الرئيسية / إضاءات / الحب.. فحوى الوجود

الحب.. فحوى الوجود



*هاشم صالح


سوف أتطفل عليكم وأحتفل معكم غصباً عنكم بعيد الحب 14 فبراير! وهو يوم العشاق كما تعلمون من كل عام. أقول ذلك على الرغم من أن الحب قد يحصل في أي يوم وأي ساعة وأي دقيقة ولا ينتظر قراراً منا لكي نحتفل به. بل إنه يحصل عادة عندما لا ننتظره ولا نتوقعه على الإطلاق. الحب يجيء عندما يريد هو لا عندما تريد أنت. وإذا ما جاء فإنه يفرض نفسه قوياً، عارماً، لا يناقش ولا يرد. من يستطيع أن يقاوم لحظة حب؟

دعونا إذاً نتفاءل في بداية هذا العام الجديد على الرغم من كل الكوارث والحروب والمجازر.. دعونا نتحدث عن موضوع آخر غير الكره والبغض والتعصب الذي يملأ الأجواء هذه الأيام. دعونا نتحدث عن موضوع يحيي الروح، ينعش الأمل، ينبت الزرع في الأرض البوار.. دعونا نتحدث عن موضوع الحب! ونقصد به هنا الحب بالمعنى الضيق والواسع للكلمة: أي حب الرجل للمرأة بطبيعة الحال، ثم حب كل شيء في هذا العالم من جهة أخرى. أقصد حب الطبيعة والأشجار والمراعي والمروج والصداقة والثقافة والكتب والمطالعة إلخ.. وكذلك حب الأمة والوطن بل والبشرية جمعاء إذا أمكن. لم لا؟ هناك عدة معان للحب. فهو أوسع من أن ينحصر في أي تعريف مهما كبر. ولكن لا ريب في أن حب الرجل للمرأة هو أولها وعنه تتفرع شتى أنواع الحب.. نقول ذلك ونحن نعلم أن الشعر العربي هو من أعظم الآداب العالمية قاطبة من حيث الاحتفال بالحب والغزل والوقوف على الأطلال..
ضد الكآبة
كان ألبير كامو يقول إن الانتحار هو المشكلة الفلسفية رقم واحد. وهذا خطأ ما بعده خطأ. هذا تشاؤم أسود لسنا بحاجة إليه. نقول ذلك ونحن نعلم أن الآداب الأوروبية مليئة بفكرة العبث والعدمية واللامعقول إلخ.. عبارة كامو الكاملة هي التالية: «لا توجد إلا مشكلة فلسفية جادة حقيقة هي: الانتحار. نقصد بذلك ما يلي: هل تستحق الحياة أن تعاش أم لا؟ الإجابة عن هذا السؤال تعني الإجابة على المسألة الأساسية للفلسفة». من يقول هذا الكلام يعني أنه فقد القدرة على الحب. وذلك لأن من يحب، من يملأ الحب والأمل قلبه، لا يمكن أن يفكر في الانتحار. الحب هو العلاج، هو الداء الشافي للاكتئاب النفسي. الحب يصنع المعجزات. من لا يحب بالمعنى الضيق والواسع للكلمة لا يمكن أن ينجز شيئا له معنى على هذه الأرض. الحب والإيمان هما أكبر قوة مضادة لليأس والقنوط والإحباط. والمسألة الأساسية المطروحة هنا هي التالية: هل أنت قادر على الحب أم لا؟ هل أنت مؤمن بالله والقيم العليا أم لا؟ إذا فقدت القدرة على الحب والإيمان فهذا يعني أن طريق الانتحار أصبح مفتوحا، معبدا، أمامك. كان فرويد يقول: «الذهان العصابي أو الجنون يعني فقدان القدرة على الحب بما فيه حب الذات. وعن ذلك تنتج الرغبة في الانتحار». فمن لا يستطيع أن يحب نفسه-ناهيك عن الآخرين – فهذا يعني أنه شخص قد انتهى عملياً. وبالتالي فنحن على الحب نعيش. الحب هو الذي يفعم قلوبنا بحب الحياة، هو الذي ينقذنا من خطر اليأس والانتحار.
الحب.. حياة
كان أرسطو يقول: «أن نحب يعني أن نستمتع بالحياة». فبدون حب لا استمتاع ولا بهجة ولا أي شيء. وكان يضيف: «حب الرجل لامرأته شيء مطابق للطبيعة البشرية. فالرجل ميال إلى تشكيل عش زوجي بالدرجة الأولى قبل تشكيل المجتمع السياسي». وعن هذا العش الزوجي تنتج الحياة والأطفال، وتاليا المجتمع والحياة الاجتماعية. والمفيد في الحب العائلي ينضاف إلى الممتع. وهذا الحب يمكن أن يتأسس على الفضيلة الأخلاقية عندما يكون الزوجان صالحين. ماذا يقصد أرسطو بذلك؟ إنه يقصد أن الحب الحقيقي هو حب الرجل للمرأة لأنه هو الذي يشكل الخلية الأولى أي العائلة وعن هذه الخلية الأولى الصغيرة تنتج الخلية الكبرى أي المجتمع ككل. وكان أرسطو يعتقد أن جوهر الحب هو أن نحب الآخر بدون مقابل. وبهذا المعنى فأعظم درجات الحب هي حب الأم لأطفالها. فهي لا ترجو أي مقابل. إنها تحبهم من أجلهم لا من أجلها ولا تطلب أي مقابل. إنه حب مجاني صرف. وهو أرقى وأطهر أنواع الحب. ولذلك جاء في الحديث النبوي الشريف: «الجنة تحت أقدام الأمهات». ما أجملها من عبارة! ما أعظمه من كلام! وكان أرسطو يقول بأنك إذا كنت تحب الآخر عن جد فهذا يعني أنك تحب مصلحته والخير له بغض النظر عن مصلحتك أنت. أن تحبه فهذا يعني أن تساهم في تحقيق سعادته حتى ولو لم تكن لك أي مصلحة شخصية في ذلك.
وهذا يشبه ما قاله الفيلسوف الألماني لايبنتز: «الحب، تعريفاً، هو أن تستمتع بسعادة شخص آخر». فبمجرد أنه سعيد تشعر بالسعادة. وعلى غرار ذلك كان القديس أوغسطين يقول: «السعادة هي أن تسعد الآخرين». وكان يضيف: «حدود الحب، هي أن تحب بلا حدود». وهذا من أبلغ ما قيل في الحب وأعظم تعريف للسعادة. ثم هذا بشكل خاص أقوى ما قيل ضد الأنانية. ثم كان هذا القديس المسيحي الكبير يضيف العبارة العميقة التالية: «هناك حبان أنتجا عالمين مختلفين: حب الذات إلى درجة نسيان الله: وهذا أنتج العالم الأرضي. وحب الله إلى درجة التفاني فيه ونسيان الذات: وهذا أنتج العالم السماوي». ولكن لحسن الحظ فإن الحضارة العربية الإسلامية جمعت بين الحبين: حب الله وحب البشر، حب السماء دون نسيان الأرض. من هنا وسطيتها واعتدالها وعظمتها.
وأما أفلاطون فكان يعرف الحب على النحو التالي: «ما لا نملكه، ما ينقصنا، ما نتحرق إليه ونرغبه دون أن نستطيع التوصل إليه: هذا هو موضوع الحب». وبالفعل فقد نعشق شيئاً ما أو نشتهيه ولكن ما إن نمتلكه حتى يصبح عاديا بالنسبة لنا ولا نعود متعلقين به كما في السابق. وعندئذ نشتهي شيئاً آخر، وهكذا دواليك.. وهنا تكمن مشكلة الحب. دائماً نرغب فيما لم نصل إليه بعد. ولذا فإن الحكمة تفرض علينا أن نضع حدا لرغباتنا وشهواتنا وإلا فإن الحياة تصبح جحيماً لا يطاق. وعلى أي حال فالحب له علاقة بالحرمان. ولكن الحل يجيء هنا مرة أخرى من جهة الحديث النبوي الشريف: القناعة كنز لا يفنى.
أما جان بول سارتر، فيقول إن «الحب هو وحده القادر على إشعارنا بأن وجودنا أصبح مبرراً ومشروعا». فحياة بدون حب تكون فارغة بشكل مرعب. فالحب هو الذي يبرعم الأمل في القلب ويخلع على الحياة معنى. ولذا فعندما يفشل الحب نشعر بفراغ هائل في القلب. نشعر وكأن الحياة قد تحولت إلى صحراء مقفرة وموحشة. نشعر بانعدام الجاذبية واختلال الوزن. ما أصعب تلك اللحظة. بعضهم ينتحر بسببها. لحسن الحظ فإننا تجاوزنا مرحلة الانتحار، على الأقل حتى الآن. وإلا لكنا انتحرنا مائة مرة! وكان سارتر يردف قائلاً: «الحب، المهنة، الثورة: كلها أشياء نعرف بداياتها ولكن لا نعرف نهاياتها»، وهذا يشبه ما قاله ابن الرومي:
ألا من يريني غايتي قبل مذهبي
ومن أين والغايات بعد المذاهب
مسافة
أما الفيلسوفة الفرنسية سيمون فيل، فكانت تقول هذه العبارة الجميلة والملغزة: «أن تحب شخصاً غريباً مثلما تحب نفسك، فهذا يعني أن تحب نفسك كغريب».. وكانت تقول أيضاً هذه العبارة: «الحب الخالص، الحب الصافي: هو أن تقبل بالمسافة، هو أن تعبد المسافة التي تفصل بينك وبين من تحب». ليس من الضروري أن تصل إليه. وهذا يعني أنه يمكن أن تحب امرأة دون أن تصل إليها أبداً. إنك تحبها لذاتها وبذاتها وليس لأجل إشباع رغباتك ومصلحتك الشخصية. وهذا أقوى وأشرف أنواع الحب. وقد عرفته العرب على هيئة الحب العذري. ألم يقل جميل بثينة:
وإني لأرضى من بثينة بالذي
لو ابصره الواشي لقرت بلابله
بلا، وبألا أستطيع، وبالمنى
وبالأمل المرجو قد خاب آمله
وبالنظرة العجلى وبالحول ينقضي
أواخره لا نلتقي وأوائله
إنه يحترم المسافة التي تفصله عنها. إنه يحبها من أجلها فقط، من أجل سعادتها فقط. إنه لا يريد منها شيئاً أبداً. ولكن مجرد تذكرها من وقت لآخر ينعش روحه، يخضوضر قلبه. وهذا يكفيه. لا يريد أكثر من ذلك. فبثينة كانت متزوجة من رجل آخر كما نعلم ولكن قلبها كان يخفق لجميل. ولذلك عندما سمعت بموته سقطت مغشيا عليها ثم استفاقت وقالت:
وإن سلوي عن جميل لساعة
من الدهر ما جاءت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمر
إذا مت بأساء الحياة ولينها
ويقال إنها لم تقل في حياتها غير هذين البيتين، وهما يكفيان. فنحن لا نطلب منها أكثر من ذلك. شكراً لبثينة الخالدة. وشكراً لبثينة أخرى لا أستطيع التحدث عنها هنا.. تكفيك مشاكل ومتاعب أيها الإنسان! لماذا تورط نفسك في ورطات أكبر منك؟ لقطة عابرة مع بثينة العصر دوخت عقلك يوماً ما. مشوار واحد فقط وقبلة خاطفة كانت كافية لإزهاق روحك، لرفعك إلى أعلى السماوات… فما بالك لو حصلت علاقة حقيقية؟ كان ذلك في منطقة بورت دورليان بباريس قبل ثلاثين عاماً.
لوجه الله: أنصحكم وأنصح نفسي بألا تقعوا في حب واحدة اسمها بثينة لكيلا تدمركم تدميراً. في كل الأحوال فإني أحسد نفسي وأفتخر كل الافتخار لأني أنتمي إلى أمة أنجبت الشعراء العذريين. إنهم ملائكة الأدب العربي.
وماذا عن شاعرنا العذري الآخر ذي الرمة وحبيبته الغالية مي؟ ألم تلهمه واحدة من أجمل قصائد الشعر العربي؟ لنتذكر هذه الأبيات الخالدة:
لمياء في شفتيها حمة لعس
وفي اللثات وفي أنيابها شنب
وحبها لي سواد الليل مرتعداً
كأنها النار تخبو ثم تلتهب
لا أحسب الدهر يبلي جدَّة أبداً
ولا تُقسّم شعباً واحداً شِعَبُ
ثم جاء مفرق اللذات وهادم الجماعات.. وأدركت شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. ولكن ألم نقل لكم بأن الحب هو وحده الذي ينتصر على الموت والفراق؟ الحب هو محرك التاريخ وليس الضغائن والأحقاد. لا شيء عظيماً يتحقق في العالم بدون قصة حب.
وأما الفيلسوف المعاصر آلان باديو فيقول: «سعادة الحب هي البرهان على أن الزمن يستطيع أن يحتضن الأبدية». فأنت عندما تحب تشعر وكأن الزمن المقدس أصبح ملكك، تشعر وكأن الخلود من نصيبك ونصيب محبوبتك.. إنكما تنصهران في الحب انصهاراً ولا يعود للزمن معنى ولا حتى للموت. بهذا المعنى فالحب أقوى من الموت! وهذا ما يقوله لنا فيرجيل حرفيا: «الحب ينتصر على كل شيء». فإذا متم وأنتم عشاق فإنكم لا تموتون.. وهذا ما يقوله الشاعر الإنكليزي شيلي أيضاً: «بالنسبة للحب والجمال والسعادة لا يوجد موت ولا انحلال». بمعنى: للحب المجد والخلود.
وأما ديكارت فيقول هذا الكلام الصائب: «الكره مصحوب دائماً بالهم والغم على عكس الحب المصحوب دائما بالمتعة والفرح».. وبالتالي فاكرهوا أقل ما يمكن أيها الناس وأحبوا أكثر ما يمكن إذا استطعتم.. فالحياة عابرة، قصيرة، لا تستحق أن نعكرها بالكره والبغض..
الخدر الجميل
والآن ماذا يقول صديقنا نيتشه عن الحب؟ من المعلوم أن تلك الغاوية الحسناء لو أندريا سالومي جننته حبا دون أن ينال منها أي شيء حتى ولا قبلة خاطفة. ربما سمحت له بأن يقبل يدها فقط. بل وحتى هذا ليس مؤكداً. فالرجل لم يكن من حيث الشكل ممن تهواه النساء. يقول فيلسوف الألمان وشاعرهم الأكبر: «الحب، الحب، ماذا يعني الحب؟ مجرد فترات هيجانية جنونية قصيرة تنتهي بفترة حماقة طويلة: الزواج»!
ولكن دعونا من تشاؤم نيتشه وعدميته المرعبة. لا ريب في أنه عبقري ويلخص في عبارة واحدة مقتضبة ما تعجز عنه المؤلفات الكبرى. ولكنه سوداوي أكثر من اللزوم. لنتفاءل إذن بالحياة والحب ولنملأ قلوبنا بالأمل على الرغم من كل شيء.. وقديما قال شاعرنا العربي: ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل..
وأما بودلير الذي يشبه نيتشه في تشاؤمه فيقول ما يلي: «المزعج في الحب هو أنه جريمة لا تستطيع أن ترتكبها بدون شريك متواطئ معك»! بالطبع لا تستطيع أن تحب لوحدك. هذا شيء بدهي.لا تستطيع أن تحب بدون امرأة تعشقها حتى ولو لم تبادلك نفس المشاعر. هذا تحصيل حاصل. ولكن لماذا يكون الحب جريمة؟ سر ذلك عند بودلير. وسره أيضا عند جاك لاكان الذي يقول هذه العبارة التي قد تجعلك تنفجر بالضحك غصبا عنك: «الحب هو أن تقدم لإحداهن شيئا لا تملكه أنت ولم تطلبه هي». برافو! هذا محلل نفساني خطير وربما أكبر عالم نفس بعد فرويد.. ولكن ربما كان أبلغ من كل ذلك ما قاله الشاعر الكلاسيكي الفرنسي كورنيه: «العقل والحب عدوان لدودان لا يجتمعان». بمعنى: لو كانت فيك ذرة عقل هل كان يمكن أن تسقط في الحب؟ وبالفعل فعندما نقع في الحب نشعر وكأننا فقدنا إمكاناتنا العقلية والنقلية ونصبح نتصرف بشكل صبياني، بل وكأننا مخدرين. الحب تخدير كامل ولكنه تخدير ناعم لذيذ. من هنا هول الصدمة بعد الاستيقاظ! بعد أن تكون قد تركتك أو خانتك وذهبت مع شخص آخر. من يستطيع أن يتحمل تلك الضربة الغادرة؟ أسهل منها تجرع السم الزعاف. ثم تخجل من نفسك وتصرفاتك بعد أن يكون الحب قد انتهى..
ولكن على الرغم من كل ذلك فإني أنصحكم وأنصح نفسي بالوقوع في الحب كلما سنحت الفرصة. لا تدعوها تفوتكم حتى ولو تكسرت أجنحتكم على رصيف الواقع المر. غامروا بأرواحكم، اقذفوا بأنفسكم في فوهة المجهول وليكن ما يكون! فحتى قصص الحب الفاشلة لها ميزة عظيمة: هي أنها تطهر الروح من الداخل وتنقيها بعد أن يعتصرها الألم ويصهرها العذاب. وفي رأيي الشخصي، فإن معظم قصص الحب الكبرى في التاريخ كانت فاشلة. مستحيل أن ينجح الحب إذا كان حقيقياً أو عظيما جدا. فالحساد له بالمرصاد، وكذلك الوشاة والجواسيس الصغار.. وأكبر دليل على ذلك قصص الحب العذري عند العرب. وبالتالي فليس المهم أن ينجح الحب، المهم أن يحصل! مجرد حصوله يشكل انتصارا ما بعده انتصار. ذلك أنه ليس في كل يوم تحصل قصة حب. هذا شيء نادر جداً. وربما كان أقوى أنواع الحب ما يحصل بالضربة القاضية أو بالضربة الصاعقة. وعندئذ تسقط صريعاً على الأرض ولا تعود تستطيع حراكاً. ولله الأمر من قبل ومن بعد.. يضاف إلى ذلك أن الفشل في الحب هو أكبر وقود للأدب.لا أدب عظيماً دون فشل عظيم. معظم القصائد العبقرية نهضت على أنقاض حب مدمر. ماذا فعل ابن زيدون؟ أضح التنائي بديلًا عن تدانينا…
إذا عشقوا.. ماتوا
لا أزعم بأني قادر على اختيار أفضل ما قالته العرب عن الحب. فالشعر العربي من أعظم التراثات الشعرية العالمية في هذا المجال. ولا يتفوق عليه الشعر الألماني ولا الإنكليزي ولا الفرنسي ولا حتى الهندي. بل ربما كان العكس هو الصحيح. العرب أمة عاشقة تكاد تموت عشقاً وذوباناً. وقديما قيل عن العذريين: إنهم قوم إذا عشقوا جنوا، أو إذا عشقوا ماتوا. وبالتالي فاختياراتي هنا شخصية جداً ومحدودة. وهي ليست حتماً أفضل ما قالته العرب في الموضوع. فكل اختياراً تعسفياً وظالماً بالضرورة. ولكن هذا ما تيسر:
أعانقها والنفس بعد مشوقة
إليها وهل بعد العناق تدان
وألثم فاها كي تزول صبابتي
فيشتد ما ألقى من الهيمان
كأن فؤادي ليس يروي غليله
سوى أن يرى الروحين تمتزجان
(ابن الرومي)
***
***
قل لي ولو كذباً كلاماً ناعماً
قد كاد يقتلني بك التمثال
ما زلت في فن المحبة طفلة
بيني وبينك أبحر وجبال
كلماتنا في الحب تقتل حبنا
إن الحروف تموت حين تقال
الحب ليس رواية شرقية
بختامها يتزوج الأبطال
لكنه الإبحار دون سفينة
وشعورنا أن الوصول محال
(نزار قباني)
***
الحب في الأدب العالمي
الحب أعمى.
أفلاطون
(صحيح مائة بالمائة للأسف الشديد)
***
لا شيء أقرب إلى المطلق من حب في طور التبرعم والبزوغ.
جان دورميسون
***
ننتظر نصف حياتنا في انتظار من سنحب، والنصف الآخر في ترك من أحببناهم
الحياة زهرة، ثمرتها الحب
***لا يؤلمنا أبداً إلا الأذى الذي قد يأتي من جهة أحبابنا. أما الأذى الذي يأتي من جهة أعدائنا فلا أهمية له..
فيكتور هوجو
وهذا يشبه ما قاله بدوي الجبل:
أن نحمل الحزن لا شكوى ولا ملل
غدر الأحبة حزن ما احتملناه
***
الحب هو كنز من الذكريات..
الحب هو شواطئ بلا ضفاف..
بلزاك
***
الحب هو نوع من أنواع الانتحار. نقطة على السطر
جاك لاكان
(بين قوسين: من يقول هذا الكلام عالم كبير ولكنه شخص حقير على المستوى الإنساني بشهادة بعض من عرفوه شخصياً. ليس غريباً إذن أن يكون موقفه دائما سلبيا من الحب)
***
أنت فان بلا حب، وخالد مع الحب
الفيلسوف الألماني كارل ياسبرز
(هذا شخص عظيم)
***
أفضل طريقة لمقاومة الإغراء هي أن تستسلم له
أوسكار وايلد
***
ثم هذه العبارة الخبيثة:
من يبحث عن امرأة تكون جميلة، وطيبة، وذكية، لا يبحث عن امرأة واحدة وإنما عن ثلاث سيدات!
أوسكار وايلد
***
العاشق الولهان يصبح كالأعمى لا يرى نواقص محبوبته. ولكنه عموما يسترد بصره وبصيرته بعد ثمانية أيام زواج فقط!
كانط
***
سحر الحب الأول هو أننا نجهل أنه سينتهي يوما ما..
مثل أفغاني
***
حاجة. يكفي.. الموضوع لا يستنفد ولا نهاية له.. وإنه لمن الجنون أن نفكر في استنفاد موضوع الحب!
أخيرا اسمحوا لي أن أشكر بعض المراجع الفرنسية والعربية التي لولاها لما كان هذا المقال. فهي التي دفعتني بشكل مباشر أو غير مباشر إلى كتابته. كما ودفعني إلى ذلك ما سمعته عن استحداث وزارة للتسامح وأخرى للسعادة في الإمارات العربية المتحدة. وقد فوجئت جداً بهذه الفكرة التي أراها جميلة حقا وتستحق الإعجاب. فما أحوجنا في هذه الأيام إلى بعض السعادة وإلى الكثير من التسامح في عالم عربي تهدده الأحقاد التاريخية وتكاد تكتسحه تيارات التعصب من كل الجهات.
***
عندما يجيء الحب
عندما يولد الحب ينمو ويترعرع
كالأزاهير في الحقول
ثم ينضج ويصبح يانعا الحب
وتهب عليه ريح السموم
عندما تدخل الروح في الأتون
وتخرج مطهرة بدماء الحب
عندما يحنو الحب
كشجرة صفصاف على أنحاء بيت مهجور
عندما يهب الحب كريح شرقية خفيفة
آتية من خلف الجبال
عندما يموت الحب ألف مرة.. ويحيا الحب!
عندما يجيء الحب من نهاية الشارع العريض
ويخترق الساحات الواسعة والحارات
ويتوقف قليلًا في منتصف الطريق
عندما يعجز الحب عن مواصلة المسيرة
فيتكئ على طرف الشارع ويحملق في الفراغ
عندما يضيع الحب في الحارات والأيام
ويعلق نفسه.. كالقميص..
على الشرفات العالية والمهجورة أيضاً
عندما يشتعل الحب كالقنديل
ويسهر وحيداً..
وحيدا يسهر الحب
عندما أفيق وقد بللت
قطرات من الدمع وسادتي
(العبد الفقير الضعيف وقد تحول فجأة إلى شاعر!)
إمارات التسامح والسعادة
اسمحوا لي أن أشكر بعض المراجع الفرنسية والعربية التي لولاها لما كان هذا المقال، فهي التي دفعتني بشكل مباشر أو غير مباشر إلى كتابته، كما دفعني إلى ذلك ما سمعته عن استحداث وزارة للتسامح وأخرى للسعادة في الإمارات العربية المتحدة، وقد فوجئت جداً بهذه الفكرة التي أراها جميلة حقاً وتستحق الإعجاب، فما أحوجنا في هذه الأيام إلى بعض السعادة وإلى الكثير من التسامح في عالم عربي تهدده الأحقاد التاريخية وتكاد تكتسحه تيارات التعصب من كل الجهات.
_______
*الاتحاد الثقافي

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *