الرئيسية / قراءات / قراءة في حب إغريقي

قراءة في حب إغريقي


*لطفية الدليمي

” بما أنه ليست هناك نقطة نهاية لشيء أبدأه ،سأظل وفيا لك إلى الأبد رغماً عنك “

هكذا كان يردد نيكوس كازانتاكي لهيلين ويرجوها “عندما أموت اكتبي عني كتابا” وكانت ترفض بشدة و تقول “أبدا ، لابد من كاتب موهوب ليكتب عنك” وكان مصمما أن تفعل “سوف تضعين عني كتابا يالينوتشكا ، عليك أن تفعلي ذلك لأن الآخرين سوف يقولون أشياء غير دقيقة عني وأنت الوحيدة التي تعرفني جيدا”
تقول هيلين : كم مرة أقسمت أن لا أفعل ،وحينئذ أكون أعجز من أن أكتب، لكني بمصادفة عثرت على ورقة مهملة كتب فيها بقلم الرصاص “خطة أولية لكتابي” وبدأت خوض التجربة.
تكتب هيلين في مقدمة كتابها عنه “لكي أجسد خيال حبيبي ، ها إني مستعدة للصعود بعكس التيار، مثل صياد عجوز يصعد نحو النبع ، قافزا من صخرة إلى صخرة ومن حجر إلى حجر ، ينزلق ، ينحني ، يتناول في كفه قليلا من الماء يروي ظمأه ثم يواصل سيره صامتا ” . وهكذا أنجزت الكتاب واستلهمت له عنوان” المنشق” من مقولة لـ”سان جون بيرس”وجمعت فيه رسائل زوجها وأوراقه وصوره وملاحظاته.
عبرت حياة كازانتاكي نساءٌ كثيرات ولأجل وفائها للحقيقة في تأليف كتاب عن سيرته ، بحثت هيلين عن رسائل زوجها المتبادلة معهن وأدرجتها في الكتاب ، وهي تعلم أنها المعشوقة الأبدية الوحيدة منذ لقائهما الأول سنة 1924 ثم زواجهما وحتى وفاته 1957 . وهي التي نفذت وصيته بأن يدفن في جدار سور مدينة هيراكليون مسقط رأسه في كريت ويكتبوا على شاهدته عبارة من الموروث الهندي توجز حياته “لا آمَـلُ في شيء، لا أخشى شيئا ، أنا حر ” تروي هيلين أنه لبث يردد في أيامه الأخيرة “يا إلهي ، أرجوك ، مُـدَّ في عمري عشر سنوات أُخَر لأكمل أعمالي وأفرغ نفسي فلدي كتب كثيرة لم أكتبها بعد ” وكان يتمنى الجلوس على قارعة الطريق ليتسول من كلِّ عابر سبيل ربع ساعة بما يكفي لإنهاء أعماله.
تعترف الكاتبة العاشقة بطلة قصة حبه الكبيرة بأنها أحبت هذا الرجل الفاتن الممتلئ حكمة وأنها أينعت تحت ظلال شجرته المعرفية وأحبته لأنه لم يسعَ أبدا لإثبات تفوقه وترفّعه ولأنه علمّها أن لا تخجل من ضعفها. 
وبعد رحيله ، كرست هيلين حبها وسنواتها وأموالها لنشر أعماله المتبقية ، وفي مقدمتها كتاب مذكراته الثري “تقرير إلى غريكو” وهو الكتاب الذي يعد -الى جانب لغته الشعرية ورؤيويته المذهلة– وثيقة مهمة وثمينة عن عصرنا المضطرب وتاريخ اليونان وحضارته لما ينطوي عليه من معرفة انثروبولوجية وفلسفية عميقة . وقد جمعت في هذا الكتاب مذكراته التي كان يتابع تدوينها بين إنجازه لأعماله الكبيرة (زوربا اليوناني والإخوة الأعداء والمسيح يصلب من جديد والثعبان والزنبقة) ، وعمله الكبير : ترجمته لأوديسة هوميروس شعرا بلغة يونانية معاصرة .
التقى كازانتزاكيس وهيلين حين كان على وشك الانفصال عن زوجته الأولى غالاتيا التي كانت كاتبة تعوزها الموهبة ما حوّلها الى وحش مؤذ وهي ترى ازدهار نيكوس ونجاحاته . وتم انفصالهما سنة 1926 وظلت هيلين رفيقة حياته ، ولم يتزوجا الا عندما عين وزيرا للثقافة سنة 1945 . وكان قد اتفق معها على “ميثاق الأيام العشرة ” التي يلتقيان فيها سنويا بينما يتواصلان بالرسائل تعويضا عن اللقاء عندما يعتكف نيكوس للكتابة.
تقول هيلين : “لقد تجسدت الفلسفة أمامي في شخص نيكوس : الطيبة وانعدام الحسد وامتلاك ماهو ضروري حسب والتسامح مع المسيئين وعدم الاستسلام لخدر الراحة والرفاهية.”
_________
*المدى

شاهد أيضاً

الواقعية السحرية في المجموعة القصصية ” عصا الجنون ” للروائي والقاص أحمد خلف

خاص- ثقافات *قراءة خلود البدري عن دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع صدرت المجموعة القصصية ” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *