الرئيسية / إضاءات / فاروق مردم بك: الأدب العربي بات حاضراً عالمياً

فاروق مردم بك: الأدب العربي بات حاضراً عالمياً


*هاجيرة ساكر

جائزة اليونسكو- الشارقة للثقافة العربية نالها مناصفة هذا العام الكاتب والناشر السوري فاروق مردم بك و «المؤسسة العربية للصورة الفوتوغرافية». أما منحها لمردم بك فكان، وفق اللجنة التحكيمية للجائزة، تقديراً للدور الثقافي الذي يقوم به من خلال التعريف بالأدب العربي في فرنسا والعالم الفرنكوفوني ونشره والاهتمام به، انطلاقاً من المسؤوليات الملقاة على عاتقه في دار «أكت سود» في باريس وهي تعد أكثر دور النشر الفرنسية اهتماماً بالأدب العربي بشقّيه القديم والحديث.

عن المعنى الذي تكتسبه هذه الجائزة في نظر فاروق مردم بك، يقول: «أعتز بجائزة اليونسكو- الشارقة، وأعتبرها بالدرجة الأولى دعوة إلى بذل المزيد من الجهود للتعريف بالإنتاج الثقافي العربي في فرنسا وأوروبا. ويهمني أن أؤكد أنني مدين إلى حد كبير بهذه الجائزة الى المؤسسات العامة التي عملت فيها منذ عام 1972، وهي مكتبة «معهد اللغات والحضارات الشرقية»، والمجلة التي كانت تصدرها «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» والتي توليت مسؤولية إدارتها خلال سبعة وعشرين عاماً، و «معهد العالم العربي» حيث شغلت منصب المستشار الثقافي ومدير المكتبة، وبخاصة دار «أكت سود» التي منحتني ثقتها منذ شرائها دار «سندباد» عام 1995 ومكنتني من أداء عملي بوتيرة منتظمة ومتعة دائمة لا يعرفها إلا المولعون مثلي بالكتاب حتى الهوس».
منذ عام 1995 إذاً، يعمل مردم بك مسؤولاً عن سلسلة «سندباد» في دار «أكت سود». وكانت «سندباد» قبل أن تمتلكها «آكت سود» بعد وفاة صاحبها الناشر بيار برنار، هي الدار الفرنسية الأولى التى تُعنى بالآداب العربية وبأبرز النصوص التراثية. وقد عمد مردم بك إلى الاستمرار في التوجّه العام لهذه الدار، وفتح هذه التجربة على آفاق واسعة مركزاً على نتاجات الأدباء المعاصرين، ومنهم الروائيون بخاصة.
وإذا كان فاروق مردم بك قد تمكن من النجاح في عمله، فلأنه صاحب ثقافة واسعة وهو شديد الالتزام بالقضايا العربية، وفي مقدمها القضية الفلسطينية التي خصها بدراسات وكتب عدة، إضافة الى وقوفه الآن الى جانب الشعب السوري ومشاركته من خلال الكتابة أو عبر لقاءات وندوات في فرنسا وأوروبا للحديث عن المأساة التى يعانيها هذا الشعب.
يعي فاروق مردم بك أهمية إبراز الوجه الإبداعي للعرب في الخارج وخصوصاً في فرنسا حيث هم محاصرون بالأفكار المسبقة وبسوء فهم عميق يجعل نظرة الآخر في أحيان كثيرة تخلط بينهم وبين من يمارسون الإرهاب. وهذا ما يجعلهم ضحية نظرة عامة لا تفرّق بين العرب والمسلمين المندمجين في المجتمع الفرنسي ويؤلفون جزءاً من دورته الاقتصادية والثقافية، وبين أولئك الذين يمارسون العنف باسم الإسلام، هنا وهناك في العالم وحتى داخل بلدانهم الأصلية نفسها.
ولكي نفهم الدور الذي يقوم به فاروق مردم بك في التعريف بالأدب العربي في فرنسا، لا بد من العودة الى الوراء، أي الى المرحلة التى مهدت لهذا الدور وكانت منطلقاً له. وقد بدأت تلك المرحلة في السبعينات من القرن العشرين، وتحديداً عام 1972، عندما أسس الناشر بيار برنار الذي أتينا على ذكره، دار «سندباد» وخصصها كلياً للآداب العربية وللتراث العربي والإسلامي. فنشر نصوصاً روائية وشعرية لبعض أبرز ممثلي المشهد الأدبي في العالم العربي، ومنهم نجيب محفوظ وصنع الله ابراهيم وعبدالرحمن منيف وبدر شاكر السياب وأدونيس… ونشر ترجمات لبعض أمهات الكتب التراثية، ومنها كتب للجاحظ وأبي نواس ومحيي الدين بن عربي.
أدب عربي وقراء فرنسيون
دار «أكت سود» لم تكن غريبة كلياً عن المنطقة العربية حتى قبل أن تمتلك دار «سندباد». وحين امتلكتها، كانت تواصل نهجاً بدأته عام 1990، على ما يقول فاروق مردم بك، فمنذ ذلك العام، أخذت تنشر ترجمات الأدب العربي المعاصر متمثلة بأسماء من أمثال صنع الله ابراهيم وسليم بركات وحنان الشيخ ومحمود درويش وغيرهم. في هذا السياق، تعهدت دار «أكت سود» الحفاظ على دار «سندباد» وأهم سلاسلها. وهكذا فقد أصبحت هي الناشر الأول في فرنسا، بل وفي أوروبا أيضاً، للأدب العربي المترجم.
في نهاية عام 2010، كان كتالوغ «أكت سود» يحتوي على 210 كتب مترجمة، وكل هذه الكتب صدرت بعد أن أصبحت دار «سندباد» جزءاً منها. بينما لم تكن نشرت إلاّ 14 كتاباً مترجماً من قبل.
هناك تساؤل يتردد باستمرار حول أهمية الأعمال الأدبية العربية التي تنقل الى الفرنسية وحول ما إذا كانت هذه الأعمال تعدّ الأكثر تمثيلاً للأدب العربي. رداً على هذا السؤال، يعتبر فاروق مردم بك «أن القارئ الفرنسي بإمكانه التعرف إلى المشهد الأدبي في العالم العربي بعد الحرب العالمية الثانية من خلال الترجمات التى أُنجزت»، و يعتبر «أنّ هناك أعمالاً تستحق الترجمة ولم تترجم بعد، بل إن هناك نتاجات أدبية كثيرة ينبغي أن تترجم وتنشر في فرنسا وفي الغرب عموماً». وفي ما يتعلق بما تمّ إنجازه حتى الآن من الترجمات وعما إذا كانت كلها مهمة، فهو يلاحظ أن بعض هذه الترجمات مهم لا كلّها، وأن هناك تفاوتاً في مستويات الترجمة وليس هناك مستوى واحد.
وعلاوة على هموم النشر، هناك همّ آخر لا يقل شأناً ويتبيّن في الترجمة ومستواها وتوافر المترجمين الجيدين. وهنا يعتبر مردم بك أنّ «دور النشر قادرة على ايجاد المترجم اللازم والملائم اذا كانت هناك رغبة حقيقية في الترجمة». ويقول انه خلال إشرافه على سلسلة «سندباد» تعامل ولا يزال يتعامل، مع مترجمين فرنسيين ومترجمين عرب يتقنون اللغة الفرنسية من أجل ترجمة نتاجات أدبية قديمة وحديثة. بعض هذه الكتابات يتميز بخصوصية محلية وببناء لغوي معقّد. ومع ذلك، فإن النتيجة غالباً ما تكون جيدة. يساعد على ذلك وجود مستعربين في فرنسا يتمتعون بمستوى لغوي عال، هذا إضافة الى علاقاتهم العميقة بالعالم العربي وشؤونه وهم في غالب الأحيان تربطهم علاقة إنسانية قوية مع العرب.
من المسائل التى تثير الانتباه لدى المهتمين بالأدب العربي في العالم العربي أو في الخارج هي مقارنة هذا الأدب مع غيره من آداب الشعوب الأخرى. والسؤال الذي يتردد باستمرار: لماذا لا يحتل الأدب العربي الموقع الذي تحتله آداب الشعوب الأخرى، ومنها مثلاً الأدب الياباني أو الأدب الأميركي اللاتيني؟ هل إن السبب في ذلك هو تراجع حركة الترجمة من اللغة العربية الى اللغات الأخرى؟
يجيب مردم بك قائلاً: «إنّ هناك أسباباً عدة تجعل الأدب العربي في موقع متراجع عن تلك الآداب، ومنها أن الرواية التي تعني دور النشر والقراء على السواء هي حديثة العهد في العالم العربي، في حين أن هذا الصنف الأدبي أكثر قدماً في أميركا اللاتينية. هناك إضافة الى ذلك العامل الألسني والتقارب الثقافي بين الذين يكتبون باللغات اللاتينية مثلاً. كما أن دور النشر الكبرى كدار «غاليمار»، خصصت سلاسل أدبية لنقل هذه الآداب إلى اللغة الفرنسية والتعريف بها. هذا فضلاً عن أن قارة أميركا اللاتينية أنجبت بعض كبار كتاب الرواية في القرن العشرين مثل غبريال غارسيا ماركيز وكارلوس فوانتس وأليخو كربنتييه وروا باستوس وخورخي لويس بورخيس وغيرهم».
روايات نسائية
اللافت في نشاط فاروق مردم بك اهتمامه أيضاً بالتعريف بأصوات الروائيات العربيات اللواتي يتزايد حضورهن أكثر فأكثر في ساحة الترجمة، وهو يرى أن عدداً منهن، ومن بعض الشاعرات كذلك، ساهم في تطوير الأدب العربي وإغناء اللغة العربية. ويرى أن ما تُرجم من أعمالهن لا يشكل إلا نسبة ضئيلة مما ينبغي أن يترجَم، وذلك بسبب أهميتهن الأدبية والاجتماعية على السواء. ويقول مردم بك في هذا السياق إنه شارك على المستوى الشخصي وقدر ما يستطيع «في التعريف بكاتبات لكل منهن خصوصيتها الأدبية ورؤيتها للحياة والعالم وكذلك موقفها من الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع».
هناك من يتساءل من الكتّاب العرب عن كيفية وصول مخطوطاتهم الى دار «أكت سود» وما هي المعايير التي يُعتمَد عليها في اختيار هذه المخطوطة أو تلك؟ يجيب مردم بك بأنّ اختياره المخطوطات المرشحة للترجمة يتم من خلال متابعاته المستمرة لما تصدره دور النشر العربية ولما تكتبه الصحافة عنها، كما أن بعض الكتّاب أصبحوا ينشرون باستمرار في دار «أكت سود» وهناك تعاون متواصل بينهم وبين الدار. وتجدر الإشارة الى أن مردم بك ينشر تسع روايات سنوياً ومجموعة شعرية واحدة. وفي اطار نشر المجموعات الشعرية يعتمد منذ سنوات على التعريف بالأصوات الأساسية التى منحت الشعر العربي الصورة التي هي عليها الآن. وإضافة الى الرواية والشعر، يعنى مردم بك أيضاً بنشر كتاب تراثي واحد كل سنة.
فلسطين وسورية
أخيراً، فاروق مردم بك معروف بنزعته الانسانية والتزامه قضايا الشعوب المحقة وفي مقدمها القضية الفلسطينية. عن تعاطيه، وفي موازاة عمله كناشر، مع هذه القضية ومع الموضوع السوري اليوم، يقول: «كنت طالباً في فرنسا عام 1967 وفجعت كما فجع العرب جميعاً بهزيمتنا المدوية، ومما زادني مرارة آنذاك الجو العام المعادي للعرب، وبصورة خاصة تصريحات بعض كبار الكتاب والمفكرين الفرنسيين الذين كنت أحبهم وأحترمهم، ومنهم جان بول سارتر. ولعل هذه المرارة، إضافة طبعاً إلى حماستي للمقاومة الفلسطينية، هي التي دفعتني إلى الانخراط في النشاط الإعلامي المناصر للفلسطينيين وإلى البحث المعمق في كل جوانب العلاقات السياسية والعسكرية والثقافية بين فرنسا وإسرائيل، وهكذا انتهيت مع صديقي سمير قصير إلى تأليف كتاب شامل عن هذه العلاقات يقع في ثمنمائة صفحة، وإلى مواكبة تطورات القضية الفلسطينية، كاتباً ومحاضراً وناشراً».
وعن الموضوع السوري، وكيف يتفاعل معه، يقول مردم بك: «أنا معارض قديم من موقع يساري مستقل، مبعد عن بلدي منذ عام 1976 بسبب مشاركتي في الاحتجاج على سياسة حافظ الأسد في لبنان ثم في التنديد بالقمع الوحشي الذي مارسه ضد التيارات السياسية في الثمانينات والتسعينات وبتفخيخ المجتمع السوري وتعميم مشاعر الخوف والحذر بين الجماعات والأفراد. وبعد توريث السلطة لم أصدق يوماً وعود بشار الأسد الإصلاحية، بل رأيته يزيد الطين بلة بانتهاجه سياسة اقتصادية خرقاء عمّقت الهوة بين الطبقات الاجتماعية وهمّشت قطاعاً واسعاً من «الرعية» في المدن والأرياف. ولهذه الأسباب كنت أعتقد أن الثورة آتية لا محالة، وكنت على ثقة أيضاً بأن النظام سيجابهها مع حلفائه الإقليميين والدوليين بعنف لا يحد من بربريته وازع من ضمير وطني أو إنساني. إن ما جرى ويجرى في سورية منذ ثلاث سنوات من قتل وتنكيل وتعذيب وتهجير ودمار وصراع إقليمي ودولي على جثث السوريين، إنما يتحمل مسؤوليته الأولى نظام بشار الأسد، ولا خلاص لسورية دولة وشعباً إلا بزواله».
________
*الحياة

شاهد أيضاً

أمركة جائزة «بوكر» تخيف الناشرين البريطانيين

*مصطفى زين يكثر في الأدبيات العربية التخوف من «الغزو الثقافي الأميركي». وإذا كان هذا الأمر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *