الرئيسية / قراءات / كافكا.. رسول الرؤى في العصر الحديث

كافكا.. رسول الرؤى في العصر الحديث


*سمر جبر


احتفل الألمان نهاية سبتمبر/أيلول 2014، بظهور الجزء الأول من ثلاثية السيرة الذاتية لفرانز كافكا (1883 – 1924)، للمؤرّخ الأدبي راينر شتاخ «كافكا..السنوات الأولى»، وهو الأخير من حيث تاريخ النشر عن دار فيشر. وهكذا يُضاف أكثر من 600 صفحة (الجزء الأول) إلى 1400 صفحة تُمثّل الجزأين الثاني والثالث من الثلاثية. 
وبهذا فإن المؤلف لم يُنهِ عمله الضخم وإنما بدأه. ففي هذا الجزء بدأ الثلاثية، حيث بدأ بالسنوات الأولى في حياة كافكا، طفولته وصباه، ومن ثَمّ بداية سنوات عمله الوظيفي، حيث ينتهي الجزء في سنة 1911، عندما يقرر كافكا أنه لا يريد إلا أن يصبح كاتباً ويتبقّى له ثلاث عشرة سنة أخرى في حياته وإنتاجه الأدبي. 
والجزء الثاني الذي نُشر عام 2002 من السيرة الذاتية كان يتناول كافكا في منتصف حياته، أما الثالث الذي نُشر 2008، فكان يتناول السنوات الأخيرة من حياة كافكا.
وقد توخّى «شتاخ» الحذر في الكتابة، فلم يذكر معلومات دون أن يذكر مصادرها سواء في أعمال كافكا الأدبية أم يومياته أم رسائله أم الكتب والدراسات التي صدرت حول حياته وإنجازه الأدبي. فهو اعتمد على كمية هائلة من المصادر العلمية وتوخّى الحذر في النشر مما يُدلّ على دقة متناهية في البحث العلمي، كما أنه لم يركز في بحثه على كافكا الأديب أو المفكر فقط، وإنما كافكا الإنسان أيضاًً.
كذلك لم ينسَ ذكر التاريخ الثقافي لبراغ، والأقليّة الألمانية، والشعب التشيكي، ومعاداة السامية، وأيضاً التطوّر الاجتماعي والصناعي في ذلك الوقت. فقد عاصر كافكا في بداية القرن العشرين ثورة صناعية هائلة تمثلت في ظهور العديد من الاختراعات التي لم تكنْ متاحة للأجيال السابقة مثل السيارات، الطائرات، الهواتف، السينما، الجرامفون والكشف بالأشعة. كل هذه الاختراعات والاكتشافات كان لها بالغ الأثر في تغيير استقرار العلاقات الاجتماعية. وما كان أكثر رهبة من التقنيات الجديدة، هو سماع صوت أحدهم على الهاتف دون رؤية جسده. هذه التغيرات التي بدأت تطرأ على المجتمع الأوربي ببطء بداية من القرن السابع عشر وتسارعت وتيرتها بشدة في بداية القرن العشرين. كما حاول كافكا أن يُجدّد في مجال حماية حقوق العاملين وتحسين شروط العمل وأجوائه، فاخترع الخوذة التي يلبسها العمال على رؤوسهم في مواقع البناء لتحميهم من الحوادث المفاجئة، كذلك اقترح على خطيبته البرلينية اختراع جهاز يُسجّل المكالمات ويرد عليها، وكتب مَرّة إنه يظن أن بإمكان الأجهزة الاتصال ببعضها في المستقبل. كما تصوّر آلة رهيبة للقتل في رواية «مستعمرة العقاب»، حيث تفقد الضحية كل دمائها.
منذ حوالي مئة عام، وتحديداً في أغسطس 1914، اجتاحت العواصم الأوروبية الفوضى والاضطرابات وتحمّس العالم للمغامرة الكبرى المسماة الحرب. وفي خلال أيام قليلة أعلنت كل من النمسا والمجر الحرب على صربيا. ألمانيا أعلنت الحرب على روسيا وفرنسا فيما انساقت أيضاًً لوكسمبورغ وبلجيكا وإنجلترا لسحر طبول الحرب بعدها. وبينما كان العساكر يجوبون أرجاء العاصمة البوهيمية براغ بهتافات الحرب، كان هناك شاعر مجهول يقطن بزقاق «بيل» رقم عشرة ويكتب الجملة الأولى من روايته «القضية»: (لابد أن أحداً قد افترى على يوزف كا، إذ اعتقل ذات صباح، دون أن يكون قد اقترف شراً)، وهذه الجملة تعتبر من أشهر الجمل الأدبية في العالم، افتتح بها كافكا وبطريقة مواربة ومهدّدة روايته ليعبّر بها عن مخاوف وبارانويا الإنسان الحديث الذي فقد السيطرة على حياته في عالم يسوده الاستبداد ونظام قائم على الشكّ والمراقبة. يُذكر أن هذه الرواية نُشرت عام 1925 بعد موت كافكا وقد جعلته واحداً من أكبر كتّاب القرن العشرين.
كافكا ليس فقط اسماً لمؤلف وشاعر عظيم، وإنما أضحى مفهوماً ونوعاً أدبياً، وأصبح قمة لا تخطئها عين من قرأ أو حتى سمع عن رواياته «القضية» أو «القصر» أو «رسالة إلى الأب». فظهر في الأدب مصطلح الكافكاوية رمزاً إلى الكتابة الحداثية الممتلئة بالسواد والعبث. كما قال عنه الشاعر «وايستن هوج اودن»: حينما يريد أن يذكر المرء كاتباً في عصرنا الحديث على غِرار الكتّاب العظماء أمثال دانتي وشكسبير وجوته، فلابد أن يأتي كافكا في المقام الأول.
حينما كتب كافكا جملته الأولى من رواية «القضية» كان يبلغ 31 عاماً وللمرة الأولى يعيش وحيداً. قبل ذلك عاش مع عائلته ولم تكنْ محاولاته في الكتابة مجدية فقد كانت حجرته في منزل العائلة تستخدم كممر. وحينما انتقل لمنزل ليس ببعيد حدثت الانفراجة للكاتب والشاعر الذي لم ينشرْ حتى ذلك الوقت سوى ديواني شعر ورواية. في العام 1914 كانت خطيبة كافكا «فليس باور» في برلين قد انفصلت عنه، لكنه لم يكن انفصالاً نهائياً. وقبلها كان كافكا قد أَتمّ كتابة وإرسال أكثر من 500 رسالة وتلغراف لخطيبته منذ عام 1912، وغالباً ما كان يرسل لفليس، والتي كان يراها زوجته المستقبلية، أكثر من رسالة في اليوم الواحد. ورسائله لفليس تُعدّ اليوم من أشهر أعماله الأدبية والوثائق الفريدة التي تتضمن طريقة تفكير كافكا وإلهامه الذاتي. فكافكا لم يكن شاهداً غير مبالٍ بأحداث عصره، كما يبدو أحياناً من يومياته ففي يوم 2 أغسطس 1914، ذكر باقتضاب أن ألمانيا أعلنت الحرب على روسيا وأعقبها بأن لديه موعداً في مدرسة السباحة بعد الظهر، لم تكن هذه أنانية ولا يعني هذا أنه اهتمّ بشخص واحد في هذا العالم. 
ولكن كافكا كطالب بعمر 14 عاماً بالمدرسة الألمانية قد عاين إلى أي حد كانت الاضطرابات التي حدثت في براغ صادمة ومروّعة، عندما خرج متظاهرون عام 1897 حطموا واجهات المحال التي يمتلكها اليهود الألمان وحتى اليهود التشيكيين، كان الأمر في البداية ضد الألمان ومن ثَمّ ضد اليهود وفي قلب العاصمة القديمة أحرقوا المقاعد والمناضد لقهوة كانوا يعتقدون أنها ليهودي. قبلها كان طلاب الجامعة الألمانية قد اجتاحوا المدينة مرددين الأغاني الوطنية الألمانية وعندما أراد الطلاب التشيكيين الرد، تم إيقافهم من قِبَلِ البوليس، ولذلك اجتاح البعض منهم الشوارع محطمين كل ما يخطر على بالهم أنه ألماني أو يهودي. فالألمان كما اليهود كانوا ينتمون للأقليّات في العاصمة البوهيمية براغ إلا أنهم تقلّدوا مناصب في السلطة كما تحكّموا في التجارة ولم تكنْ هذه هي أول موجة غضب من المواطنين التشيكيين. ظلّت مدرسة كافكا مُغلقة عدة أيام فلم يستطعْ البوليس ولا كتائب المتظاهرين حسم الأمر، حتى وإن كانوا يهاجمون أيضاًً بالسكاكين وبعد وقوع العديد من الموتى والجرحى تَمّ فرض الأحكام العرفية في اليوم الخامس وعُرِفَتْ الحركة في التاريخ باسم «عاصفة ديسمبر».
منذ سنة 1908، بدأ كافكا بالعمل في مؤسسة التأمين ضد حوادث العمال التابعة للمملكة البوهيمية في براغ، تلك المؤسسة التي عُدّتْ من المكاسب الاجتماعية في ذلك الوقت، وحتى نشوب الحرب كانت وظيفته تتعلّق بالمقام الأول بإصابات العمل والتعويضات والتدابير المتخذة لحماية العمال من الخطر. وبعدها بدأ يهتم بمصابي الحرب، ولأن كافكا قد تدرّج وترقّى في عمله فقد أصبح يُستدعى كشاهد على الأضرار الجسدية والنفسية الناجمة عن الأسلحة ووسائل الحرب والدمار الحديثة. وتم إبعاده عن الحرب من قبل المؤسسة التي يعمل بها، كما أن عدداً قليلاً، من الكتيبة التي كان سينضم إليها، عاد سالماً من الحرب. 
ولا يخطئ المرء آثار كافكا عندما يذهب الآن إلى العاصمة براغ، حيث فندق «سينشري» بالمدينة القديمة، فعلى يسار المصعد توجد لوحة مكتوبة بمختلف اللغات بما معناه أن هذا الفندق كان فيما مضى مبنى شركة التأمين ضد حوادث العمال التي عمل بها كافكا منذ 1908 حتى 1922 وأيضاًً نفس التعليق يسبق آخر حجرة عمل بها كافكا وهي حجرة الفندق رقم 214 والمطعم الملحق بالفندق يُسمى «فليس». المبنى كامل البهاء بأقواسه التاريخية ودرجاته الرخامية العتيقة. وطبقاً لكلام «شتاخ» مؤلف السيرة الذاتية الأخيرة لكافكا، فإن الأخير كان يأتي كل يوم إلى عمله متأخراً قليلاً، يخرج من شقته متأخراً ويلهث طوال الطريق ويجد أن المصعد بطيء، فيصعد الدرج بسرعة. 
تحوّل كافكا في مدينة براغ عاصمة التشيك إلى أيقونة سياحية. لم يتبقَ من البيت الذي سكنه إلا الشرفة المُطلّة على ميدان المدينة القديمة في براغ وفي مواجهتها أكبر معبد يهودي بالعاصمة، تَمّ بناء البيت مرة أخرى بعد الحرب. تحت هذه الشرفة يوجد تمثال نصفي لكافكا، يافطة الشارع باسمه، مطعم كافكا الذي يُقدّم نقانق كافكا الرائعة التي لم يتناولها كافكا ولا مرة في حياته. وعند عبور نهر فلتافا بالعاصمة التشيكية يجد المرء نفسه بمواجهة متحف كافكا، الذي يمتلئ بصور له ولعائلته ومخطوطات كتبه الأصلية التي تبلغ قيمتها الملايين الآن، ومعظمها روايات نُشرت بعد وفاته. غير الصور العائلية أو صور محبوباته كتذكارات سياحية للبيع. هكذا تحوّل كافكا الوجودي الاشتراكي إلى مَعْلَمٍ كبيرٍ من معالم الرأسمالية في العاصمة التشيكية.
وما يُقال عن كافكا إنه لم يهتم بالحرب فهو خطأ فادح، فلقد عايش الناس يموتون من الجوع. كان يأتي إلى مكتبه مصابو السل، الكوليرا والحرب والجنود المرتعشون من الكوابيس. وكان يقرّر مع رؤسائه في العمل قابلية أو عدم قابلية إرسال المرء للحرب. وفي هذا المبنى الذي تحوّل لفندق حالياً قضى فرانز كافكا معظم سنوات حياته، كما اشتكى لخطيبته فليس بأنه يجلس في هذه الحفرة، حيث يمتنع عن أداء عمله الحقيقي ويقصد الكتابة. لكن هل كان عمله فعلاً هو سبب الشقاء والخوف والتعاسة فقط، ألم يلهمه للعديد من مواقف رواياته، على الرغم من أنه عند قراءة كافكا لا يجد المرء ارتباطاً مباشراً وحتمياً بين عمله وعوالم أدبه. يُعدّ كافكا من أوائل الكتاب الذين وصفوا وتناولوا البيروقراطية واستبدادها وتناول تغيّر المجتمع والتسلّط المتزايد الذي لا يُعرف مصدره ولا أهدافه بمرور الوقت. ولابد من أن انغماسه في وظيفته ساعده على استقراره النفسي، خطاباته لمديري الشركات الذين كانوا يتهربون من دفع التعويضات عبقرية وكذلك ملاحظاته وإضافاته لتحسين عقود العمال وأجواء العمل. كما سافر كافكا كثيراً وألقى العديد من الخطب أمام حشود من الجماهير، أحياناً كان يظلّ في رحلات العمل أسابيع كاملة.
وإن اعتاد الشكوى لخطيبته فليس، لاعتقاده بأنه كاتب فاشل أو من حزنه كما قال ذات مرة إنه حزين لدرجة منعته من القفز من النافذة. وما يثير الاهتمام أن كافكا وعلى الرغم من استخدامه لكلمات مثل السقوط والخضوع والانبطاح والسوداوية في رواياته إلّا أنه لم يُقْدِمْ ولا مرة على الانتحار. حتى أن توماس مان قال عنه: كم هو غريب صمود هذا الشاعر المرهف الحس!!!
في براغ، اعتاد كافكا أن يقضي أمسياته ببدايات القرن العشرين مع صديقه ماكس برود في كافيه لوفر الممتلئ بالمرايا الضخمة والأعمدة العتيقة، فكان ملتقى الفنانين والمثقفين في ذلك الوقت، يحوي مكتبة كبيرة، حيث كان من الممكن طلب الموسوعات العلمية والأدبية من النادل، كما كان هناك ركن منعزل للتليفون. وكانت بعض النادلات الجميلات يذهبن مع الزبائن، وقد اصطحب كافكا معه مرتين نادلة من المطعم. ولم يكنْ يذهب لبيته أحياناً إلا صباحاً ليُغيّر ملابسه وينطلق لعمله. فكافكا لم يكن بالشخصية الانعزالية كما يبدو من رواياته وشخصياته أو كما تبدو صورته. حتى أثناء دراسته لم يكن طالباً منعزلاً، وإنما طالب محبوب ومشهور وفي سنوات حياته الأخيرة اعتاد السفر مع الأصدقاء. كما يقول صديقه ماكس برود إنهم ذهبوا إلى ميلان ومرتين إلى باريس، حيث كان مزاج كافكا الطيب ونكاته يمتعان أصدقاءه.
فكافكا أحب السفر والخروج وممارسة الرياضة، كما كتب ذات مرة في مذكراته: إنني أجدف وأركب الخيل وأسبح وأستلقي تحت الشمس، لذلك فإن بطن ساقي في حالة حسنة والساق في وضع غير سيئ والبطن ينمو، أما الصدر فبائس تماماً.
وكانت له جاذبية جنسية حتى أنه كان يهرب أحياناً من النساء. كما كتب لصديقه ماكس برود ذات مرة، الذي زار معه مواخير بباريس وبراغ، إنه ينجذب لجسد واحدة من كل فتاتين يتعرّف عليهما. كما أن خبراته الجنسية تعدّت الحب مدفوع الأجر. وصف في مذكراته ليلة حب قضاها مع نادلة مطعم. كان في أوائل العشرينات وكانت تكبره سناً، ومن ثَمّ لديها خبرة أكبر. في المرة الأولى لم يكنْ جيداً من وجهة نظره، ولكن في المرة الثانية حوّلته من رجل مرهف الحس إلى رجل قوي، بعيداً عن شواهد الحب العذري التي يؤمن بها. 
شخصيات رواياته النسائية غالباً ما كانت قوية، مهددة وعميقة، كما يزعم «شتاخ» مؤلف سيرته الذاتية، وهذا لا يعني بالضرورة أن كافكا عاصر هذه الشخصيات بشكل كامل، فهو لم يستخدمْ خبراته الحياتية كمصدر مباشر في الكتابة، وإنما صمت عن لحظات الحب الحقيقية في حياته. ولم يعرف «شتاخ»، وكذلك المؤرخون قبله، من هي المرأة التي كتب عنها كافكا دون ذكر اسمها (أحبها حتى أن رؤيتها تهزني من أعماقي).
كافكا كان مبصراً منذ البداية بمخاوف إنسان القرن العشرين. فهو قد عاصر بدايات التكنولوجيا والحرب العالمية الأولى وأدرك المعايير الجديدة التي ستتحكّم بالفرد والآلية البيروقراطية التي ستحيلنا جميعاً إلى نكرات، وأرقاماً في دفاتر. فقال ذات مرة: إن الفن ما هو إلا مرآة تتنبأ بالمستقبل مثل الساعة التي تُقدّم الوقت أحياناً. لم يتخلَ كافكا في رواياته عن فكرة الإشارة لجمع المعلومات، وخصوصاً في رواية «القصر»، ولم يكن هذا له علاقة كبيرة بمواهبه المبصرة بقدر ما كان له علاقة بخبرته العملية في شركة التأمين ضد الحوادث، بفهمه أن هذه التدخلات الإحصائية لهي شيء مخيف، حيث تحوّلت في مكتبه قصص الحياة لسير ذاتية تملأ الملفات، والكوارث الفردية للأشخاص إلى أرقام في إحصائيات حوادث لانهائية.
في رواية «القضية» تبدو القوى البيروقراطية الغامضة وغير المعروف مصدرها، مخيفة للغاية. فلم يتمكّنْ البطل يوزف كا من التعرف على من يقف خلف القضاة والحرّاس وموظفي المحكمة، كما يبدو أن ضياع الخصوصية الفردية والحياة الخاصة هدف أساسي، فجميع الشخصيات في الرواية تعرف عن حياة يوزف كا أفضل منه هو شخصياً وليس فقط موظفي المحكمة، وعلى الرغم من أن «كا» استطاع في البدء التحرّك بحرية وممارسة وظيفته. لكن كافكا تمكّن من تقوية مناخ الخوف في الرواية، حتى أن القارئ لا يستطيع التفريق بين البارانويا والتهديد الحقيقي. لم يكن لدى البطل أي فرصة، لأنه لم يعرف خصمه الحقيقي. وكلما يسأل أكثر، يزداد الأمر غموضاً. 
كافكا كان كاتباً مُعذباً بخوفه من العالم ورعبه الشخصي من الفشل والرفض. فكتب في مذكراته في بداية كتابة رواية القضية بأغسطس/آب 1914: لم أكتب البارحة واليوم أكثر من أربع صفحات… أقلّ من القليل. 
كان شكّ كافكا في نجاحه مُلازماً وحافزاً له، فذكر مخاوفه وشكوكه في العديد من رسائله وفي يومياته. أثناء دراسته التي برع فيها كانت له مخاوفه من الامتحانات، من السلطة، من أبيه، حتى من مفهوم الهوية. كانت اللغة الألمانية حاجزاً يفصل اليهود الألمان عن التشيك واليهودية تفصل بين الأقليّة الألمانية في براغ واليهود. فكان اليهود الألمان في براغ أقليّة داخل أقليّة. أما كافكا فشعر بالانفصال عن اليهود والألمان والتشيك على المستوى النفسي، لهذا تساءل في 1914/12/8 في مذكراته: ما هي القواسم المشتركة بيني وبين اليهود؟ إنه لا تكاد توجد قواسم مشتركة بيني وبين ذاتي ويتوجب عليّ أن أقف في هذه الزاوية سعيداً لأنني أستطيع التنفس.
أما مخطوطات كافكا فهي واضحة ومفهومة، كما لو لم يكنْ بالإمكان كتابتها بشكل آخر، فيها القليل من التعديلات والشطب نادر جداً. لكن في بعض الأحيان تعطل فترات طويلة في كتابة رواياته وقصائده، فبقيت أعمال كثيرة غير منتهية بعد موته. كافكا لم يجمعْ نصوصه، وفي بعض الأحيان لم يرتبْ فصولها، وقصائده أرسلها في صورة رسائل لانهائية. معظم رواياته غير المنتهية تركها مع صديقه ماكس برود وأوصى بالتخلّص منها. بعض النقاد يرون أن عدم الانتهاء أو عدم التشبُّع الكامل سمة من سمات أعمال كافكا.
تكمن أهمية كافكا في أنه من أوائل الكتّاب الذين انتقلوا بالأدب من المرحلة الكلاسيكية الحديثة إلى الحداثة، حيث تتناول أعمال كافكا في معظمها ثنائية القدر أو الصدفة والفرد. تنهار قيمة الفرد في مجتمع الرأسمالية المتسارع الوتيرة ويتحوّل لمجرد ترس في ماكينة أو جندي مُطيع بالقطيع. وتتساءل أعماله عن القدر ومنطقيته وقدرة المرء على مواجهة المجتمع وتنفيذ رغباته. ولكن فيما يبدو يُسحق أبطاله مرة تلو الأخرى أمام المجتمع أو الكيان الأكبر الذي يعيشون فيه مما يوضح أنه لا فكاك من المجتمع الذي تحوّل لكابوس، مثلما يستيقظ بطله في رواية «التحوّل» أو «المسخ» ليجد نفسه وقد تحوّل لصرصار عملاق، لكن السؤال الذي سيسأله لنفسه هو، كيف سيذهب الآن لعمله وسيفكّر في مدى استياء مديره عندما يتأخر؟، بينما بطله الآخر في رواية «القضية» يوزف كا يوافق بلامبالاة على إعدامه دون ارتكابه لأي جرم. وكما قال توماس مان فإن المعايير والمبادئ لا تعرف نفسها، فلا يعرف الخير نفسه ولا الشر كذلك. الأخلاق والمبادئ لا تفكر، لذا عندما يتجاهل الناس أبسط حقوقهم أو يدورون في دوامة المجتمع ينسون هم أيضاًً ما هو الصحيح. وفي هذا يَكْمُن مفهوم القدر الحديث ضمن إطار السريالية الفنية واللامبالاة. فيبدو أن أبطال كافكا يحاربون الطبيعة، طواحين الهواء، ويقعون ضحايا لها دائماً.
______
*الدوحة

شاهد أيضاً

العدد الخامس من مجلة “أسطور” للدراسات التاريخية

صدر العدد الجديد من مجلة “أُسطور” العدد 5، وهي مجلة دورية نصف سنوية علمية محكمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *