الرئيسية / إضاءات / قراءات في بعض الروايات الفلسفية

قراءات في بعض الروايات الفلسفية




ترجمة وتقديم: لطفية الدليمي


ثمّة قناعة راسخة لدى الكثير من الناس بأن ( أيريس مردوخ ) هي الإسم الأكثر ملازمة للرواية الفلسفية رغم أن كتبها تبدو عتيقة النكهة بعض الشئ لجيل كامل من الشباب ، و قد كتبت أيريس ذاتها في ” ييل ريفيو Yale Review ” عام 1959 تقول ” ينبغي أن تكون الرواية بمثابة منزل يصلح لسكنى الشخصيات الحرّة في فعلها ” و لكننا مع هذا نلمح أن العديد من شخصيات رواياتها هي في الغالب نتاج فعل تخليقي غير محتمل و واقعة تحت ضغط آلية حبكة ثقيلة و معقّدة .
تعنى رواية مردوخ المعنونة ” تلميذ الفيلسوف ” The Philosopher”s Pupil
عام 1983 – كما هو الحال مع معظم روايات مردوخ الأخرى – بمسألة الخير و الشر في هذا العالم و لكن يبدو أن الكثير من رؤية مردوخ الميتافيزيقية التي ضمّنتها في رواياتها تغرق وسط طوفان من الميلودراما على الرغم من كون هذه الميلودراما غاية في الإمتاع ، و قد سبق أن قالت مردوخ عن نفسها ” أتردّد كثيراً في الإنسياق مع الرأي القائل بأن الهيكل العميق لأي عمل أدبي رصين يمكن أن يتأسّس على رؤى فلسفية ” و عبّرت في موضع آخر عن ” رعبها الشديد من تضمين أية نظريات أو أفكار فلسفية في رواياتها ” .
ميلان كونديرا : الروائي المعروف برؤيته الفلسفية الشخصية المتفرّدة عبّر هو الآخر عن توجّسه بشأن ما أسماه ” التصوير الروائي للأفكار ” كما نراها معروضة في رواية ” الغريب ” لألبير كامو ، و رواية ” الغثيان ” لسارتر ، و أقرّ كونديرا دوماً بصعوبة الحصول على التوازن المطلوب بين الإبداع الروائي و الأفكار الفلسفية ، و لكن الصعوبة البيّنة هذه لم تردع الكتّاب من تجريب الحل الذي إقترحه ( كونديرا ) و عرضه في كتابه ( فن الرواية The Art of the Novel ) عام 1988 و الذي يقول إن من الخطأ الفادح أن تستحيل الرواية سرداً فلسفياً بل إن المطلوب هو تضمين الرواية ما يمكّنها من أن تشعّ ذكاءً و يضمن لها سيادة تستحقها بين الأنواع الأدبية ، و بالإستناد إلى رؤية كونديرا هذه يمكن لنا أن نتصوّر حجم الفزع الذي أصابه عندما نشرت النيويوركر الأجزاء الثلاثة الأولى من روايته الذائعة الصيت ( خفة الكائن التي لا تحتمل ) عام 1984 بعد أن حذف منه ذلك المقطع الخاص ب ( نيتشه ) و نظريته في العودة الأبدية التي تمثل الأساس الراسخ الذي أقام عليه كونديرا هيكل روايته .
إن واحدة من افضل الروايات التي تحقّق رغبة كونديرا في رواية تشع ذكاءً و تحقق السيادة بين الأنواع الأدبية هي الرواية المنشورة حديثاً ل ( سامانثا هارفي Samantha Harvey ) المعنونة ( الكل هو أغنية All is Song ) و التي تحكي عن علاقة بين شقيقين رسمت شخصية أحدهما لتكون بمثابة سقراط يومنا الحاضر ، و تقول سامانثا في سياق التعليق على روايتها هذه ” تخيّلت روايتي نسخة محدّثة و سهلة الإحالة إلى حياة سقراط ” ، و تضيف ” أردت ان أطرح في روايتي سؤالاً محدداً لطالما راودني بقوة : ما الذي سيحدث لحياة شخص ما في أيامنا هذه لو كان شخصاّ ذا نزوع سقراطي و أعني بهذا شخصاً لا يكف عن التساؤل ؟ و هل نحن- كمجتمع حديث – أكثر تسامحاً و انفتاحاً في التعامل مع هكذا شخصية ممّا كان عليه الإغريق ؟ ” ، و كانت رواية هارفي وسيلتها في إستكشاف هذه الأفكار و نظائرها تماماً كما كانت رواية ( ما كتبه الكتّاب الأشباح Ghostwritten ) للكاتب ( ديفيد متشل David Mitchell ) ( الكاتب الشبح Ghost Writer : هو من يقوم بكتابة مذكرات او رواية أو مقالة أو أي نص أخر لحساب شخص آخر ، و غالباً ما يستعين الساسة و نجوم الفن و المجتمع بهؤلاء الكتّاب في كتابة مواد لهم ، المترجمة ) ، و قد بحث ديفيد ميتشل في روايته موضوعات السببية Causality ، و التخلّي عن المسؤولية الشخصية ، و السبب الكامن وراء رؤيتنا للحوادث كما تبدو لنا في العالم المادي و ليس بأي شكل آخر . في السياق ذاته وبطريقة مشابهة تماماً تلقي روايات الروائي الجنوب افريقي ( جي . إم . كوتزي J. M. Coetzee ) حزماً من الضوء الساطع على مناطق من حياتنا الأخلاقية و التي قلّما تستطيع الفلسفة مقاربتها بسبب طريقتها المسلكية المنضبطة و الشديدة الصرامة ، إذ لطالما نظر الفلاسفة بإرتياب إلى السرد القصصي و الروائي و هم لا يتقبّلونه معتبرين إياه طريقة إقناع قوية و لكنها لا تمتلك مشروعية مقبولة من وجهة النظر الفلسفية ، و في المقابل إعتاد الحكّاؤون و ساردو القصص أن يهزّوا أكتافهم مدافعين عن وجهة نظرهم التي تقول ” و لكن هذا هو العالم الذي نعيشه ” و هؤلاء هم في الغالب كتّاب من النوع الذي يرمي إلى برهان خطل نظرة ( هنري جيمس ) في أن الرواية الإنكليزية – و على العكس من رفيقتها الفرنسية – لا تحتمل إجراء الكثير من النقاش حولها و هنا يبقى ثمة سؤال جوهري ينبغي سؤاله على الدوام : إلى أي مدىً يمكن للرواية ان تكون جادة و رصينة من غير أن تدفع قرّاءها إلى نمط من الشعور بالنفور الجامح على الرغم من كون عقدتها الرئيسة غير قابلة للتخمين السهل ؟
يعدّ الروائي المعاصر ( جوليان بارنس Julian Barnes ) واحداً من الروائيين الذين يمكن إثارة الكثير من النقاش حول رواياته دوماً – ربما بسبب ميوله الفرانكوفونية – و تتعاطى رواياته في الغالب مع تشكيلة من المفاهيم الفلسفية : معنى الحب ، و فكرتنا عن التاريخ كما هو الحال في روايته ( تاريخ العالم في عشرة فصول و نصف A History of the World in 101/2 Chapters ) عام 1989 ، و كذلك تعامل مع مفهوم الحقيقة اليومية في مقابل الحقيقة الروائية كما في روايته ( إنكلترا ، إنكلترا England , England ) عام 1987 ، و من المثير أن نشهد كيف تتوالد الأفكار في روايته الأحدث الحاصلة على جائزة المان بوكر لعام 2011 و المعنونة ( الإحساس بنهايةِ ما The Sense of an Ending ) : فهي في أحد المستويات تبدو كما لو كانت رواية طافحة بالغموض السايكولوجي ، و في مستوىً آخر تبدو رواية عن التأمل الفلسفي في مسألة إنسياب الزمن و تسلّله و ما يترتّب على هذا من تشويه مزمن في الذاكرة البشرية .
يبدو جليّاً ان المشكلة الأساسية في الرواية الفلسفية اليوم هي جرعة الفلسفة التي تحتويها ، و لكن مع كل هذا ستظل الرواية دوماً قادرة على إنجاز أفضل مهماتها و هو وصف الناس – الشخصيات الروائية الذين هم مثلنا – و هم يتعاملون وسط بيئة تعجّ بالحالات المعقّدة من الناحية الأخلاقية ، و سيظل الروائيون يسعون – كما تؤكّد عبارة وردزورث – إلى ” إستكشاف الحياة الكامنة في الأشياء “و لكن ينبغي ان نتذكّر دوماً أن الرواية شيء نشعر به و نعيشه و ليس محض تخليقات نظرية ، و أن حكي القصص كان على الدوام الوسيلة الطبيعية الأكثر أساسية في إضفاء معنىً ما على العالم .
رأى ( أرسطو ) في كتابه ( فن الشعر Poetics ) أن الشعر لا يرينا الأشياء التي حدثت بل الأشياء التي يمكن لها أن تحدث و تلك ذات المهمّة التي يمكن ان تنهض بها الرواية الفلسفية الحديثة : فهي يمكن أن توفّر لنا رؤىً و بصائر للإطلالة على ” الحقيقة ” فيما يخص الحالة الإنسانية و في الوقت ذاته يمكن لها أن تنقل مفردات مثل ” معرفة ” و ” إعتقاد ” إلى مملكة متخمة بالكشف المدهش ، و كما كتب أرسطو من قبل فقد كتب ( فتكنشتاين Wittgenstein ) : ” قد يفكّر المرء أحياناً أن يقتفي أثر تاريخ فكرة تختص بطبيعة شيء ما و لكن ما يفعله في الأغلب هو انه يحوم حول الإطار الذي ينبغي له الإطلالة من خلاله على ذلك الشئ ” و لنقل ما صاغه فتكنشتاين بطريقة أخرى ” الفيلسوف يغلّف الأفكار الكامنة في طبيعة الأشياء و يعرضها لنا معلّبة و في اكثر الاشكال توضيباً و دقّة بينما يتلاعب الروائي مع ذات الأفكار و يشتدّ تلاعبه كلّما تقدّم في عمله الروائي ” . الفلسفة يمكن لها أن تسرد الحقائق الخاصة بمنظومتنا الأخلاقية و الذهنية و لكن الرواية في النهاية هي وحدها القادرة على ملامسة إحساسنا و تقديم فروض العزاء لنا عند تلك اللحظة التي تطرق فيها مطرقة القدر حياتنا و تنزع عنّا كلّ شيء يمنحنا الإحساس بوجود قيمة ما – و قبل هذا وجود معنىً ما – لحيواتنا .
___
*المدى

شاهد أيضاً

«تورج أصلاني» یحصد جائزة أفضل تصوير في مهرجان الحرية السينمائي

*خاص – ثقافات *منصور جهاني حصد «تورج أصلاني» جائزة أفضل مدير تصوير عن فيلم «14يوليو» …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *