الرئيسية / إضاءات / أركون أمام المرآة

أركون أمام المرآة


*حوار:أوراس زيباوي

«حيوات محمد أركون» عنوان كتاب جديد صدر عن دار «بوف» (المطبوعات الجامعية الفرنسية) في باريس من تأليف ابنة الراحل سيلفي أركون. وكان المفكِّر الجزائري رحل في باريس بعد صراع مع المرض عام 2010، عن عمر يناهز الثانية والثمانين عاماً دون أن يكتب سيرته الذاتية. وها هي ابنته سيلفي (1963)، والتي تعمل في مجال تصميم الحلي، تروي في هذا الكتاب سيرة والدها بأسلوب يزاوج بين الذاتي والموضوعي، وترصد المراحل الأساسية التي مرّ بها منذ طفولته ومراهقته في منطقة القبائل، ثم مجيئه إلى فرنسا، مطلع الخمسينيات، لمتابعة تحصيله العلمي ومعايشته حرب التحرير الجزائرية.

باختصار، تتوقّف المؤلّفة في كتابها عند التمزّق الذي عاشه أركون بين بلدين وثقافتين، كما تتناول نضاله الفكري من أجل إسلام متنوّر ووسطي، يقوم على حوار مع الأديان الأخرى وفق منطلقات عقلانية. وفي سياق آخر، تكشف لنا عن وجوه غير معروفة لوالدها، وعن صفحات مجهولة من حياته العاطفية، فتروي لقاءه بوالدتها وزواجه منها، ثمّ ابتعاده عن عائلته وارتباطه، ولمدة جاوزت العشر سنوات، بعلاقة عاطفية مع سيّدة من أصول أوكرانية، وهي تشير أيضاً، وبشكل غير مباشر، إلى حضور زوجته الأخيرة دون تسميتها.

في ما يأتي، هذا الحوار المفصّل مع سيلفي أركون حول كتابها «حيوات محمد أركون»:

_____________
§ كيف وُلِدت فكرة هذا الكتاب؟

– بدأتُ بالتفكير في صياغة هذا الكتاب مباشرةً بعد وفاة والدي. في أثناء مرضه، شعرتُ بقرب كبير منه، وتمكَّنّا معاً من اجتياز حواجز كثيرة كانت تفرّق واحدنا عن الآخر؛ وهذا ما سمح لنا بأن نبوح بأشياء لم نتطرّق إليها أبداً من قبل؛ ممّا ترك في نفسي أثراً كبيراً. وعلى الرغم من أننا لم نكن نلتقي بصورة منتظمة، غير أننا كنا شركاء في أمور عديد. عند وفاته افتقدته كثيراً، وتأثرتُ أيضاً بالذين كتبوا لي وقصدوني ليعبّروا عن حبّهم له وإعجابهم الكبير بنتاجه. لقد أظهروا وفاءهم له ولعمله الرائد، وكان ذلك من الأمور التي أكَّدت لي مرة أخرى أنه رجل استثنائي، وأني لم أكن على دراية كاملة به، ولم أعرفه جيداً. بالنسبة لي، كان أباً غائباً عن عائلته ورجلاً صامتاً ومتكتّماً، وغاب عني بصفته رجل علم وثقافة له حضور مميّز في الجامعات العالمية والمحافل الدولية، وقد ترجمت كتبه إلى لغات عديدة.

§ تطالعنا طوال صفحات الكتاب الرسائل التي تبادلها مع صديقه الأب موريس بورمان، وهو من أبرز وجوه الحوار الإسلامي- المسيحي، ومن الآباء البيض الذين عرفوا بنشاطهم الكبير خلال مرحلة الاحتلال الفرنسي للجزائر، ومن الذين ساهموا في تأسيس المدارس، ومنها تلك التي تعلّم فيها محمد أركون. متى حصلت على هذه الرسائل؟ وكيف كان ذلك؟

– حصلتُ عليها من الأب بورمان شخصياً، وذلك بعد أربعة أشهر من وفاة والدي. وهي تؤرِّخ لعلاقة صداقة فريدة تجاوزت النصف قرن.

§ وهل طلبتِ أنتِ منه الرسائل؟

– أبداً، لم أكن أعرف أن بحوزته كل هذه الرسائل. لقد عرفني طفلة صغيرة وقد التقيته مرات عديدة في السابق وكذلك بعد وفاة والدي. وبمناسبة حلول عيد الميلاد والسنة الجديدة، اتَّصل بي وقال لي إنّ هديته لي هي الرسائل التي كتبها له والدي منذ عام 1954 حتى وفاته عام 2010، وقد أعاد تسجيلها على جهاز الكمبيوتر وأرسلها إليّ. بالطبع، قرأتُ هذه الرسائل الجميلة التي تشهد، من جهة، على صداقة أصيلة وقديمة، ومن جهة أخرى، على مواقف والدي الفكرية منذ بداياته، والأسئلة التي طرحها عن الأديان بصورة عامة وعن الحوار المسيحي الإسلامي… قلت في نفسي،بعد قراءتي لهذه الرسائل، إنّ عليّ أنا أيضاً أن أكتب عن والدي وعن مسيرته الاستثنائية.

§ الكتاب صدر عن دار «بوف» الفرنسية المعروفة تحت إشراف الأكاديمي والباحث الفرنسي جيل كيبال، هل كنتِ تعرفين هذا الأخير من قبل؟

– شرعتُ في صياغة هذا الكتاب بعد وفاة والدي عام 2010، كما ذكرتُ لكِ. وصمّمتُ على المضيّ في هذه التجربة بعد زيارتي الأولى للجزائر مع والدتي، وكان ذلك عام 2011. وقد التقيتُ في تلك الزيارة بعائلته التي كنتُ لا أعرفها. في الجزائر، تعرفت- أيضاً- إلى قرية والدي في منطقة القبائل… كل هذه العناصر أكَّدت لي أن عليّ أن أستمرّ في الكتابة والتقصّي واللقاء بالشخصيات التي عرفته وعملت معه، ومنها جيل كيبال. وهذا الأخير- وإن كان من جيل آخر- عمل أيضاً مع والدي عام 2003 في إطار ما عُرِف بلجنة الوزير الراحل برنار ستازي، وهي لجنة فرنسية رسمية كانت تهدف إلى تطبيق مظاهر العلمانية في الجمهورية الفرنسية. ولأني أعرف تقدير جيل كيبال لعمل والدي، التقيتُ به وأخبرته عن مشروعي فشجَّعني وقرّر أن ينشر لي كتابي ضمن السلسلة التي يشرف عليها في دار «بوف».

§ تتناولين في الكتاب سيرة والدك، وتكشفين كيف أنه لم يسعَ يوماً إلى تعريفكما، أنتِ وأخيكِ، بالجزائر وبعائلته وبالثقافة التي حملها معه. أراد أن تكون هويّتكما فرنسية ومنقطعة عن جذوره. تتحدثين في الكتاب- أيضاً- عن علاقته الملتبسة بالجزائر، وكيف أنها كانت جرحاً غير مندمل في قلبه… كيف عاينت ذلك؟

– كان من الصعب عليه أن يقتلع نفسه من الموقع الذي وُلِد فيه وترعرع؛ فهو كان ينتمي إلى أقلّية داخل الجزائر في زمن الاستعمار الفرنسي. ومن المعروف أنه ابن قرية فقيرة وتقليدية، لكن الحظّ حالفه وتابع دروسه في المدرسة التي يشرف عليها الآباء البيض. بعد الدراسة في مدينة وهران، انتقل إلى الجزائر العاصمة لمتابعة تحصيله الجامعي.

منذ البداية عانى والدي من نظام التفرقة والإقصاء الذي كان مهيمناً في المرحلة الاستعمارية. في المدرسة شعر بالذلّ عندما كان يتناول طعامه بمفرده؛ إذ لم يكن باستطاعته تناول طعامه مع الطلاب الآخرين. في هذه السياق كان يتقاسم وأبناء بلده المصير نفسه؛ مما ترك في نفسه جرحاً دائماً، وهذا ما كنت أحسّ به حياله. من جهة أخرى، كان يفتخر بأصوله ويتحدَّث عن قوّة «القبائل»، وكان يعيش شعوراً يزاوج بين تعلُّقه بأرضه وانفتاحه على العالم الحديث وعلى المستقبل. كان هذا الموضوع أساسياً، لديه وكل الاقتلاعات التي عاشها لاحقاً والتي دفع ثمنها غالياً نابعة من هذه النقطة بالذات.

§ نفهم من كلامك أنّ (محمد أركون) أراد أن يجنّب عائلته مشقّات الهويّات المتعدِّدة وصراع القوميات، لكن، في النهاية أنتِ كنت عاتبة عليه لأنه لم يساعدك على التعرّف إلى جذورك، أي على نصفك الآخر الجزائري!

– انفصل والدي عن أهله وثقافته باتجاه عالم آخر، وهذا الانفصال لم يكن بالنسبة إليه بالأمر السهل. كان يعرف أن ليس بمقدوره أن يتوجَّه عكس هذا المسار، ومن هنا جاء قراره بالسفَر إلى فرنسا عام 1954، وهو العام الذي بدأت فيه- فعلياً- حرب الجزائر. كان يتابع ما يحصل في بلده ويشعر بالذنب، لكنه كان مزمعاً على إنهاء دراسته ومتابعة مشروعه الشخصي الذي كان أكثر ما يعنيه في حياته. لاحظتُ أنه عاش هذا التمزُّق باستمرار؛ فهو في فرنسا عملَ على مشروعه الفكري، والحوار الإسلامي-المسيحي، لكنه- في الوقت نفسه- كان يعاني من العنصرية ومن رفض الجزائريين. في تلك المرحلة أيضاً تزوّج من والدتي الفرنسية وأنجب منها ولدين: أنا وأخي. ولدتُ عام 1963 مع نهاية حرب الجزائر، وكان والدي في أعماقه لا يريد لعائلته في فرنسا المصير الصعب الذي عاشه. لقد نشَّأَنا وربّانا كما لو أننا فرنسيّان، وأراد أن يقطع صلاتنا مع جذورنا الجزائرية حتى يجنِّبنا المعاناة التي عاشها، لكن هذا التصرُّف خلق في أنفسنا فراغاً كبيراً، ولقد حاولتُ في كتابي هذا ردم هذا الفراغ.
_________
*مجلة الدوحة

شاهد أيضاً

كيف نقاوم وباء التضليل الماحق؟

*حبيب سروري تناولت، في مقالي السابق، إحدى مصائب عصرنا التكنولوجي الجديد: “ما بعد الحقيقة”، وشكليها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *