الرئيسية / إضاءات / فاطمة ناعوت: دائما أسأل نفسي: (لماذا!)

فاطمة ناعوت: دائما أسأل نفسي: (لماذا!)


*حوار يوسف محمد
لا تملّ فاطمة ناعوت من الشعر.. ولا هذا الأخير «يملّ» منها. هي جاءت إلى «واحة الشعر» من «حقل» الهندسة المعمارية ثم ألقت بنفسها في السياسة: «Dirty Game» وأجادت – منذ الثورة – فن المصارعة الفكرية المزدهرة في ملعب السياسة المصرية والعربية، وراحت فاطمة ناعوت تتنقل – هكذا – بين «الحقول» كفراشة عائمة في دهشة الضوء، أو عتمة الليل، حاملة مصباح الحقيقة.
الهندسة سلبتها، والشعر تزوجها. وهي امرأة «متوازنة» لا تطغى مصريتها على عروبتها ولا تستلبُ الأخيرة من مصريتها. لا يصعب استخراج عناوين صحافية من كلامها فهي بليغة كسقراط، وليست مشغولة بالـ «أنا» قدر انشغالها بالـ «الآخر».. مسكونة بفنّ عمارة المباني وهندسة المعاني، ولعلها مصابة «بوسواس الجمال القهري» إذا جاز التعبير هكذا (أرجو الأطباء ألا يتدخلوا)..

٭ أنتِ أكثر شاعرة عربية توّغلت في السياسة وألقتْ بنفسها في “المعركة القذرة” أو السياسة.. ألا تجازفين بأن تلهيك رداءة السياسة عن طهارة الشعر؟!
٭ لا أعتبر نفسي كاتبةً سياسية رغم أنني أكتب أعمدة رأي أسبوعية ثابتة. القارئ المتابع سيلمح فوراً عدة سمات تنأى بي عن الكتابة السياسية. بدءاً بالصَّوغ؛ حيث تنحى الجملةُ عندي المنحى الأدبي أكثر مما تقع في خانة الكتابة الصحافية السيّارة والتعليق السياسي. والحق أن هذه السمّة أدين بها لآبائي من كبار أدباء مصر ونقادها، الذين خافوا على قلمي الشعري – وحذروني – من الوقوع في لغة الجرائد اليومية السيارة، وهي لغة «فصيحة» وليست «فصحى». فأخذتُ الحذرَ، واضعة صوب عيني النموذج الأجمل للأديب الصحافي وهو د. طه حسين، الذي لم تُفقده الكتابةُ الصحافية أدبيةَ جملته ورشاقتها. فحاولت ان أحذو حذوه قدر طاقتي. أذكر من أولئك الآباء “المُحذّرين” الناقد الكبير رجاء النقاش، والمفكّر الكبير محمود أمين العالم، وأقول لهما الآن حيثما يكونان: أنا مَدينةُ لكما بالكثير.
أما عن المضمون، فأيضاً لا أعدّ نفسي كاتبة سياسية، بل شاعرةٌ تبحث عن الجمال والعدل. كما ظل الفيلسوف الإغريقي الأعمى “ديوجين” يسير في وضح النهار حاملا مصباحه باحثا عن الحقيقة.
لهذا فإجابتي عن سؤالك تتلخص في أن طهارة الشعر تسكنني وأنا أكتب مقالا يبدو للوهلة الأولى أنه منتمٍ «للعبة القذرة» أو السياسية، إنما في واقع الحال هو مقال أدبي جمالي فني.
٭ ككائن جمالي هش مخلوق من كوكب الزهرة.. لماذا تحشر المرأة نفسها – الشاعرة نفسها – في الشأن العام السياسي؟!
٭ (ابتسمت). المرأةُ من الزهرة، والرجلُ من المريخ، كما يقول كتاب الأمريكي جون غراي. ربما كان اختلاف المرأة عن الرجل في أسلوب الإنصات إلى وقع الحياة، وفي منهج توظيف المشاعر، وكذلك في طريقة النظر إلى الأشياء، حيث الرجل “كُليّ” النظرة، فيما المرأةُ “تفصيلية” التأمل. لكن كليهما لا يختلفان في معايير العدالة، وهي قضيتي الأولى في الحياة. من هنا لن تختلف المرأة عن الرجل في المقدرة على خوض الشأن العام، بل أرى أن المرأة، بوصفها كائنًا مسكونًا بفكرة العدل، ربما من الأوفق أن يكون لها باعٌ أوغلُ من الرجل في هذا الشأن.
٭ أشعارك الأولى تنهل من الرؤى والأدبيات والرموز الكنسية والصوفية، هل كان ذلك بسبب نشأتك في مدرسة مسيحية، وإلى أي حد أنتِ «قبطية»؟!
٭ (ابتسامة واسعة). بدايةً دعني أقول لك إن “قبطي” تعني مصري. وهي مشتقة من “ها كا بتاح” بمعني “منزل روح الإله بتاح” وهو الإله واهب الحياة في الميثولوجيا المصرية القديمة. وبهذا فكل مصري قبطي مهما كانت عقيدته. فالقبطية هوية لا عقيدة دينية. ثم إنني أعرف المسيحية كما قرأت عنها، ضمن ما قرأت عن كافة الديانات السماوية والوضعية كالبوذية والزرادشتية والطاوية وغيرها، كما أعلم عنها من خلال مسيحيي مصر من جيراني وزملائي وأصدقائي فضلا عن مدرستي. في مصر عاش المسلم والمسيحي في تواد وتحاب دائمين، لم، ولن، يفرق بيننا شيء.
وبالفعل تنهل دواويني الأولى من لجّة الفلسفة المسيحية والصوفية كذلك، ليس فقط لأنني نشأتُ في مدرسة قبطية ولأن أبي كان رجلا صوفيًّا، ولكن لأن في الأدبيات المسيحية وهي ديانة سماوية فلسفة شعرية بامتياز، بوسع الشاعر، أي شاعر، أن ينهل منها دون أن تنضب. فكرة الفداء فكرة شعرية بامتياز، أن يفتدي إنسانٌ سائرَ البشر بدمه. فكرة التقاء الرحمة والعدل التي لا تتأتى إلا بأن يحمل السيد المسيح عليه السلام خطايا البشر وآثامهم، بتحمله الألم بصبر وحمله الصليب والمشي فوق طريق الآلام فوق جبينه إكليل شوك والدم يقطر من جسده. السيدة العذراء، الأم، تنظر إلى ابنها وهو فوق الألم، فلا تعرف هل تبكيه أم تفرح بفدائه بني الإنسان. إن الشعر يوجد في كل ما حولنا. فقط نحتاج أن ننظر «في» الأشياء لكي نراه، ولا نكتفي بالنظر «إلى» الأشياء.
٭ من خلال متابعتي أرى أنك قارئة رفيعة للواقع العربي وشاعرة من طراز رفيع مختلف!.. من أين تستمدين صوتك وحكمتك؟
٭ أشكرك. وأستمدُ كل هذا- كما أسلفتُ- من النظر في عمق الأشياء وعدم الاكتفاء بالنظر إلى قشورها أو ظواهرها. دائما أسأل نفسي: (لماذا!)، وحين تفعل هذا لن تكفّ عن الدهشة. الاعتياد على الأمور هو قاتل الروح فينا وفي الأشياء أيضا.
٭ هل تسعى فاطمة ناعوت أن تجعل من شعرها «وثيقة» حضارية وتاريخية؟
٭ أسعى لأن يكون شعري عقدًا بيني وبين الحياة. عقد مصالحة. كأن تقول قصيدتي للحياة: لم تروقي لي كثيرًا أيتها الحياة. جئتُ إليك وأنا اظن أنك يوتوبيا، فوجدت فيك الظلم والعنصرية والقتل والكذب والنفاق والأقنعة. وها أنا «أقتلك» أيتها الحياة على ورقتي، وأرسم حياة جديدة أجمل منك. وهنا فقط، بعد كل قصيدة، أجدد عقد مصالحتي لكِ، هنا فقط أسامحكِ أيتها الحياة القاسية، الجميلة على قسوتها.
٭ من أين يستمد الشعراء القدرة على استشراف الآتي.. ورؤية ما لا يراه الآخرون.. أنت توافقين على أن «الفئران والشعراء أول من يشعر بالخطر»؟
٭ (تضحك). هذه المقولة قالها صلاح عبد الصبور. الفأر أول كائن يشعر بأن السفينة ستغرق فيغادر فورًا ويقفز في الماء، فيعرف الربّان أن مركبته على وشك الغرق فيبدأ في إنزال قوارب النجاة. كذلك الشاعر أيضا يشعر بأن خطرًا يتهدد مجتمعه، فيبدأ في الغناء والشدو. لكن الساسة عادة لا ينصتون إلى شجو الشعراء، ليتهم فعلوا. ربما بالأمر بعض الميتافيزيقا، لكنه مشهود. الشاعر به مسّ سماوي – أو ربما شيطاني – لكن الشاهد أنه ينظر إلى العالم من خلال أبعاد أربعة، لا ثلاثة كما تعلمنا الهندسة الإقيلدية التي نسفها نيوتن. قد يكون البعد الرابع هذا هو الزمن، كما علمنا آينشتين، وبالتالي فهو يختصر الزمن فيقرأ من المستقبل، أو يستشرف القادم فيقول انتبهوا أيها الناس، ثمة خطرٌ وشيك. لكن الناس لا تنتبه عادة. الشاعر ينظر (في) عمق الأشياء ويسبر غورها. فيما يكتفي الناسُ بالنظر (إليها).
٭ من هو الشاعر أو الكاتب أو الروائي «الداهية» من وجهة نظرك؟
٭ (تضحك أيضاً). أنت محاورٌ ذكي. تقرأ «هدفك» جيداً قبل أن تحاوره. هذا النعت: «الداهية»، أطلقته على الروائي الأمريكي «فيليب روث»، في مقدمتي للرواية التي ترجمتُها له مؤخرًا: «الوصمة البشرية» وصدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في ٨٠٠ صفحة. لأنه بالفعل يمتلك قلمًا مختلفًا، ويقف على عدة مستويات من لغات الخطاب. فتجد الإنجليزية الشكسبيرية الشوسرية الرصينة، تقف جوار الأمريكية الدارجة، تقف جوار اليانكي الشعبي، إلى جوار اللغة الحوشية المبتذلة، كلٌّ حسب المتكلم إن كان أستاذًا في الجامعة يدرِّس الأدب الإغريقي، مثل «كولمن سيلك» بطل الرواية، أو كانت المتحدثة هي “فونيا” عاملة النظافة التي تنظف المراحيض. ولكن في نظري، كلُّ كاتب يستطيع أن ينتزع منك كلمة «الله»، وأنت تقرأه، كل روائي ينتصر عليك فيهزمك ويجعلك تبكي أو تشرد في سقف الغرفة، كل شاعر يجعلك ترى الأشياء على نحو مختلف بعد الانتهاء من قراءة قصيدته، كل أديب يجعلك تسأل: كيف بنى الرجل هذه الجملة، هو بالضرورة كاتبٌ «داهية».
٭ اهتمامك بالكتابة الصحافية والنشاط الحقوقي هل جاء على حساب الشاعرة في داخلك؟ هل حرصك على حماية حقوق المرأة والأقليات يوازي حرصك على سلامة قواعد اللغة العربية؟!
٭ لا شيء من مما
رسات يومي تأتي على حساب الشاعرة. بالعكس. الشاعرةُ داخلي هي التي “تسوس” وتقود وتُسيّر كل “مَن” بداخلي من شخصيات. الشاعرةُ تكتب المقال الحقوقي وتطالب بالعدل والحق وسيادة القانون. الشاعرةُ تجعلني أصرخ في وجه من يضطهد امرأة أو يظلم فقيرًا أو يعذب طفلا. الشاعرةُ داخلي «تندهش» من العنصرية والطائفية فتأمرني بالخروج في مظاهرات تنادي بحقوق أقباط مصر. الشاعرةُ داخلي تسقي الزهور في بيتي وتمسح على شعر قططي وتوزع الحلوى على أطفال الحي. وكذلك، الشاعرةُ داخلي تجعلني أفتح المعاجم لأبحث عن أصل كلمة أو أراجع قاعدة لغوية لأن الشاعرة داخلي تحب الناس وتحترم القارئ وترفض رفضًا حاسمًا أن يخرج المقالُ وبه لحنٌ أو زلة أو هِنة لغوية.
٭ لماذا لا تتحرر القصائد العربية من عبودية القوافي.. كما تتحرر الشعوب من عسف الديكتاتورية؟!
٭ القصائد تحررت من القوافي ومن الوزن الفراهيدي ومن قضيبي القطار المسميين «شطري البيت الشعري العمودي». لكن الشعوب لم تتحرر بعد. لماذا؟ لأن «القصائد» أرادت الحرية. والشعوب بعدُ لم تُرد. القصائدُ أرادت الحياة والشعوب لم تُرد. وإذا الشعبُ يومًا أراد الحياة، لابد أن يستجيبَ القدر.(لاحظوا أنها لم تجد افضل من بيت شعري مقفى للاستشهاد به انتصارا لرأيها).. القصيدة أرادت الحياة والتطور وعبور الزمن، فاستجاب لها الشعراءُ والقدر. والشعوب بعدُ لم تُرد.
٭ أخبار الأدب، التي كتبتِ فيها مدة من الزمن مقالا أسبوعيا، احتفت مرة بأحد خصومك: “حسن البنا”، حيث احتلت صورته غلافها وترددت أقوال عن «تغير» الصحيفة.. ما هو موقفك من هذا الأمر؟
٭ دعني أشيد بك للمرة الثانية وأقول إنك متابع فوق الممتاز، للمشهد الأدبي المصري وليس السياسي فقط. نعم كنت أكتب بها عمودًا أسبوعيًّا، وبعد عددين من هذا العدد “القطبي الإخواني” توقفتُ عن الكتابة بها. ربما تغيرت «أخبار الأدب» أو في طريقها الكامل لهذا.
٭ لماذ تتحدثين عن الثورة المصرية كما تتحدثين عن طفلة جميلة غير مكتملة النمو؟
٭ نعم. طفلة جميلة لكنها ولدت قبل موعدها. ولدت جميلة فاتنة تسرُّ الناظرين فسُرقت.. رفضت هذي الطفلة أن تستكين أو تسكن. ورفضت الطعام والنوم. وأوشكت على الموت. لكنها لم تمت بل قاومت سارقيها لصوص الثورات.. وها نحن قد استرددناها بثورة يونيو ووقفنا على طريق البناء. أشكر الله.
٭ لو قدّر لكِ أن تدخلي السجن (بعيد الشر عنك) فما هي القضية التي تتمنين أن تدخلي بها إليه؟
٭ لو سجنتُ أو قُتلت حتى دفاعاً عن قيمة أو مبدأ، لا أتردد أن أدفع الثمن راضيةً مرضية.
٭ كيف تتخيلين العالم دون هذه الأشياء: (الشعر، أمريكا، فاطمة ناعوت؟)
٭ العالم دون الشعر جحيمٌ. لهذا يقول الشاعر الرسام المسرحي الفرنسي جان كوكتو: «للشعرِ ضرورةٌ، ليتني أعرف لمَ!»
العالم دون أمريكا ربما كان أكثر عدلاً ورحمة. العالم دون فاطمة ناعوت، هو العالم قبل ميلادها.
٭ إلى متى تبقين كالأطفال وتغضبين كالأطفال ولا تتوقفين عن الإندهاش؟
٭ حتى أموت.
٭ أخيراً، سيدة فاطمة، لو كنتِ شخصاً آخر، هل تصاحبين نفسك؟
٭ نعم. كنتُ سأحبني كثيراً، وأتشاجر معي كثيراً. وأشفق عليّ كثيراً، وأبكي من أجلي كثيراً.
________
*القدس العربي

شاهد أيضاً

ميريت لم تنطفئ.. السُلطة أيضًا تعرف

*هشام أصلان 1 قبل عام وأشهر، أغلقت دار ميريت للنشر مقرّها الشهير في 6 ب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *