الرئيسية / نصوص / سمكة سلمون تقفز فتضطرب السّحُب في النهر

سمكة سلمون تقفز فتضطرب السّحُب في النهر


ترجمة: خالد النجار


كثيراً ما تبدو قصيدة الهايكو، وللوهلة الأولى في الترجمات، شكلاً شعريّاً مقتصداً في اللفظ يسير التناول؛ فهي لا تتجاوز بضع كلمات موزَّعة على ثلاثة أسطر، وقد تذكرك بقصيدة البيت الواحد في التراث العربي، بل كانت في البدء تُكتَب في سطر واحد شاقولي ثم انشطرت إلى مقاطع ثلاثة. بيد أنّها- وكما يقول نقّادها- ليست بكل ذاك اليسر وتلك الخفة التي تتبدّى للقارئ في الترجمات، إذ لها بنية إيقاعية صارمة تتشكَّل من سبعة عشر إيقاعاً مضبوطة بلا نقصان أو زيادة تتوزّع بالتناوب على الأسطر الثلاثة: السطر الأوّل خمسة إيقاعات، والسطر الثاني سبعة إيقاعات، والسطر الثالث خمسة إيقاعات. وهي من ناحية المحتوى والمضمون- وكما يحدِّدها نقّادها- ليست قولاً مأثوراً ولا حكمة ولا مثلاً سائراً ولا آبدة. الهايكو هو اقتناص لحظة من عبور الزمن في الطبيعة؛ لذلك كثيراً ما يأتي فيها ذكر الفصل من السنة. هل أقول تلك اللمعة الومضة كما ترتسم في ذات الراهب مثل شعاعة شمس في قطرة ماء، وكما يصفها النقاد سهم يأخذنا إلى مركز للحياة؟ وهي لا تصف العالم رغم توسُّلها مواد الطبيعة، بل تقدّم صورة العالم وارتسام العالم في ذات الشاعر، العالم في لحظة خاطفة من عبوره. 
ولأن كلّ لحظة هي واقعة متفرِّدة فكل قصيدة هايكو متفرِّدة، والشاعر يسمّي الأشياء دون إقحام عاطفة أو فكرة، وعلى القارئ اكتشاف المخفي اكتشاف جسد النص الروحي. يقول الشاعر توهو: «تثبّت قصيدة الهايكو الأشياء الزائلة في برهة معيّنة وقبل أن تنطفئ في الروح… الهايكو يصوِّر لحظة عابرة تهزّ القارئ». ويقول باشو وهو أحد أكبر شعراء الهايكو الكلاسيكيين: «الهايكو الجيّد هو على صورة نهر قليل العمق حيث نلمح في سريره الرّمل الدقيق».
ريح خفيفة
تنبعث 
من غناء الزيزان 
(عيسى)
فوق الجدول
يسابق اليعسوب 
صورته المنعكسة على الماء
(شيو)
والهايكو حسّ صوفي بالعالم فليس لدى اليابانيين ذاك الفصل بين المقدس والمادي الذي نجده في ثقافات المتوسط والغرب الحديث لذلك كثيراً ما مارسه الرهبان الزّان ZEN . الهايكو هو ذاك اللاّشيء الذي يمضي بنا إلى أعماق العالم.
خمسة وعشرون هايكو
غناء زيز الحصاد
أسمعه
وهو يلمس القمر
(مجهول)
***
في عيني القطة
لون بحار
آخر الصيف 
(يوري)
***
جرس الأقاصي
كم يترجّع وصوله
في ضباب الربيع
(أونيتسورا)
***
بعدما تأمَّلت القمر
ظلي عاد معي
إلى البيت
(صودو)
***
في الماء الذي أخرجه من البئر
تلتمع بداية
الربيع
(رانغاي)
***
تويجات الوردة الصفراء
هل ترتعش وتسقط
بفعل ضجيج المياه الهادرة ؟
(باشو)
***
سقطت زهرة كاميليا
صاح ديك
سقطت أخرى
(بايشيتسو)
***
بُحْ للصفصافة
بكل قرفك
بكل رغبات قلبك
(باشو)
***
القبّرة ـ
وحيداً يسقط صوتها
و هي لا مرئيّة
(آمبو)
***
القبّرة وهي تغنّي
تغيّر شكل
الغيوم
(زاين)
***
الفراشة 
راكسة فوق جرس المعبد
نائمة
(بيزون)
***
مولهة بالزهور
مذهولة بالقمر
الفراشة 
(شورا)
***
الشمس الغاربة
تتوانى فوق ذيل
التدرُّج الذهبي
(بيزون)
***
قمر الصّيف
مسّه خيط
قصبة الصيّاد
(شيوـ ني)
***
برد اللّيل
من ضجيج الماء
المتقاطر في البئر
(إيسا) 
***
عار 
فوق حصان عار
تحت المطر النازل شآبيب
(سامبو)
***
السمكة الصغيرة
مندفعة إلى الخلف
في المياه الوضيئة
(كيتو)
***
هيكل بوذا انطفأت أنواره
فالغرفة بأيدي
الدمى
(غيودي)
***
سمكة سلمون تقفز
فتضطرب السّحُب
في سرير النهر
(أونيتسورا) 
***
داخل اللّيل الطويل 
صوت الماء
يقول ما أفكر فيه
(غوشيكي)
***
السمكة وراء زجاج النافذة 
منبهرة 
بهذا الصباح الخريفي
(يوزه بيزون)
***
كم هو محزن 
أن تسرِّح حصاناً 
وحيداً في الفراغ! 
(رويكان)
***
حاملاً قنديله 
يذرع الرجل بستانه 
وهو يبكي الربيع
(يوزه بيزون)
***
في ريح الشتاء الباردة 
رجل ثابت النظرات 
يمرّ فوق حصان
(رويكان)
***
من أحلامي يأتي
النقيق البعيد 
للضفادع الخضراء
(رويكان)
______
*الدوحة

شاهد أيضاً

أغنية محشوة بالريش

خاص- ثقافات *عبد الرحيم التوراني في غرفة الانتظار ظلوا مدثرين بالصمت، وبقوا على حالهم هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *