الرئيسية / إضاءات / ايتالو كالفينو..ساحر المدن اللامرئية ومخترق التخوم القصيَّة للسرد

ايتالو كالفينو..ساحر المدن اللامرئية ومخترق التخوم القصيَّة للسرد


ترجمة وتقديم: لطفية الدليمي
عندما سمع الروائي الأمريكي “جون أبدايك” بوفاة إيتالو كالفينو في أيلول 1985 علق قائلا :”كان كالفينو كائنا رقيقا مثلما كان لامعا و قد أوصل الرواية الى تخوم لم تكن لتصلها من غير جهده الدائب الذي أطلق الرواية في عوالم السرد الرائعة و الموغلة في القدم ” .
كتب ابدايك هذا في وقت كان فيه كالفينو الكاتب الأكثـر شهرة و سطوة ، و كان تأثير قصصه ورواياته الرائعة والمدهشة يمتد أبعد بكثير من حدود بيئته المتوسطية .
أجرت مجلة ” باريس ريفيو” حوارا مطولا مع كالفينو قبل عامين من وفاته و أدار الحوار ” وارين ويفر Warren Weaver ” مترجم أعمال كالفينو الى الانكليزية منذ عام 1965، و قد مهد “ويفر” للحوار بمقدمة تعريفية بكالفينو تشتمل على مقاطع سيرية من حياته مع إضاءات شخصية على تفاصيل شديدة الخصوصية تنبئ بعالمه السايكولوجي و بنيته الذهنية و سماته الفردية قلما نعثر عليها في أماكن أخرى ، لذا رأيت أن أمهد للحوار مع كالفينو بهذه المقدمة التعريفية المهمة على أن أقدم ترجمة الحوار لاحقا في صفحة المدى الثقافية .
لطفية الدليمي

ولد ايتالو كالفينو في 15 تشرين أول 1923 في “سانتياغو دي لاس فيغاس” احدى ضواحي هافانا و كان أبوه مهندسا زراعيا قضى سنوات في البلدان الاستوائية معظمها في امريكا اللاتينية ، و كانت امه “إيفا” عالمة نبات تنحدر من ساردينيا و بعد ولادة ايتالو بفترة قصيرة عاد أبواه الى إيطاليا و استقرا في “ليغوريا” و هي ذات البلدة التي تحدَر منها أسلاف كالفينو و فيما اخذ ايتالو يزداد نضجا فقد أعتاد تقسيم وقته بين بلدة “سان ريمو” الساحلية-حيث كان والده يدير محطة زراعية لتزهير النباتات- و بين منزل العائلة الريفي في التلال حيث تفوق الأب ايضا في زراعة الكريب فروت و الافوكادو .
درس ايتالو في سان ريمو و التحق بقسم العلوم الزراعية في جامعة تورين و واصل دراسته حتى موعد الامتحانات الأولى إذ حدث ان احتل الألمان بلدة ليغوريا و كامل الشمال الإيطالي في الحرب العالمية الثانية فكانت فرصة مناسبة لايتالو و أخيه البالغ 16 سنة للهرب من براثن الفاشية الإيطالية و الانضمام الى حركة المناوئين لها ، بدا ايتالو يكتب في هذه الفترة و بخاصة حول تجاربه في وقت الحرب و نشر اولى مجموعاته القصصية في الوقت ذاته الذي عاد فيه لا كمال دراسته الجامعية بعد أن اتخذ قراره بالانتقال من دراسة الزراعة الى الأدب ، و خلال دراسته الجامعية اكمل روايته الأولى “الطريق إلى عش العناكب” لم تحظ بشيء من الاهتمام غير ان الكاتب “سيزار بافيزي” مرر الرواية الى الناشر “جوليو اينودي” من تورين فقبلها مفتتحا عهدا من العلاقة المنتجة مع ايتالو كالفينو دامت معظم سنوات حياته ، و عندما ظهرت الرواية عام 1947 كان كالفينو قد حصل على شهادته الجامعية و ابتدأ العمل بشكل منتظم مع اينودي. كان الأدب الإيطالي في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية سياسيا و بقوة و كانت “تورين” العاصمة الصناعية الإيطالية هي ذاتها بؤرة النشاط السياسي للكثير من الناشطين من أمثال ايتالو الذي انضم الى الحزب الشيوعي الإيطالي و بدأ بكتابة تقارير في صحيفة الحزب الشيوعي اليومية، و بعد نشر روايته الاولى حاول كالفينو ان يكتب ثانية غير ان الفرصة لم تسنح حتى عام 1952 اذ نشر خلالها نوفيللا بعنوان “الفيكونت المشطور ” التي أطراها النقاد و مراجعو الكتب في الصحف مع ان عزوفه عن أسلوبه الواقعي الذي اعتمده في كتابة روايته الأولى قد سبب له انتقادا واسعا و مؤلما من الحزب الشيوعي الذي استقال منه عام 1956 بعد غزو القوات السوفييتية لهنغاريا ، و في ذات العام نشر مجموعة من الحكايات الفلكلورية الايطالية ، وفي السنة اللاحقة لها نشر”البارون في الغابات” ثم أعقبها عام 1959 بنشر رواية “الفارس المتخفي” و قد نشر المجموعتين الأخيرتين بعد ان أضاف لهما الفيكونت المشطور في مجلد واحد بعنوان “أسلافنا” . كان العملان الأخيران اللذان نشرا أثناء حياة كالفينو هما رواية “السيد بالومار” عام 1983 و “قصص حب مؤلمة” عام 1984. توفي كالفينو في 19 ايلول 1985في المستشفى بعد 13 يوما من اصابته بجلطة دماغية .
قابلت كالفينو أول مرة في مخزن للكتب في روما في وقت ما من ربيع عام 1965 و لا تزال ذاكرتي البصرية تحتفظ بصورة لنا في ذلك اللقاء و نحن نرتدي بدلتين خفيفتين . كنت في تلك الأيام مقيما في روما لأكثر من عقد من السنوات و كان كالفينو قد عاد اليها من باريس ، وعندما رآني بادرني بالسؤال فجأة – فهو لم يكن يميل الى الإطناب و المقدمات الطويلة – :”هل ترغب بترجمة عملي الأخير Cosmicomics ؟” ، أجبت على الفور نعم رغم اني لم اكن قد قرأت العمل بعد ، التقطت نسخة من العمل قبل ان أغادر المخزن و رتبنا موعدا للقائنا الثاني بعد ايام قليلة . كان كالفينو يسكن مع عائلته في شقة صغيرة محدثة الأثاث تقع في الجزء القروسطي من روما قريبا من نهر التيبر ، و لا زلت أتذكر شقته هذه قليلة الأثاث وكيف كانت الشمس تغمر جدرانها البيضاء حيث التقينا ثانية بعد لقائنا في مخزن الكتب و تحدثنا عن كتابه المذكور و كنت قد أتممت قراءته للتو . اعلمني كالفينو انه كان قد اتفق مع مترجم انكليزي على ترجمة عمله هذا لكن هذا الأخير فشل ، حسبما يرى كالفينو ، فأحببت ان أعرف سبب فشله فأخذ كالفينو يستعرض أمامي بعضا من مراسلاته مع المترجم و قرأت في واحدة منها كيف ان المترجم أختار ان يضع عبارة ” بالأسود و الأبيض In Black and White” عنوانا لإحدى قصص كالفينو التي كانت في الأصل بعنوان ” بلا ألوان Without Colors ” و قد رأى كالفينو في هذا الأجراء نوعا من وهمٍ فائض و قناعة بأصالة فائقة تبيح لك ان تفعل ما تريد !! و قرأت في رسالة كالفينو الخاصة بالاستغناء عن خدمات المترجم إشارة تقول ان الأسود و الأبيض ينتميان الى طائفة الألوان ، و بعد أن قرات التفاصيل وافقت على العمل في ترجمة أعمال كالفينو الى الانكليزية وكانت ترجمتي الأولى له قطعة متواصلة من تاريخ مضن للغاية فقد حدث ان اتبع الرجل نصيحتي غير المحظوظة و تعاقد مع ناشر جديد لأعماله بعد تعقيدات تنظيمية مع الناشر الأول غير ان المحرر الرئيسي لدى الناشر الجديد انتحر بعد فترة من بدء العمل و هكذا ظلت مخطوطتي المترجمة محفوظة في الأدراج ورفضها الناشرون الآخرون حتى وافقت دار نشر هاركورت بريس والتي استمر كالفينو ينشر فيها أعماله طيلة حياته . لقيت ترجمتي بعد نشر الكتاب تقريضا ممتازا من جانب مع نقد شديد العدائية من قبل شخص يمكن التنبؤ بهويته ببساطة فائقة : ذاك هو المترجم الاول للعمل الذي استغنى عنه كالفينو ، و قد حاز الكتاب على جائزة الكتاب الوطني للترجمة .
منذ عام 1966 و حتى وفاة كالفينو في 1985 لم يمر وقت دون ان أترجم فيه شيئا من أعمال كالفينو و كان ممكنا بل ومن المعتاد دوما ان يتصل بي و يطلب ترجمة بضع صفحات من كتاب بسرعة قصوى مع التشديد على اعتبار ان للموضوع أسبقية على كل ما عداها ، أو يحدث ان يطلب احيانا ترجمة كلمة له كان سيلقيها في برنامج تلفزيوني كندي او مقدمة قصيرة لكتاب ما . كان كالفينو يحب الأعمال الغريبة ، فرواية “قلعة المصائر المتقاطعة” عام 1969 ولدت كتعليق على حزمة من أوراق اللعب “التاروت” المحفوظة منذ عصر النهضة . عندما تعمل مع كالفينو عليك دوما ان تزن كل كلمة تكتبها فقد كنت أتردد لدقائق في كيفية ترجمة أبسط المفردات الايطالية مثل “جميل Bello” أو “سيئ cattivo ” إذ كان ينبغي لك وفي كل المواضع ان تمتحن كل مفردة بتدقيق و اذكر إنني حين كنت أترجم “مدن لا مرئية” كيف اعتاد الزائرون ان يسمعوني في نهاية الاسبوع و أنا أردد مقاطع من العمل بصوت عال لأتأكد من كل شيء .
لا يعتز الكتّاب عادة بمترجمي أعمالهم و لطالما انتابني شعور طاغ ان كالفينو كان يفضل ترجمة أعماله بنفسه و قد احب في سنواته الأخيرة ان يجري تغييرات على نصوصي المترجمة لأعماله بلغته الانكليزية الخاصة و لم تكن هذه التغييرات تصحيحات بالضرورة بل كانت في الأغلب إعادة نظر و ترتيب في بعض أجزاء النص الأصلي و هو امر نادرا ما فعله كالفينو سابقا . كانت لغة كالفينو الانكليزية ذهنية نظرية اكثر مما هي مشبعة بالمفردات الاصطلاحية Idiomatic و كانت له طريقته الخاصة في الوقوع في اسر المفردات الغريبة ، فعندما ترجمت رواية “السيد بالومار ” افتتن كالفينو حد الوله بمفردة “التغذية الارتجاعية Feedback ” فظل يحشرها بين ثنايا النص و كانت مهمتي أن أحذفها بعده بهدوء!!
و لم يكن باستطاعتي وقتها أن اوضح له الامر بأن مفردة مثل “Feedback ” قد تبدو جميلة الوقع على الأذن الإيطالية لكنها غير مناسبة للتضمين أبدا في عمل مكتوب بالانكليزية .
لم يكن كالفينو من نوع الرجل الثرثار أبدا كما لم يبد أي ميل اجتماعي تجاه أي احد فقد اعتاد ان يرى كل أصدقائه القدامى بلا تمييز بينهم و لم يعتبر ايا منهم من المقربين الخلص له ، و مع أننا بقينا أصدقاء لعشرين سنة امتدت منذ 65 و حتى وفاته واعتدنا زيارة بعضنا في منازلنا الخاصة ، لكننا كنا على الدوام نتخاطب بطريقة اقرب الى الرسميات المتشددة وكنت اخاطبه “السيد كالفينو ” و كان يخاطبني ” ويفر ” رغم انه كان يدرك تماما كم أكون ممتعضا عندما يخاطبني احد بلقبي المجرد الذي يذكرني بأيام تلمذتي المريعة ، لكني لا أريد بذات الوقت ان أعطي انطباعا عن الرجل بأنه لم يكن قادرا على بناء صداقات عميقة ، فمع نوبات صمته الطويلة لا أزال أذكر ضحكاته التي كانت تشع ألقاً عندما يحدث شيء خارج عن السياق و نحن نعمل معا ، و لا أزال اذكر بخاصة هدية قدمها لي يوما ما و قد كتب بداخلها ” الى بيل المترجم كما القديس “.
________
*المدى

شاهد أيضاً

هَوَامِشٌ عَلى دَفْتَرِ الشُّجُونِ التَّعْلِيمِيَّةِ

خاص- ثقافات *الدُّكْتُورُ بَلِيغ حَمْدِي إسْمَاعِيل ثمة إشارات عن النظام كمحنى إنساني جديرة بالاهتمام والتبصير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *