى صقيع قاتل بطول أسبوعين ولأصبحت الحياة مستحيلة . وبالمثل لو أن الأرض اقتربت في فلكها من الشمس مثل حال الزهرة لأهلكتنا الحرارة .. ولو أنها ابتعدت في مدارها مثل زحل والمشتري لأهلكنا البرد . وأكثر من هذا فنحن نعلم أنها تدور بزاوية ميل قدرها 33 درجة الأمر الذي تنشأ عنه المواسم وتنتج عنه صلاحية أكثر مناطق الأرض للزراعة والسكن . ولو كانت قشرة الأرض أكثر سمكا لامتصت الأكسجين ولما وجدنا حاجتنا من هذا الغاز الثمين. ولو كانت البحار أعمق لامتصت المياه الزائدة ثاني أكسيد الكربون ولما وجد النبات كفايته ليعيش ويتنفس.ولو كان الغلاف الهوائي أقل كثافة لأحرقتنا النيازك والشهب المتساقطة بدلا من أن تستهلك هذه الشهب وتتفتت في أثناء اختراقها للغلاف الهوائي الكثيف كما يحدث حاليا.ولو زادت نسبة الأكسجين عما هي عليه حاليا في الجو لازدادت القابلية للاحتراق ولتحولت الحرائق البسيطة إلى انفجارات هائلة.لو انخفضت لاستحال نشاطنا إلى خمول».

17977867
أما قصة كتابه ( الله والإنسان) الذي تمت مصادرته بعد صدوره مباشرة، فيقول مصطفى محمود في مذكراته على الرغم من لجنة الفتوى بالأزهر قد «اعترضوا عليّ وعلى أفكاري، لم يذكروا اسمي في نص الفتوى، بل كان كل ما ذكروه عني هو الأستاذ (م. م)، وأسموني الدكتور المتعلم .. لأنهم لا يريدون تعبئة الناس ضدي؛ ليست هذه وظيفة الدين أو الأزهر أو لجنة الفتوى.

ولقد قرأت في هذا الكتاب من أوله إلى آخره قراءة هادئة غير متأثر بما أثير حوله، لأنني لا أحب أن يصدر حكمي عليه في جو عدائي له، أو جو تسيطر عليه فكرة سيئة عنه.
ولذلك أجد من الإنصاف أن أقول: إن الكاتب عني في كتابه بتمجيد العقل والعلم والحرية، وإظهار أثرها في تقدم الفرد والأمة. ولا جدال في أن الدين الإسلامي قد سبقه إلى ذلك، فقد عرف للعقل قيمته وقدره. وطالب الناس بالتفكير في خلق الله، وبالنظر والاعتبار، ونجد آيات القرآن الكريم حافلة بذلك.كما أنه دعا إلى العلم بكل ما يحتاج إليه الإنسان في حياته وفي مماته، وكل ما يرفع شأن البشرية، ويحقق على الوجه الأكمل معنى خلافة الإنسان عن الله في أرضه، يعمرها ويستخرج كنوزها ويفيد من كل ما وضع الله فيها، وأيضاً فإن الإيمان الذي فرضه الإسلام وسائر الأديان السماوية.وهو الإيمان بأن للعالم إلهاً واحداً هو الله سبحانه وتعالى وهو المستحق وحده للعبادة، والذي يستعان به ولا يستعان بغيره في كل شؤون الحياة، يحقق معنى حرية الإنسان في أسمى صورها وأعلى مراتبها. فالمؤمن إيماناً صادقاً لا يكون عبداً لغيره، ولا عبداً لشهواته، ولا لأي شخص آخر سوى الله سبحانه وتعالى، الذي خلقه وخلق كل شيء.

فدعوة الكتاب إلى تخليد العقل والعلم، وإلى أن يفكر الإنسان تفكيراً حراً مستقيماً، دعوة لا ننكرها عليه، ولا ينكرها الدين الإسلامي. فما جاء في آخر الكتاب من الدعوة إلى أن يتكاتف السياسي اليقظ والمفكر الحر ورجل الدين العصري إلى أن يكونوا في توثب دائم ليكسروا الدروع السميكة حول أعدائنا، ويميطوا عن وجوههم القبيحة النقاب لا شيء فيه وهو مما نوافقه عليه. غير أن الكتاب لم يخل من أخطاء لا نستطيع أن نمر عليها بدون إبداء رأي. وعلى الأديان كلها هجوم واضح نلمسه في كتابه في كثير من المواطن.واعتقد أن هذا الكاتب وأمثاله لم يقعوا فيما وقعوا عليه من خطأ إلا لأنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء دراسة الأحكام التي دعا الإسلام الناس إلى اتباعها، بدليل أني لم أجد في كتابه شيئاً منسوباً للدين يستحق أن ينتقد أو يزدري. وسنذكر بعض الأمثلة من خطئه الذي لا نقره عليه، بل إننا نعتقد أنه لو راجع نفسه لا يقر هذا الخطأ». وبعد ذلك تراجع مصطفى محمود عن ما جاء في هذا الكتاب من أفكار، وأوقف صدور كتاب ( الله والإنسان) تماماً ، أو إعادة طباعته مرة أخرى ، وهي المرحلة التي أشار إليها في كتابه (رحلتي من الشك إلى الإيمان)، لكن ما هي قصة مصطفى محمود مع الماركسية؟ ولماذا رفضها؟ وماذا قال عنها في مؤلفاته؟ ..وللحديث بقية..

______
*جريدة عُمان

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *