الرئيسية / خبر رئيسي / إدوارد هوبر.. حكايات الأشخاص الصامتين

إدوارد هوبر.. حكايات الأشخاص الصامتين

*غيث خوري

هناك سحرٌخاص يطالع الإنسان بمجرد النظر والتأمل في لوحات الفنان الأمريكي الشهير إدوارد هوبر (1882- 1967)، سحرٌيتأتى من خلال أجواء اللوحة وألوانها وشخوصها، سحر يشعل عقل المتلقي محاولاً فك الرموز الحاضرة أمامه، والتي هي رغم واقعيتها الصريحة في أغلب الأحيان إلا أنها تُحيل إلى تأويلات أخرى متوارية عن المشهد البصري للوحة، مرتبطة بجانب نفسي عميق.

تأتي تجربة هوبر كأحد أفراد التجارب الفنية في القرن العشرين، عبر أعماله التي تتغلغل في حياة المدينة، وتتميز بقدرتها الفذة على نقل وتصوير حالات الوحدة بشكل عميق وفريد، وتصوير مشاعر الفراق والتوتر والقلق للإنسان المعاصر، حيث إن أعماله كانت مملوءة وعامرة بأشخاص وحيدين صامتين يبدون مستغرقين خارج المكان والزمان المتواجدين فيه، ولذلك التصقت به صفة فنان الوحدة والعزلة.

 355

كسب هوبر الاعتراف على نطاق واسع باعتباره أهم الرسامين الواقعيين في أمريكا في القرن العشرين، لكن رؤيته للواقع كانت انتقائية تعكس مزاجه الخاص في مشاهد المدينة الفارغة، أو المناظر الطبيعية أو شخصياته الانعزالية، ولم تكن مجرد نسخ حرفي أو تصويري لما نراه، وإنما صورة داخلية لواقع العيش في المدينة الحديثة، وقد ظل هوبر رساماً ملتزماً بالاتجاه الواقعي ولم يغير أسلوبه إطلاقاً في الوقت الذي كان فيه زخم المدرسة التكعيبية والمدرسة التجريدية التعبيرية أخذا في الانتشار.

يقول هوبر: «يكمن القول بشكل عام، أن أعظم مكان يمكن أن يتبوأه فن أمة ما، هو عندما يعكس طابع وشخصية ناسها»، وهذا ربما ما يفسر سعيه الدؤوب في نقل تلك الملامح أو التفاصيل لمعيش الناس في مدينة نيويورك، وارتباط موضوعات أعماله الوثيق بحياتهم، فقد قام هوبر برسم الفنادق والقطارات، والأشخاص الوحيدين مجهولي الهوية في المدن الكبيرة غير المحددة المعالم، والقصور المبنية على الطراز الفكتوري التي تفوح منها رائحة تهديد قوطي، ومنازل المزارعين صندوقية الشكل المصنوعة من ألواح الخشب في منطقة نيو إنغلاند، والمنارات البسيطة الخالية من أي زينة.

gas
نجحت لوحات هوبر المتفردة في تكوينها والمتميزة بوجود فوارق حادة بين الضوء والظل، في تصوير التوترات الموجودة في مجتمع يمر بمرحلة تغيرت فيها نظرته إلى ذاته مع ازدياد المد الحضري المديني وما رافق هذه التغييرات على الصعيد السيكولوجي، وتعتبر لوحة «الساهرون» أو «صقور الليل»، والتي رسمها هوبر في عام 1942، واحدة من أشهر أعماله على الإطلاق، وإحدى أكثر اللوحات تكثيفاً لفنه المشغول بالوحدة والصمت والانعزال، حيث يظهر في اللوحة مقهى وفيه رجل وامرأة يجلسان قرب بعضهما، ورجل آخر يقابلهما، بالإضافة إلى النادل، وفي هذا المشهد، تشكل زاوية الشارع خلفية معتمة، فيما يضاء المطعم بنور ساطع، حيث يجلس الزبائن الثلاثة على مقاعد مرتفعة وقد ارتكزوا إلى نضد المقهى. وقد جلس أحد الرجال وحده مديراً ظهره إلى المشاهد، في حين جلس الرجل الآخر إلى جانب المرأة، إلا أنه من غير الواضح ما إذا كانت هناك أي علاقة بينهما. ويقوم بالخدمة في المطعم نادل واحد بمفرده، ظهر معزولاً عن الآخرين في وسط الغرفة، ولا ينظر إليه أي من الزبائن. ويبدو جميع الأشخاص الظاهرين في الصورة منشغلين بعوالمهم الداخلية، والمكان نراه عبر نافذة زجاجية كبيرة، وكأن هوبر أراد للمشاهد أن يرى ويحاول الغوص في أعماق هذه الشخصيات أو محاولة تخمين قصصهم.
تعد لوحة «صقور الليل» أحد أكثر الأعمال الفنية التي تمت محاكاتها وتقليدها، فجو اللوحة شبيه بجو الأفلام من نوع «فيلم نوار»، وهي الأفلام التي أنتجتها هوليوود في الأربعينات والخمسينات وتصور قصص التحري البوليسي الموضوعة في الثلاثينات والتي تقع أحداثها في عالم الإجرام في المدن وتكون الإضاءة فيها خافتة لخلق جو كئيب، ويمكن القول إن لوحته تشبه الإطار الواحد أو الكادر السينمائي، إلا أن الشعبية الكبيرة التي حظيت بها هذه اللوحة يمكن تفسيرها من خلال نقدها اللاذع للعالم الحديث، هذا العالم الذي نعيش فيه جميعاً، المشبع بالرغبات، والوحدة، وعدم القدرة على التواصل مع من حولنا.

Edward-Hopper-Western-Motel
إن أعمال هوبر مفعمة بالتساؤل، ومحركة للمشاعر، حيث نرى تلك الشخوص النسائية الوحيدة كما في لوحة «فيلم في نيويورك» (1939) وتظهر فيها المرشدة إلى المقاعد في صالة سينما، وقد وقفت كئيبة في أحد الأروقة على مقربة من المقاعد التي جلس فيها الزبائن يتابعون الفيلم، ولكنها غارقة في تأملاتها الخاصة، كما يكشف لنا ضوء المصباح الجداري الذي انعكس عليه، وتلمح وقفتها المتأملة الحزينة إلى دراما داخلية أكثر سيطرةً على المشاعر من الأحداث المتكشفة على الشاشة.

________
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

القدس.. بمنتهى الصراحة!

*إبراهيم نصر الله كما عملت الصهيونية ولم تزل تعمل على محو كل الفلسطينيين، بمختلف أديانهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *