الرئيسية / إضاءات / أبــــي..

أبــــي..


منيف مؤنس الرزاز*




الطفولة ليست دائماً سهلة، كيف لا وقد نشأتُ في بيتٍ يُعدُّ من بيوت المرحلة الثانية لنتائج التجربة المرّة بالنسبة لجيل خاضها إلى نهايتها بنتائجها المدمرة.
لقد فهمتُ أبي متأخراً بسبب رحيله المبكر. في الصغر كنت أراه كشخصين؛ مؤنس الذي دخل في صراعات منذ الطفولة وحاربها إلى آخر نَفَس، والتي أخرجت الأديبَ مرهف الحسّ.. ومؤنس الأب الذي كان دائماً بجانبي يغمرني بحنان الأبوّة ويُشعرني أنه الصخرة التي أتكئ عليها عندما أحتاج، صاحب الحسّ الفكاهيّ ومحبّ السيدة فيروز.
كان من عاداتنا الأسبوعية أن يأخذني لشراء الكتب في يوم الأحد.
أذكر أنه أهداني كتاب «عالم صوفي» في عيد مولدي الرابع عشر، وقال:
«لقد حان وقتُ تعرّفك على عالم الفلسفة».
أحياناً، كان يجمعنا حوله ويحدّثنا عن طفولته وفترة شبابه، بأحاسيس مثقلة ما بين الإعجاب المدهش بأبيه وجيله المتنوِّر، وبين الندم والمرارة والاعتصار لما آلت إليه النتائج، لقد كان يعيش تلك المشاعر والنتائج معظم الوقت، لكنه كان، في أغلب الأوقات، يقاتل بشراسة ليعطينا الشعور بالأمان والأمل بمستقبل أفضل وتجارب أنجح.
لم يتخلَّ مؤنس عن الحلم ولم يتخلَّ الحلمُ عنه.
وأنا اليوم، أقرأ كتبه وأحاول أن أفهمه أكثر، أشعر أنه ما زال معي، وأحاول أن أُبقي بعضها للمستقبل، كي أقرأ كلمات لم أسمعها منه، فسأسمعها للمرة الأولى عندئذٍ؛ لأبقيه حياً.. ولو في القلب. 
رحمك الله يا والدي..

( الرأي الثقافي )

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *