الرئيسية / وكان أن استقال من الحياة

وكان أن استقال من الحياة


سميحة خريس *


هو، مؤنس الرزاز، الغائب المقيم.
ليس ذاك لأننا نتذكره كل يوم، فكما كل البشر نحن ننسى، تتبدل الفصول وتتقلب الأعوام عاماً بعد عام ننأى عن المكان، ويبدو الزمان الذي جمعنا حلماً جميلاً مر في نوم، وبحزن أقول: رغم أنه اختار لغة التواصل التي لا تفنى، وأعطي للكلام ضياءه، فإننا نمعن في النسيان. 

كم ندوة أدبية نقدية مرّت لم يذكروا فيها اسم مؤنس؟! كم مرة عددوا الكتاب الأردنيين المنسيين أحياءً وأمواتاً فمَرّ اسمه.. عدا إشاحة الوجه عنه نقدياً! قد لا يكون هذا التقييم شاملاً عاماً، فهناك من اكتشفوا موقعه في الأدب العربي، وهناك من يقدّرون نموذجه الإنساني الفريد، ولكن سيل الحياة الجارف يجعل من هؤلاء فقاعات قليلة تطفو ثم تنطفئ.
في كل الأحوال هو لم يكن معنياً بهذا التخليد الذي يعنينا معشر الكتاب، أظنه واحداً من الذين اعتنقوا العبثية مذهباً وقناعة، وتمثلوها في صميم وجدانهم وبكل قناعة، يقول في مخطوته المعنونة «اعترافات روائي»: «ماذا أريد من هذه الحياة؟ أن أصبح روائياً قامته شاهقة كقامة همنغواي؟ إذن لماذا وضع همنغواي حداً لحياته وهو في عز تألقه. هذا فتات، زخرف الدنيا فتات».


لم ننشر مخطوطاته الأكثر غوصاً داخل روحه حتى الآن وقد مضة اثنا عشر عاماً على رحيله، وكان قد نشر نتفاً منها ومقاطع متفرقة في مجلة «أفكار» وفي صحيفة «الرأي»، ولكن القالب الكامل لتلك الحياة الجوانية لم يُمنح ترخيص الظهور إلى النور بعد. فقد كان مؤنس مختلفاً خلافياً لا يمكن فهمه بصورة محايدة، رغم أنني وبمعرفتي القريبة منه، عرفت رجلاً قادراً على تفتيت روحه ببراءة وصفاء وتقديمها عارية مكشوفة على كفّ يده من دون تردد. كان أشبه بالطفل الذي لم يتعلم بعد أن هناك ما يقال وما لا يقال.
كيف إذاً بعد غيابه وتذكّره الموسمي كلما اقترب تاريخ يطابق تاريخ رحيله، والصبر عليه عاماً كاملاً لتتم استعادته مجدداً.. كيف يمكنني وصفه بـ «المقيم»؟


ربما لأنه مقيم فِـيّ، لا أحتاج إلى تذكّر مؤنس بالتحديد يومياً، ولكني لن أفلت من درس الحياة الذي تعلمته بقليل من الاقتراب الصادق الناصع الذي كان بيننا، في عينيه المتعبتين الذاهبتين إلى الرحيل كما كلماته وهو يغازل الموت، رأيت نبل التجربة العربية التي خبرها واكتوى بنارها وأصبحتْ حين التقينا ناراً على ورق، لم أعِ أنها ما زالت تحرق روحه وتعيش في شراينيه إلا حين قرأت اعترافاته بعد رحيله.. 
لقد ظل هذا الرجل صامتاً عن أقرب وأصدق تجربة معاشة مع السياسيين الذين لاعبوا وطننا العربي لعقود. كان صمته في هذا المجال علوّاً أخلاقياً وإنسانياً وصدقاً وطنياً يجعله يغلّب مصلحة الأمة على هذر الكلام الذي قد يهز دولاً. اليوم أراه مقيماً في وعيي السياسي، إذ كي تفهم الأوضاع يجب أن يتاح لك أن تكون في قلب النار ثم خارجها، وهذا ما حدث مع آل الرزاز، عموم عشائر آل الرزاز الذين لا يزيد تعدادهم على «نفرَين ونصف» على حد تعبيره. 
هذه التجربة الغنية، يجب أن توضع بين أيدي الناس الذين لا يفهمون لِمَ وكيف ومتى دخلنا هذا النفق المعتم الذي نعيشه على الصعيد السياسي اليوم، كما ظلوا عاجزين عن الفصل بين الفكرة العظيمة وبين مطبقيها من البشر المثقَلين بالخطايا. 


مؤنس بحسه الإنساني العالي كان ضد الظلم والقهر والعنف، لا يقبل بمقولة الغاية تبرر الوسيلة، كما تمكن من الانعتاق من مرض التأليه والتمجيد الذي ضرب فيروسُه معظمَ المثقفين العرب، ناهيك عن العامة.. وبوعيه الفكري والسياسي العميق، وهو ابن المفكر منيف الرزاز، كان مدركاً لتقاطعات المصالح والرغبات والضرورات، وهو كفنان مرهف الحس اختار الجمال والصدق مع نفسه والناس. بصورة أو بأخرى كنت تلميذة هذه المدرسة المتمثلة في شخص.. أحاول أن أتعلم منه كيف نفهم الحياة ونحبها ونزهد فيها في اللحظة نفسها.. وكنت محظوظة بمعرفته ثم بقراءة اعترافاته.
هذا الرجل المثقل بالحكايا والأسرار التي عاشها وخبرها، ظل وفياً للصدق في تعاملاته، مخلصاً في البحث عن الجمال والحق، قادراً وبصورة فذة لا تتاح لكل منا على سبر أغوار أي شخصية تقترب منها وفهمها على نحو سليم، والأغرب من ذلك، أنه كان قادراً على مسامحتها وتقدير نقاط ضعفها، لهذا حين يعْجَبُ الصحبُ من اختلاف الفئات التي كانت تحوم حوله من شلل الأصدقاء أو الندامى المنفردين الذين يتفاوتون فكرياً وخلقياً، كنت لا أرى في ذلك تناقضاً بقدر ما كان قدرة على قبول الناس كما هم ومحبتهم على علاّتهم، يستأنس مؤنس بالناس وهو المستوحش في أعماقه، ولكن بالمقابل يستأنسون به فهو المؤنس، روحه الصادقة تمس قلوبهم، وبراءته تمسح اللون الرمادي الذي لوّن كبرياءهم، وجلساته مناقشة في الحياة بكل ظلالها ومختلف ضروبها، مناقشة ثرية يخرج منها المتحاورون وقد أضيف إلى فهمهم للحياة معنى جديد.. 
بهذا المقياس أقيس قدرة الرجل على جمع الصحاب الذين تفاوتت اهتماماتهم ودوافعهم وغاياتهم. إلا أن هذا الرجل القادر على خلق مناخ اجتماعي حيوي حوله من المثقفين والسياسيين والفنانين والبسطاء، كان يشعر بالوحشة التامة.
هل يمكن أن نُرجع أمر هذه الوحشة للظروف الاجتماعية، أو للخبرات القاصمة التي خبرها في حياته السياسية، أم لقلق الفنان، أم لحالة الاكتئاب المرَضية التي تنتابه ولم يخجله البوح بها؟! كل هذه الظروف مجتمعة جعلت من مؤنس ما كان عليه. لا يمكن الادعاء أن حدثاً تسبّبَ في آخَر، فقد اجتمعت كلها من دون ترتيب لتكون حياته الموجعة على الرغم من ظاهرها البهي، لهذا نراه يُقْبل على الموت مندفعاً مختاراً ويقول في اعترافاته: «أستقيل من الحياة. ولِمَ لا؟ ألا يحق لي أن أتقاعد بعد ألف حرب وحرب؟»
رحل مؤنس كما كان يحدس في العام 2002، لكنه وهو الغائب مقيم فينا ما أقامت التجربة الإنسانية الفريدة، وسنظل دائماً نذكر أن من حقه علينا استرجاعه دائماً لا أن نكتفي بذكراه السنوية.
كل ما سلف قد يكون تقييماً يعني أصدقاءه والذين عرفوه، وهو وإن كان يمثل نموذجاً لثراء الإنسان المعنوي الذي عصرته التجارب إلا أن السؤال يظل مشروعاً: لماذا مؤنس؟! وما الذي يعنيه للأجيال القادمة؟! 
أعتقد أن مؤنساً كان حجر أساس في بناء الثقافة والإبداع الأردني، فهو بتجربته الشخصية يمثل جيلاً عانى بصمت واطّلع على مفاصل الحياة العربية وهي تتفكك وتحاول تجمعاً، لكنه أيضاً كمبدع ترك إرثاً ابداعياً مكتوباً يستوجب المزيد من الفحص والتمحيص والتحليل، كما أظن أن عدداً من المبدعين الذين جاءوا بعده أشاروا إلى بصماته كاتجاه وتجربة في ابداعهم وهذا مساق آخر يستحق الدراسة، خصوصاً أننا نقول مراراً وتكراراً إن الأدب الأردني في مجال الرواية ليس له آباء من بلده وكلنا نمونا على ما ارتوينا به من أدب عربي وعالمي. حتى الروائيان الأبرز (نيسير السبول وغالب هلسا)لم يشكلا مدرسة بالمعنى المعروف نقدياً، فتجربة تيسير أحادية ومختلفة، وتجربة غالب الثرية لم تكن بين أيدي مثقفي الأردن ومبدعيه على النحو الذي قد تترك فيه مريدين يقْتفون نموذجه، نظراً لظروف منع كتبه لزمن غير يسير.
لهذا سيبدو مؤنس ورفاقه من الجيل نفسه أَولى بترك بصماتهم على خريطة الإبداع مما يقتضي مزيداً من الدراسة وتسليط الأضواء على تلك الزاوية، لعلنا أحوج ما نكون إلى دراسة كل الأعاصير التي انتهت بمبدع من وسط مفكر كي يصبح عبثياً في كتاباته وحياته التي انتهت كما تتوقف عقارب ساعة منتظمة عن الدوران. 
بوابةٌ عريضة تنفتح للدارس إنْ تأمّلَ ذلك المبدع يبوح: «أستقيل من الحياة. ولِمَ لا؟ ألا يحق لي أن أتقاعد بعد ألف حرب وحرب؟ إذن، فلْيُنْهِ مسؤول خدماتي ويحوّلني على الاستيداع. أسحب أوراق اعتمادي بهذه الحياة العامة، بعالم الضاد هذا. بكل درب أحببتها ومشيتها حافي القدمين أستمتع بدفء جمرها، ماذا أريد من هذه الحياة؟ أن أصبح روائياً قامته شاهقة كقامة همنغواي؟ إذن لماذا وضع همنغواي حداً لحياته وهو في عز تألُّقه. هذا فتات، زخرف الدنيا فتات. ما الدور الذي أتطلع إلى تقمصه؟! ها هم جميعاً في قبورهم تحت الأرض مع الدود وبقايا الياسمين: القيصر ولينين، مونتغمري ورومل. كلهم تحت التراب سواسية. إذن ما جدوى أن تلعب دور المنتصر أو المهزوم؟ عبث عبث». 
* روائية وإعلامية من الأردن

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *