الرئيسية / مقالات / يملك الشرف الرجال وتدفع ثمنه النساء

يملك الشرف الرجال وتدفع ثمنه النساء


*د.نوال السعداوي

في «بيروت» كان مؤتمر الجامعة اللبنانية الأمريكية (11يونيو 2015) بعنوان المرأة والحرب، لكني أعطيت لكلمتي عنوان «المرأة والحرب والثورة».

فالحرب تقوم غالبا لقمع الثورة الشعبية داخليا أو خارجيا، وتقوم الثورة الشعبية غالبا لتحرير النساء والفقراء، وقد تميزت بعض الجامعات، منذ منتصف القرن العشرين، بإنشاء أقسام للدراسات النسائية، قدمت منهجا جديدا فى البحث، يقوم على الربط بين روافد المعرفة أو بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، لا يمكن فهم قضية المرأة دون الربط بين التاريخ والفلسفة والطب والأدب والاقتصاد والدين والجنس والسياسة والحرب، ولا يمكن فهم قضية الحرب أو أي قضية أخرى دون هذا الربط، وتحتاج قضية المرأة بالذات لهذا المنهج المترابط لجميع التخصصات، فهي تربط بين الخاص والعام والشخصي والسياسي والجنسي والنفسي والأخلاقي، لهذا تميزت بعض الدراسات النسائية بالعمق الكاشف لجذور الاستغلال والقهر الطبقي الأبوي للنساء والفقراء في التاريخ، في كلية الطب قمنا بتشريح الجسد (المرأة والرجل) دون أن نتعلم شيئا عن المشاكلات الحقيقية لهذا الجسد، تعلمنا الطب من كتب إنجليرية وتخرجنا أجهل مما كنا، فلم يعد الإنسان كيانا متكاملا في مجتمع حي، بل مجموعة من الأعضاء المنفصلة الميتة، وأجزاء بعضها مبتور من جسد المرأة ، لقد أخذنا الطب عن الاستعمار البريطاني مع قيمه البيوريتانية الدينية.
نقدت هذا الطب في كتاباتي منذ نصف قرن، لعدم قدرتي على قبول الازدواجية والتناقض، أو الفصل بين العقل والجسد والروح والمجتمع، ونقدت أيضا العمليات الجراحية التي تقطع أجزاء سليمة من أجساد الأطفال (الإناث والذكور) تحت اسم الطهارة أو الختان، الربط بين الحرب والنساء والثورة ذكرني بطفولتي، فلا شيء يشجع على التفكير الحر مثل تنشيط الذاكرة، وربط الماضي بالحاضر بالمستقبل.
شهدت في طفولتى الحرب العالمية الثانية وكانت مصر مستعمرة بريطانية يتقاتل على أرضها جيوش الحلفاء والأعداء، تصبح مصر (مثل غيرها من المستعمرات) ضحية حرب ليست حربها، ومصالح ليست مصالحها، يتحول الحلفاء لأعداء والأعداء لأصدقاء، وتبقى المستعمرات كما كانت منذ العبودية، يرثها الاستعمار الجديد من الاستعمار القديم، وتدفع شعوبها ثمن الحرب ، خاصة النساء والفقراء، تستولي الطبقة الحاكمة الأجنبية على كل أرباح الحرب إلا الفتات، الذي يعطي للطبقة الحاكمة المحلية نظير خيانتها لمصالح شعوبها، ويمنح الملك (أو الرئيس) الأوسمة (أو جوائز الدولة) على نخب المثقفين والأدباء والعلماء الذين صمتوا عن الظلم والفساد، أو أيدوا الحاكم بالخطب والكتابة، وخدعوا المقهورين بقصائد التضحية، من أجل الله والوطن، تحظى النساء بأكبر نصيب من الخداع والتضحية، تحت اسم الأمومة والأنوثة وطاعة الأب والزوج والرب، تدفع النساء، خاصة الفقيرات، ثمن الحرب والسلم، بسبب انعزالهن بالبيوت تحت السيطرة المطلقة لرجالهن.
لا تحظى النساء بقوة سياسية جماعية لتغيير أي قانون لصالحهن، بسبب عدم وجودهن كقوة منظمة داخل الأحزاب السياسية التي يسيطر عليها الرجال، ونشهد اليوم في الانتخابات البرلمانية كيف يسهل لرجال الأحزاب تهميش العضوات النساء.
وبعد ثورتين كبيرتين شاركت فيهما النساء، لا يحق لهن تكوين حزب سياسي في مصر حتى اليوم، رغم أنهن نصف المجتمع وأكثر، وبالرغم من أغلبيتهن العددية فإنهن يعتبرن أقلية، بل أدنى من الأقليات، ومنها أقلية تسمى «السلفية» تخرق الدستور الجديد، وتشكل حزبا سياسيا يستعد لدخول البرلمان المقبل.
يحق للنساء تشكيل جمعيات نشاطها اجتماعي فقط بالقانون، هذا الإقصاء السياسي للنساء، أو هذا الفصل بين الاجتماعي والسياسي موروث عبودي قديم، فالتنظيم السياسي الجماعي هو مصدر القوة الوحيد للنساء أو العبيد.
ليس للنساء قوة سياسية قادرة على تحقيق العدالة داخل الأسرة أو الدولة، هناك فقط أفراد نساء طموحات يصعدن للحكم بالخضوع للأحزاب المسيطرة والقيم السائدة، وقد تصبح المرأة رئيسة دولة ، دون أن تغير جوهر الاستغلال الواقع على النساء والفقراء، وبالمثل يمكن لرجل أمريكي أسود أن يصبح رئيسا للدولة، مع ذلك تنفجر المظاهرات ضد حكومته بسبب اضطهاد السود والفقراء كما نشهد اليوم بالولايات المتحدة الأمريكية.
هناك ترابط وثيق في التاريخ بين القهر الاقتصادي والجنسي، الذى أدى إلى اشتعال الحروب ضد الثورات الشعبية المستمرة، والتي يتم قمعها بالقوة المسلحة والإعلام المضلل.
هناك اتجاه أكاديمي تقليدي يرى الحرب صفة ذكورية أو صراعا بين الذكورة والأنوثة، كأنما الحرب عملية بيولوجية تتعلق بالهرمونات داخل الجسد، وليست نظاما قمعيا مسلحا ومضللا للعقول بالثقافة والإعلام والتعليم، فالحروب المسلحة لا تقوم دون خطة ثقافية تعليمية وإعلامية مضللة ، تغطي الأهداف المادية بأهداف دينية وروحية.
ولأن المرأة أقل الفئات قوة في ظل النظام الرأسمالي الأبوي، فإنها تدفع ثمنا أكبر في الحروب، ويعتبر اغتصابها جنسيا، بواسطة الجنود المنتصرين، جزءا من الحرب النظامية المشروعة، ويدور في المحاكم الدولية حتى اليوم السؤال: هل اغتصاب النساء في الحرب جريمة؟
بمثل ما يدور في المحاكم المحلية السؤال: هل قتل النساء في قضايا الشرف جريمة ؟
وفي الحرب والسلم، يملك الشرف الرجال بالقوة ، وتدفع ثمنه النساء بالدم.
_______
*الأهرام 

شاهد أيضاً

هاجس روائي

*محمد المطرود ربّما هكذا نستطيعُ أن نفتتح روايةً، حديثٌ مجانيٌّ عنِ الحياةِ اليومية، طقوس الليلِ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *