الرئيسية / إضاءات / مقدمة في فلسفة الحُبّ

مقدمة في فلسفة الحُبّ


*ترجمة وتقديم: لطفية الدليمي

تقول الروائية أليف شفق في حوارها عن الحب والعشق تعقيباً على عنوان روايتها ( قواعد الحب الأربعون) :كلنا نبحث عن الحب و نرى أنفسنا غير مكتملين بدونه .)

نعم لن تكتمل حياة إنسانية بدونه ، ونعلم جيدا أن كل حدث ونشاط إنساني على أرض البشر حصل إما بفعل الحب أو نقيضه ، فعلى حضور الحب قامت الحضارات الإنسانية وعند تغييب الحب حدث الغزو والتعصب والسبي والقتل ، واضطلع الفن والأدب باستحضار الحب المغيب المنفي عن حياتنا. 
أعتدنا-أن نفصل بين الأفكار الفلسفية و بين الإنسان خالق هذه الأفكار و نسينا في خضمّ هذه التفرقة أنّ الإنسان – في واحد من أهم توصيفاته الأنثروبولوجية – هو صانع أفكار في المقام الأول و أن الأفكار غالباً ما تنبثق من مكابدات حياته اليومية وتجاربه وهي ليست مجرد مفاهيم فوقية أو أكاديمية مغلقة ، و لعل موضوعة ( الحب ) هي من أكثر الموضوعات أهمية في إشباع حياة الإنسان و الارتقاء بها إلى مستويات أكثر سموا و رفعةً وجمالا وتعزيزا لإنسانيته ، لقد كتبت طويلا عن موضوعة الحب في قصصي ورواياتي ودراساتي ومقالاتي ولاهتمامي بموضوعة الحب في تراثنا العربي وتراث الشرق والغرب ترجمت هذا الموضوع عن” أشكال الحب الستة – مقدمة في فلسفة الحب ” من وجهة نظر فلسفية لكاتب غربي يقارب موضوعة الحب برؤية قد تختلف عما عرفناه من توصيفات الحب في ثقافتنا وقد تتماثل معها في المحصلة كنشاط إنساني يديم حياتنا ولا ننسى أن في لغتنا العربية عشر مفردات للحب وعشرين لفعل الحب وأربعين لمشتقاته ،وقد حفل تراثنا العربي بمصنفات كثيرة عن ( الحب) احتفاء واشتغالا فكريا ، فعلى سبيل المثال لا الحصر لدينا كتاب ( طوق الحمامة ) لابن حزم وكتاب (الزهرة ) لمحمد بن داود و (ديوان الصبابة ) لشهاب الدين ابن حجلة و(تزيين الأسواق في أخبار العشاق ) لداود الأنطاكي وغيرها الكثير،إلا أن حاضرنا- للأسف- تنكر لانفتاح تراثنا وما عاد يحتفي بالحب قدر احتفائه بالكراهية و التنافر. 
هذه ترجمة لمعظم مقدّمة كتاب ( معاني الحب : مقدّمة في فلسفة الحب ) للبروفيسور ( روبرت إي. واكونير Robert E. Wagoner) و نشرته دار نشر برايجر Praeger عام 1997
صنعنا من الحب فوضى مطبقة 
منذ أن جعلناه الهدف الأعلى
دي. إج. لورنس
كم هو فوضوي و مشوّش موضوع الحب !!! إذ نراه في كل مكان يحتفى به على أساس أنه ” التجربة الأكثر أهمية في الحياة الإنسانية “و أتساءل : هل يوجد من يجادل بالضد من الحب ؟ و سواء منَحَنا الحب متعة عظمى أم تسبّب لنا بمعاناة قاسية فالقلة منـّا تنكر أن الحب هو ما يمنح الحياة معنى و هدفاً جديرين بالاحترام و أن غياب الحب يحيل الحياة صحراء موحشة . هناك الكثير من الشكوك السائدة عن الإرباكات و التناقضات التي يحتويها مفهوم الحب و غالباً ما نتساءل : كيف يمكن لهذه الميزة الإنسانية العظيمة أن تكون لها نتائج غير مقبولة و عصية على الفهم البشري؟ و إذا كان ” الحب هو كل ما تحتاجه ” كما تخبرنا كلمات أغنية فريق البيتلز فلماذا يبدو أحياناً أن الحب ينساب في مسارات خاطئة تقود إلى آلام ومعاناة مؤذية ؟ كيف يمكن لأمرٍ مثل الحب يبدو في غاية الوضوح أن يتسبّب في آلام و تناقضات على قدر عظيم من الإيذاء؟؟ يبدو أن السبب يكمن في كوننا لا نفهم الحب بشكل كافٍ وهذه محاولة لفهم أشكال الحب: 

• الشكل الأول : الحب الإيروتيكي 
إن واحداً من أقدم الأفكار الخاصة بالحب في التقاليد الغربية هو الحب الإيروتيكي المؤسس على المفهوم الأفلاطونية و هو في ذات الوقت الشكل الأول من الحب الذي عرّف الحب بطريقة واضحة لا لبس فيها باستخدام مفاهيم تدفع باتجاه تحقيق المصلحة الذاتية المتدفقة . 
يتأسس المفهوم الأفلاطوني للحب على فكرة أن الحب الإيروتيكي ليس ببساطة متماثلاً مع الرغبة الجنسية و لكنه يدفع هذه الرغبة بعيداً في مسعى دائب باتجاه الكمال و توصف هذه الرؤية الأفلاطونية للحب عادة بـ ” الرؤية الكلاسيكية ” و لا يعود السبب وراء هذا التوصيف إلى هوس المؤرخين في جعل الرؤية الأفلاطونية تعلو على ما سواها من الأفكار بقدر ما أرادوا لها ان تكون بمثابة مرجعية فكرية للأفكار الأخرى عن الحب و على الرغم من ان نقاشات كثيرة طالت المفهوم الأفلاطوني عن الحب و لكن ما من أحد امتلك جرأة الحديث عن الحب دون أن يتعامل مع الرؤية الأفلاطونية عنه .
• الشكل الثاني : الحبّ المسيحي
الفكرة الثانية عن الحب تقع على الجهة المقابلة للحب الإيروتيكي الداعم للمصلحة الذاتية : إنها المفهوم المسيحي عن الحب باعتباره ” إنكار الذات الخالص ” و يتّفق كل من الكتّاب الأفلاطونيين و المسيحيين أن الحب في غاية الأهمية لصيرورة الطبيعة البشرية السوية ولكنهم يختلفون بصورة حاسمة في المعنى الكامن وراء هذه الأهمية ، فبالنسبة لأفلاطون نحن نحب عادة ما لا نستطيع امتلاكه : الجمال ، الحقيقة ، الخيرية goodness و إن معنى الحياة يتحدّد بسعينا الدؤوب لتحقيق رغبتنا في امتلاك هذه الصفات ، في حين ان المفهوم المسيحي يقوم على أن نحب ما نمتلكه فعلاً و هذه هي بعض مظاهر ” الحرية التي منحها لنا الله ” بحسب المقاربة اللاهوتية المسيحية و أن معنى الحياة يتحدّد بمنح تلك الحرية إلى آخرين ممّن لا يمتلكونها . و قد وجد الكثيرون على مرّ الزمن أن الفكرة المسيحية عن الحب أكثر جاذبية من مثيلتها الأفلاطونية لأنها ترى أن الشخصية البشرية يمكن فهمها بطريقة أفضل لا من خلال ما نأخذ من الآخرين بل بقدر ما نمنح للآخرين .
• الشكل الثالث : الحبّ الرومانتيكي
هذا الشكل من الحب هو الشائع في المخيال الجماهيري و هو المقصود بمفهوم الحب حيثما ورد في أحاديث العامة على الأغلب و رغم أن هذا يعدّ شاذاً إذا ما علمنا أن جذور الحب الرومانتيكي هي أرستقراطية الطابع ،فقد كانت شائعة بين لوردات و سيدات العصور الوسطى و لكنها تسلّلت عبر الأغاني و السفر إلى مختلف الطبقات الاجتماعية و ساهمت في تشكيل صورة الحب السائدة حتى يومنا هذا ،و لكن لماذا سادت النظرة الرومانتيكية للحب على غيرها من النظرات ؟ يكمن الجواب بكل بساطة في أن هذه النظرة استحالت ديناً له سحره الآسر و جاذبيته الطاغية معاً ،فهي في واقع الحال تركيب فريد من الحب الإيروتيكي و الحب المسيحي ، فعندما يراجع المرء على سبيل المثال قصة ( تريستان و ايزولده ) يرى كيف يمتزج التكريس المطلق للنفس مع الحيازة الإيروتيكية الكاملة بما يقود إلى استحالة وصيرورة جديدة للمحبين . المحبون الرومانتيكيون يرى كل واحد منهم صورته فيمَن يحب و لكن هذا الحب لا يخلو من نتائج مدمرة في أغلب الأحيان.
• الشكل الرابع : الحبّ الأخلاقي أو الحقيقي 
هذا الحب – على خلاف الحب الرومانتيكي – لا يهمل النتائج المترتبة على الانسياق المتوهج مع الحب بفعل النشوة الجامحة بل يزيد عليها بكونه ينقاد إلى مبدأ ذاتي يتمحور على الاستقرارية و الاستقامة الأخلاقيتين ، و يمكن للمرء هنا أن يجادل أن أي نوع من الحب يمكن أن يكون حقيقياً – الحقيقي هنا هو المتناغم مع الشكل الذي يمثّله – و هذا صحيح تماماً و لكن كون الحب حقيقياً هنا هو صفته المميزة عن أشكال الحب الأخرى لأنه يشدّد تشديداً عظيماً على مبدأي الإخلاص و النزاهة ، و قد كتب اثنان من كبار الفلاسفة في هذا النوع من الحب : عمانوئيل كانت ، و سورين كيركيجارد ، إذ ناقشا مطوّلاً الإشكالية الفلسفية المترتبة على كيف لذات مستقلة و حاكمة لنفسها أن تجد ذاتها في شخص آخر و ان لا تطيق عنه ابتعادا ( يشير المؤلف هنا إلى الموضوعة الفلسفية الخاصة بالحتمية و الإرادة الحرة Determinism and Free Will التي شغلت و لا تزال تشغل حيزاً كبيراً في البحث الفلسفي ، المترجم ) .
• الشكل الخامس : الحبّ باعتباره شكلاً من أشكال السلطة
يختص هذا الشكل من الحب بفهم الآليات الخاصة بمقاربة موضوعة ” أن أجد نفسي في الآخر ” أو بكلمات أكثر بساطة : إن الآخر يمتلك سلطة من نوع ما تجعلني أحتاجه و يترتّب على هذا الأمر أنني ما لم أفهم الآخر فلن أفهم نفسي ،و هذا هو ذاته ما سيقودني إلى التأرجح بين الرغبة و الخوف : الرغبة في أن أحوز اعتراف الآخر و حبّه لي و الخوف في الوقت ذاته من أن ينسحب من حياتي في أي وقت . يبدو لنا الحب أحياناً – حسب هذا الشكل من الحب – شكلاً من أشكال الكفاح اليائس و لكن ليس بالمعنى الذي كتب عنه ( توماس هوبز ) الذي تحدّث عن ” حرب كل إنسان ضد كل إنسان آخر ” لأن حيواتنا آنذاك ستكون على شفا هاوية مهلكة ولكن المؤكّد ان التحليل العميق الذي ساهم به ( جان بول سارتر ) في توصيف الطبيعة الإشكالية التي تسم كل علاقة بين المحبين هو الأكثر أصالة عمّا سواه حيث أشار بدقة إلى الشعور الطاغي بعدم الأمان الذي يسود هذه العلاقة و قد أبان سارتر بكل وضوح و بتحديد حاسم ما الذي يمكن أن يحدث عندما لا يسع المرء امتلاك الحرية في فهم نفسه إلّا من خلال فهم حرية شخص آخر .
• الشكل السادس : الحبّ المتبادل
هذا هو الحب الذي تتضمّنه المفارقة القائمة على فكرة ” أن يجد شخص ما ذاته في الآخر ” أو لنقل هو الانزياح في اتجاه خلق التوازن بين الأنا و الآخر . و قد نشأت هذه الفكرة مع أرسطو الذي كان تلميذاً لأفلاطون ثم استحال ندّاً فلسفياً له و ربما جاز لنا ان نقول ان هذا الشكل من الحب هو الاستجابة المتوقعة و المقبولة لحالة الصراع اليائس بين الرغبة و الخوف و هي الحالة التي ترَكَـنا سارتر معها ، و السؤال هنا : ألا يمكن لنا و نحن نمر بين منعطفات الرغبة و الخوف أن نحقّق شكلاً ممكناً من الحب المتبادل الأصيل مع من نحب ؟.
_________
*روائية ومترجمة من العراق/المدى

شاهد أيضاً

طريق الحكمة، طريق السلام: كيف يفكّر “الدالاي لاما”؟ (4)

ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي       يُعدّ الدالاي لاما إحدى أكثر الشخصيات أهمية في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *