الرئيسية / فنون / “لوسي”.. بؤس الاستخدام الكامل للطاقة الذهنية

“لوسي”.. بؤس الاستخدام الكامل للطاقة الذهنية




*مهند النابلسي

خاص- ( ثقافات )

لوسي هي مجرد فتاة أمريكية جميلة في الخامسة والعشرين من عمرها، تعيش وتدرس بتايبة (عاصمة تايوان). يتم خداعها والتلاعب بها للعمل قسرا لدى زعيم كوري عنيف يرأس شبكة عالمية لتهريب المخدرات يدعى مستر “يانغ”، وذلك بواسطة صديقها الذي يتم قتله.
وتضطر لتسليم مستر يانغ شنطة غامضة تحوي 4 أكياس من مسحوق غامض أزرق، يحتوي على مادة “سي بي اتش فور”، حيث يأسر الزعيم الكوري لوسي، وينجح أعوانه بوضع كيس من المسحوق الغامض بأمعائها لتهريبه خلسة للبيع في أوروبا، وأثناء أسرها يقوم أحد الحراس بضربها بقسوة على بطنها بعد أن تقاوم ببسالة محاولة اغتصابها، مما يؤدي لتمزيق الكيس داخل أحشائها، وكنتيجة لذلك، تكتسب لوسي قوى خارقة “فيزيائية وذهنية” غير مفهومة وبشكل تدريجي، وتصبح لديها القدرة على تحريك الأشياء والتخاطر الذهني عن بعد، كما تتمكن من السفر افتراضيا وذهنيا للمستقبل وتوقع حدوث الأشياء، كما تصبح قادرة على تحمل الألم والمعاناة، وتمتلك قوى جسمانية خارقة، تمكنها من قتل الحراس والنجاة بنفسها والهرب.
تسافر لوسي لأقرب مستشفى لإجراء عملية تسمح لها بالتخلص من بقايا الكيس الأزرق التي تسربت لأمعائها، وينجح الجراح باخراج الكيس وبعض البقايا، كما يخبرها بالطبيعة “المتطايرة الغريبة” للمسحوق الغامض وبالأعراض الجانبية المدمرة.
ثم تعود بجسارة للفندق مصممة على الانتقام، فتقتل الحراس بضراوة، وتكتفي بجروح قطعية ليدي مستر جانغ، وتنجح باستخدام التخاطر لسبر عقله ومعرفة مواقع بقية الأكياس،وحركات المهربين (أبدع الممثل الكوري مين سيك شوي بتقديم الدور بنمط استحواذي فريد).
السفر لباريس والتواصل مع البرفيسور “نورمن”
من شقتها المشتركة تحاول لوسي الاتصال بعالم شهير وطبيب متخصص، يدعى برفسور صمؤيل نورمن، وهو الذي أمضى 20 عاما وهو يقوم بأبحاث مستفيضة، تتعلق بمجال استغلال الطاقات الذهنية للبشر بنسب متفاوتة، (وقد أبدع مورغان فريمان كعادته بأداء هذا الدور)، وبعد أن يقتنع البرفسور بقدراتها الذهنية المتنامية التي تنسجم مع طروحاته البحثية، تسافر لباريس وتتصل فورا برئيس الشرطة المحلية بيير ديل ريو (قام بالدور الممثل المصري عمرو واكد)، وتحاول معه قبل فوات الآوان تحديد مواقع المهربين الثلاثة للقبض عليهم، وخلال رحلتها المثيرة بالطائرة المتوجهة لباريس، تنمو قدراتها الذهنية بشكل كبير غير متوقع، مما يسمح لها بالتخاطر الحيوي “الزمكاني” ويؤهلها لتحديد مواقع أعضاء العصابة الكورية، حيث تقوم بإرشاد الشرطة الأوروبية إلى شخصيات المهربين في باريس وروما وبرلين، كذلك فهي تسرع للقاء البرفسور نورمن، وتتفق معه على المشاركة بالمعلومات والمعرفة العلمية المطابقة لحالة نمو ذهنها بشكل متسارع، فيما يسارع زعيم العصابة جانغ للحصول سريعا على أكياس المسحوق قبل انكشاف أمره، حيث تندلع معركة نارية كبيرة مع الشرطة الفرنسية. 
الزمن هو المعيار الأوحد للقياس!
تناقش لوسي بمختبر البرفسور نورمن العلاقة بين الزمن والحياة، حيث يستنتج البرفسور أن معيار القياس الأوحد هو الزمن الذي يستهتر به البشر عموما، ثم تتمكن لوسي “المتحمسة” من حقن جسمها بباقي أكياس المسحوق الخطير، ويبدأ جسمها بالتحول لمادة سوداء غامضة، وتمتد بشكل فوضوي مذهل وسريع، ويشمل ذلك الحاسوب المخبري الضخم ثم تنتقل الحالة لأجهزة أخرىفي الجوار.
وهكذا تتداخل قدراتها الذهنية المذهلة (التي لا يمكن السيطرة عليها) لتتكامل مع قدرات الحاسوب الضخم، مطلقة معرفة كونية-كلية للكون والحياة، فيما يشبه”القدرة الإلهية المطلقة”.
التواصل مع الجدة “البدائية” لوسي!
تبدأ لوسي الشابة الجميلة برحلة فراغية عبر تخوم الزمن سحيقة القدم، لتتواصل مع أقدم جدات الجنس البشري البدائية وتدعى أيضا “لوسي” (وقد تم اكتشاف رفاتها بربوع أفريقيا الشرقية)، ثم نرى بمشهد مؤثر سريالي،كيف تتلامس المرأتان بحذر وشغف وحنين، ربما كمؤشر على العلاقة الجينية التواصلية؛ في إشارة “خفية” ذكية لنظرية داروين حول تطور الجنس البشري .. وخلال نفس الفترة ورجوعا للمختبر، نرى مستر جانغ القاتل الجامح، نراه يحطم بابه موجها مسدسه لرأس لوسي من الخلف، قاصدا قتلها…ثم بنفس اللحظة الحاسمة التي يطلق بها الرصاصة، تصل لوسي لحالة الاستغلال الذهني الكامل، حيث تختفي فجاة بشكل غامض وتذهب لبعد فضائي زمني جديد وكأنها أصبحت مخلدة، تاركة خلفها بزة سوداء فارغة وسوبر كمبيوتر أسود “عنكبوتي الشكل” يمتد عبر “فضاء الغرفة” كوحش روبوطي خارق، وبالتزامن مع نفس هذه اللحظات “الحابسة للأنفاس” نرى زعيم الشرطة الفرنسية “ديل ريو” يدخل على الخط حانقا وغاضبا ويسرع بقتل المستر جانغ، فيما يستلم البرفسور نورمن “فلاش ذاكرة” يقدمها له السوبركمبيوتر قبل أن يتفتت ويفنى كغبار!، ثم يتساءل ديل ريو مستغربا وقلقا (بلهجة العاشق الولهان) عن مكان وجود لوسي، فيما يرن هاتفه المحمول ليقرأ فجأة رسالة غامضة:” أنا في كل مكان”!. 
أداء متواضع للممثل المصري “عمرو واكد”
مقارنة بالشخصيات الرئيسية الأخرى (العالم الأمريكي والمجرم الكوري والبطلة الجامحة)، بدا عمرو واكد وجلا وخائفا ومهزوزا (بدور ضابط الشرطة الفرنسية)، وكأنه لم يصدق الدور الكبير الذي أعطي له، فغطى قسماته الغامضة بالجمود والوجوم، عكس متطلبات الدور “الحركية الديناميكية التفاعلية” كمدير لشرطة باريس كما فشل بتكوين “كيمياء تفاعلية” مع البطلة البارعة، وربما فشل المخرج لوك بيسون باختياره لهذا الدور تحديدا، فـ”الوسامةالغريبة والنظرات الجذابة والخبرة السابقة” لا تكفي هنا، وكان الأولى تسليم الدور لممثل فرنسي مخضرم وهم كثر، والغريب أنني شاهدت نفس الممثل المصري “الشهير” وبدا قادرا على تقديم آكشن دراما بأسلوب لافت وجاذب بفيلم مصري قديم يدعى “دم الغزال”.
رسالة تحذير!
ربما نجح بيسون بإظهار حالة “التوسع الذهني الجامح” لدى ممثلته “سكارليت جوهانسون”، فأظهرت ببراعة تداعيات هذه الحالة وبشكل مقنع، وتقمصت حالة “التمدد الذكائي” فيزيائيا وتخاطريا، وبدا وكأن بيسون يوجه من خلالها رسالة تحذر البشرية من التلاعب مستقبلا بالقدرات الذهنية، التي قد تصبح شرا مطلقا فيما إذا انطلقت بلا ضوابط “أخلاقية وسلوكية” من عقالها.
فقدان البوصلة!
فقد المخرج الفرنسي الفذ لوك بيسون بوصلته بطريقة إخراجه لهذا الفيلم، فتشتت جهوده وتبعثرت ما بين فيلم مطاردة حركي مثير وحابس للأنفاس، وخيال علمي شيق مطعم ببعد وثائقي غريب…وربما أجبره هاجس المنتجين التجاري على التخبط بهذا الضياع، فأضاف العديد من اللقطات المجانية غير المنطقية ضمن السياق، وبدت بلا مغزى ومنها على سبيل المثال المطاردات الطويلة اللاهثة في شوارع وأزقة باريس، ومنها قيام لوسي بقتل سائق تاكسي “مسكين” لمجرد أنه لا يعرف الإنجليزية، وكذلك قيامها بقتل غير مبرر وعنيف لمريض عاجز راقد على طاولة غرفة العمليات بالمستشفى لمجرد معرفتها بأن حالته “السرطانية” ميؤوس منها، بغرض أن تحل محله وتحصل على أولوية المعالجة الجراحية!، كما أن المشاهد يستغرب حقا من إقدامها الجسور على قتل كافة الخصوم “الكوريين” بقسوة لافتة، فيما يبدو أنها قادرة “بفضل التأثير السحري للمسحوق” على تنويمهم وتحييدهم ومن ثم تعليقهم على الأسقف والجدران بلا حراك…وربما ساعدت كل هذه اللقطات الحركية “العبثية” والجرعة الزائدة من العنف على إضعاف القيمة “السينمائية-الفنية” الطموحة للشريط بالتوازن مع الرغبة الكاسحة برفع رصيده التجاري في شباك التذاكر “العالمي”. 
_______
*ناقد سينمائي وكاتب. 

شاهد أيضاً

كتاب عن حياة فنانة القرن العشرين التي أهملها المؤرخون

*عمار المأمون في كتابه “فتحية أحمد- مطربة القطرين” يسعى الشاعر والصحافي المصري محبّ جميل إلى …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *