الرئيسية / قراءات / ‘تطور الرواية الحديثة’ رؤية نقدية لمفهوم انهيار السرديات الكبرى

‘تطور الرواية الحديثة’ رؤية نقدية لمفهوم انهيار السرديات الكبرى



*عمار المأمون


يقدم جيسي ماتز، رئيس قسم الأدب وأستاذ النظرية السرديّة في جامعة كينون الأميركية، في كتابه “تطور الرواية الحديثة” قراءته لمفهوم الرواية الحديثة وما بعد الحداثية، في محاولة لتحديد خصائصها ومميزاتها، وما هو المقصود بـ”الحداثة” في الرواية، وما الذي تغير إثر “ما بعد الحداثة” والمفاهيم التي تقدمها عن الفن الروائي.
يتصف الكتاب بترتيبه المنهجي في سبيل تحديد مفهوم الحداثة وعواملها، التي ارتبطت بالتطور التقني في بداية القرن العشرين، حيث يطرح الكاتب المواقف المختلفة حول بداية الحداثة في الرواية عبر آراء النقاد والمشتغلين فيها كفرجينيا وولف مثلا.
محددات الحداثة
يطرح الأثر الصادر هذا العام باللغة العربية عن دار المدى بترجمة لطفيّة الدليمي، التساؤلات عن تاريخ هذه البداية مرجحا الرأي القائل بأن الحداثة في الأدب والرواية بدأت مع “أزهار الشر” لشارل بودلير (1857)، و”مدام بوفاري” لغوستاف فلوبير (1856)، لتكون الحداثة محاولة لتقويض الأشكال التقليدية للرواية التي فقدت الصلة مع الواقع، وشكّلت بنى مغلقة لا تمثّل حركة التاريخ والواقع والتطور التكنولوجي المقابلة لها، معتمدا في ذلك على نماذج روائية كـ”صورة الفنان” لجيمس جويس و”السيدة الأولى” لفرجينيا وولف، فالحداثة جعلت الرواية ترتبط بالتغيير وسبر أغوار النفس وتحطيم النماذج الكلاسيكية، في سبيل البحث عن لغة وتقنيات جديدة للتعبير عن الواقع الحالي، لتأتي بعدها الحرب العالمية الأولى كالضربة القاصمة، التي أدت إلى انتصار الحداثة على الأشكال التقليدية، لتنشغل الرواية بجمالياتها وتقنيات تهشيم الحبكة والحكاية.
يطرح الكاتب جيسي ماتز الكثير من العوامل التي تعتمدها الحداثة الروائية، كمفهوم الزمن اللاخطي، حيث تدخل الذاكرة في السرد بوصفها تقضي على التسلسل المنطقي للأحداث لاعتمادها على الزمن الشخصي الذي تتخلله الهلسات والانطباعات الشخصية، فالزمن الجمعي المضبوط بالمؤسسات ينهار أمام الزمن الشخصي، لتكون الذاكرة هي معيار دفع الزمن وتغييره، وهذا ما يرتبط بالمكان بوصفه الحيز الجغرافي الشخصي لا الجمعي الذي يختزن تاريخ السلطة والمؤسسات، لينعكس ذلك في الروايات ما بعد الكولونيالية التي تستكشف تاريخ المستعمرات وتعيد التعريف بها وبثقافتها الأصليّة وبالتغيرات الثقافية التي نتجت إثر الاستعمار.
يرى الكاتب أن الحرب العالمية الثانية وجهت ضربة قاصمة للحداثة ويذكر قول الناقد ثيودور أدورنو “كتابة الشعر بعد أوشويتز فعل بربري” ويشرح موقف أدورنو بوصفه يرى أن الحداثة كانت مهادنة للأنظمة القائمة والتي تسببت في الحرب العالمية الثانية وفي خسائرها، إذ غرقت في عوالم الذات البشرية والتقنيات الفنّية حتى فقدت الصلة مع الواقع، فهي لم تكتشف أراضي مجهولة، وهذا ما نراه لاحقا مع الروايات التي أصبحت تلتقط الثقافة الشعبية أو “الثقافة الدنيا” كروايات جيل البيت أو روايات هنري ميللر، التي تجعل من الأيروتيكية مساحة جديدة للاكتشاف، ليضاف إلى الأسماء المذكورة نابكوف صاحب “لوليتا” ود.هـ.لورانس صاحب “عشيق السيدة تشارلي”.
عصر الانهيارات
يؤكد الكاتب أن العبارة الأكثر شهرة والمرتبطة بما بعد الحداثة هي “انهيار السرديات الكبرى”، بوصف ما بعد الحداثة تعلن عن غياب الحقائق المتماسكة التي تفسر العالم وتداعيها، فمعها تداعت النظم الجمالية والأخلاقية المرتبطة بالرواية والتي تشكل أسس بنائها وعلاقاتها مع الواقع، لتبدأ ما بعد الحداثة حقبة جديدة من الاستكشاف الروائي، فالرواية ما بعد الحداثية تشكك في الرواية ذاتها كفن، وبطريقة السرد، لتصبح أقرب إلى تساؤلات عن فن السرد وكيفية إيصال الحكاية، إلى جانب تقنيات أخرى مرتبطة باللعب، بوصف الأخيرة إعادة إنتاج للحكايات السابقة بصورة ساخرة، أو من وجهة نظر مختلفة في سبيل اختبار حساسيات الرواية الجمالية إذ تغيرت فيها جوانب المعالجة، فما بعد الحداثة أصبحت تعتمد على “metafiction”؛ أي الحكايات عن الحكايات أو الروايات عن الروايات، إذ تكون المحاولات أقرب إلى اختبار الفن الروائي وقدرته على مشابهة الواقع، وأحيانا عجزه عن تلمس ما يحصل، في ظل عالم خاضع للاستهلاك ومعايير السوق والحتمية التكنولوجية، إلى جانب فقدان التاريخ لأصالته.
تتفق كل من الحداثة وما بعدها في الرواية على فكرة وهم الأصالة، أي غياب القدرة على توليد عمل أصيل ومغاير ومختلف جوهريا، وخصوصا في عصر ما بعد الحداثة، حيث كل شيء أصبح خاضعا للتدوير وإعادة الإنتاج، إذ الآلة كما تنتج لنا البضائع لاستهلاكها، فهي تنتج النصوص، لتغدو الأصالة أو التجربة الفردية وهما رومانسيا، وكما الأفكار الكبرى التي أصبحت أوهاما غير قادرة على تفسير الكون ووضع معايير له، لم تعد هناك معايير واضحة وضابطة للعمل الروائي الأصيل، لتغدو السخرية السلاح الأقوى في يد الرواية، في سبيل انتقاد ذاتها وانتقاد الواقع، وتجريب تقنيات جديدة وأساليب كانت متوارية، وتغدو ما بعد الحداثة ظاهرة تحافظ على مركزيتها بعدم التعيين ضد كل المركزيات التي فككتها.
_______
*العرب

شاهد أيضاً

“غزة: التاريخ الاجتماعي تحت الاستعمار البريطاني” لأباهر السقا

خاص- ثقافات صدر حديثاً عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية كتاب “غزة: التاريخ الاجتماعي تحت الاستعمار البريطاني، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *