الرئيسية / إضاءات / فصول من السيرة الذاتيّة لـ”كولن ويلسون “14”

فصول من السيرة الذاتيّة لـ”كولن ويلسون “14”


*ترجمة وتقديم: لطفية الدليمي

التقيْتُ في هذه الفترة أيضاً مع الناقد و الروائيّ و العالِم (سي. بي. سنو C. P. Snow) و كنتُ قرأت روايته ( الرجال الجدد The New Men) الّتي تحكي عن مجموعةٍ من العلماء الكمبردجيين ، ووجدْتُ في الرواية واحدة من أكثر الروايات الّتي قرأتها ذكاءً و صنعةً آنذاك . كان سنو قد نشأ في ليستر مثلي فكاتبْته معبّراً عن مدى إعجابي و افتتاني بأعماله فردّ عليّ برسالةٍ عرض فيها دعوتي لتناول شرابٍ في حانةٍ تقع إلى الجنوب من الهايدبارك . وقضيْتُ معه يوماً جميلاً للغاية : فقد غادرْنا الحانة بعد تناول الشراب و جلسْنا على أحد الأرصفة تحت ظلال شجرة ليمون وارفة و تبادلنا الحديث أوّل الأمر عن ليستر و كنتُ سعيداً بملاحظة أنّ سنو لا يزال محتفظاً بآثارٍ عتيقة من لهجة أهل ليستر المميّزة ، و كان واضحاً إعجابنا الواحد بالآخر ، وعندما حان وقت الوداع قال لي ” دعني أمنحْك نصيحة صغيرة يا صديقي : أنت تمتلكُ شخصيّة ودودةً ولطيفة للغاية ولو كنتُ مكانك لخالطْتُ الناس أكثر ممّا أفعل الآن . اِحضرْ حفلاتٍ أكثر و سترى أنّ أكثر من نصف هؤلاء الّذين يعادونك اليوم سينهزمون أمام لطفِك و أريحيّتك ” ، و كان الرجلُ مصيباً تماماً و لكنّي كنتُ في تلك الأوقات أعاني ممّا أسميْته لاحقاً ” أجواءُ لندن المسمومة ” و كانت فكرة حضور حفلاتٍ أكثر كفيلة بجعلي أصابُ بقشعريرة حادّة ، ولكن برغم ذلك أثبتت تلك النصيحة كونها مثاليّة و رائعة من لدُن رجلٍ مثل سنو عُرِف عنه في أروقة ( الوايتهول ) بأنّه أستاذ لا يبارى في فنّ حلّ المشكلات المستعصية . 

على الرّغم من أنّني لم أستطِبْ كثيراً النجاح الّذي هبط عليّ لكنّي كنتُ على الأقلّ أستمْتعُ بامتلاك ما يكفي من المال لأعيش كما أحبّ ، وكان هذا هو الجزء الأكثر إمتاعاً في الضجّة كلّها ، و هكذا اقتنيْتُ كراموفوناً رخيصاً بعشرة باونات و كنتُ معتاداً على المشي من منزلي لخمس دقائق إلى حيثُ يقع محلّ ( Gate Book Shop ) ثمّ أمضي في تصفّح عشرات الكتب و الأسطوانات المستعملة فأقتني بعضاً منها ثمّ أكتب شيكاً بعشرين باوناً ، و لا زلتُ أذكر الغبطة العارمة الّتي كانت تغمرني وأنا أحمل مشترياتي الثمينة في طريق عودتي إلى المنزل . اشتريْتُ مرّة مجلّدات حديثة من الأنسيكلوبيديا البريطانيّة و مجموعة ( دراسة في التأريخ Study of History A) لتوينبي ، وماكان يبعث فيّ أكبر قدرٍ من المتعة بالقياس إلى كلّ المتع الأخرى هو شرائي – بعض الأيّام على الأقلّ – للدجاج البارد المطبوخ حديثاً مع كمّيات من الزيتون والخيار المخلل مع بعض المقبّلات المشهّية من محشي ورق العنب ، ولم أكن لأنسى حتماً شراء قنّينةٍ من نبيذ ( بورغندي ) . و هكذا كنتُ أوفّر لِـ ( جوي ) وجبة غداء أو عشاء جاهزة . كان من الممتع في تلك الأيّام اصطحابُ جوي إلى بعض المطاعم الفاخرة في حيّ سوهو إو إلى حانة تقع قبالة الهايدبارك حيث يُمكنُ للمرء الجلوس على الشرفة تحت الشمس المشرقة وتناول وجبة ممتازة من الغداء البارد مع البيرة المنعشة . و بعد أن كنتُ لسنواتٍ قد اعتدْتُ أكل الفول المعلّب مع الخبز و الجبن – ولم أكنْ لأشتكي من ذلك و صدّقْتُ بنزاهة أنّني لمْ أكن بالمرء الّذي يعير كثير اهتمام لما يأكل – اكتشفْتُ فجأةً أنّني شخصٌ يسَعَهُ أن يستمتع بالطعام الجيّد متى ما توفّر له كما يفعلُ أيّ ذوّاق مدمنٍ على الأكلات الفاخرة . 
حصلتْ جوي على عملٍ لها كمُوظّفةٍ في مكتبة المعهد البحريّ في مدينة سرّي Surrey و كنّا نذهبُ صباح كلّ يوم معاً إلى العمل . وكان أهل جوي يظنّون أنّنا كنّا نعيش منفصليْن عن بعضنا .
كان أحد مصادر المتعةِ الهائلة تلك الأيّام هو معرفتي بالنبيذ على طريقة الناس الأكثر تحضّراً : تناول النبيذ فيما يشبه الطقس اليوميّ الواجب ومحاولة تجربة كلّ الأنواع المتوافرة في السوق ، و جرّبْتُ أوّل أيّامي نبيذاً إيطاليّاً ذا حمرةٍ مُشعّة يدعى ( Nebiolo d”Asti ) ثمّ اعتدْتُ في الأيّام اللاحقة على نبيذ ( Nuits Saint – Georges ) . 
أقنعْتُ نفسي تلك الأيّام أيضاً على الانصياع لرغبتي في الانضمام إلى نادٍ و اخترْتُ نادياً يدعى ( نادي المتوحّشين Savage Club ) و سبق لديلان ثوماس أن طُرِد منه لثمله المتواصل و ظهوره بمظهر غير لائق الهندام ، و كان الممثّل المعروف جون إيرفينغ هو من أسّس هذا النادي فعلاً و كان أغلب أعضاء هذا النادي من السفلة الداعرين و الممثّلين و الموسيقيّين و الكتّاب المميّزين ، والحقّ أنّني كنتُ أشعر في ذلك النادي و كأنّني في بيتي و لكن لم يعجبْني فيه اضطراري كلّ مرّة إلى ارتقاء درجاته المرمريّة الكثيرة العدد أو ذهابي للتبوّل في مرحاضه الصغير للغاية .
أذكر في أحد المساءات أنّني انضممْتُ إلى نقاش حول المسرح الحديث في قاعة المسرح الملكيّ و كان كينيث تينان رئيس الجلسة و أعضاء الحلقة النقاشيّة هم : آرثر ميللر ، جون ويتينغ ، وولف مانكوفيتش ، و كانت مارلين مونرو جالسة تصغي في الصفّ الاماميّ من القاعة . كان مانكوفيتش روائيّاً متخصّصاً في الفكاهات والمراثي والحكايات الكوكنيّة ( كوكني Cockney : هي إشارة إلى العادات و السمات و اللهجات الخاصّة بسكّان شرقيّ لندن – المترجمة ) ، وبعد بضع دقائق من بدء المناقشة راح مانكوفيتش يصفُ – و من غير سابق تمهيد – اللامنتمي بأنّه لايعدو أكثر من ” أنثولوجيا من الاقتباسات ” و هنا تصاعدت همهماتٌ وضحكات شجّعت الرجل على المضيّ في ذات خطّ الهجوم الّذي ابتدأه طيلة مناقشات ذلك المساء . و في اليوم اللاحق ظهر تقريرٌ غير مذيّل بأيّ اسم في إحدى صحف المساء اللندنيّة بعنوانٍ يقول ” مانكوفيتش تلاعب بويلسون كما يلعب أسدٌ هصورٌ مع فأرة قميئة !! ” و دعيتُ في اليوم الّلاحق لظهور التقرير الصحفيّ لحضورِ مناظرةٍ تلفزيونيّة مع مانكوفيتش حول ذات الموضوع و قد لبّيْتُ الدعوة فعلاً و جاءت المناظرة ساخنةً للغاية و لكنّها لم تنزلقْ أبداً إلى مستوى إساءاتٍ غير مهذّبة ، و عندما حصل بعد وقتٍ و أتيحت لي الفرصة لسؤال مانكوفيتش عمّن يكون الكاتب وراء ذلك التقرير الصحفيّ اكتسى وجههُ بحمرة داكنة و تنحنح قليلاً ثمّ قال ” أنا من فعل هذا ” .
طُلِبَ منّي أحد الأيام أن أتحدّث في إحدى الجمعيّات الروحانيّة في فندق ( نايتسبردج ) ، و عندما وصلْتُ الفندق اكتشفْتُ أنّ معظم الحاضرين كُنّ سيّداتٍ كبيرات في السن ، و عندما لمحْتُ أحد كتّاب الأعمدة الفضائحيّة في ( الديلي إكسبريس ) اقترب الرجل منّي و طلب مشاركتي في كأسٍ من الشراب وانعقدت بيننا سريعاً صداقة حميمة ، و بعد أن تحدّثْتُ إلى السيّدات عقب العشاء قلتُ أنّني غدوْتُ مُتعَباً للغاية من وصفي متحدّثاً بالنيابة عن الجيل الأكثر شباباً و انّني لا أرغبُ أن أمثّل أحداً سوى نفسي و أنّ اللامنتمي ليس أكثر من إعلانٍ شخصيّ وأنّني سأشعر حتماً كما يشعُرُ أيُّ مخادعٍ محتال لو أُعتُبِر اللامنتمي توجّهاً جديداً مضاداً للنظام المؤسّساتي القائم ، و لدهشتي ظهرت الديلي إكبريس في اليوم التالي بعنوانٍ عريض يقول ” كولن ويلسون يعترِفُ بأنّه محتال !! ” و نقلت الصحيفة على لساني أنّني قلتُ ” كُتِب اللامنتمي بنيّة مخادعة بالكامل عن تلك الّتي كان ينويها الكاتب في بدء عمله ” و هنا وجدْتُ ناشري غولانز يتحدّث معي عبر الهاتف و هو يغلي غضباً وقال انّه سيلزِمُ الصحيفة على كتابة اعتذار ولكنّ شعوري كان أنّ هذا الاعتذار لن يعوّض خسارتي بعد أن شعر الكثيرون بسعادة عارمة تجتاحهم لرؤية الناس وهي ترمي بكتابي في القمامة على أساس أنّه نتاجُ احتيال كامل من كاتبٍ تمرّس في التزوير و الخديعة .
عندما نشرت صحيفة ( الأوبزرفر ) في عيد الميلاد صفحة كاملة مكرّسة للكُتّاب الكبار يحكون فيها عن الكتاب الأفضل والأكثر إمتاعاً الّذي قرأوه تلك السنة ( يقصد المؤلّف السنة الّتي نُشِر فيها اللامنتمي و هي سنة 1956 – المترجمة ) حصل كتاب اللامنتمي على إشارةٍ واحدة من جانب الكاتب ( آرثر كويستلرArthur Koestler ) الّذي قال في سياق تعليقه على كتابي ” الفقاعة الملوّنة لهذه السنة : اللامنتمي ، الّذي اكتشف فيه كاتبٌ شابّ أنّ عباقرة الناس عُرْضةٌ للشعور السوداويّ الكئيب المقترن بالشقاء و الضجر. ” .
_______
*المدى

شاهد أيضاً

كيف نقاوم وباء التضليل الماحق؟

*حبيب سروري تناولت، في مقالي السابق، إحدى مصائب عصرنا التكنولوجي الجديد: “ما بعد الحقيقة”، وشكليها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *