الرئيسية / قراءات / تجوع الحرة وتدخل الجنة بثدييها …!

تجوع الحرة وتدخل الجنة بثدييها …!



سعد برغل *























عندما يُجوّع النّسق الفكري الحرّة ويشرّدها بعيدا عن موطنها ومكتسبات ثقافتها هل يجوز لها أن تأكل من ثدييها وعندما يدفعها الفراغ الروحي إلى أن تقطع أميالا وبلدانا وتقدّم جسدها قربانا لغريب هل يجوز لنا أن نتحدّث عن عصمة ومحصّنات وقذف من المنظور الدّيني؟ عندما تشّل مجموعات من المرتزقة باسم الدّين كلّ قدرة عقلية عند المرأة وتدفعها إلى انتظار أجرها في الآخرة وتقنعها أنّه من حقّ الرّجل تحصيل المتعة في الدّارين وأنّها جارية ، اليوم وغدا ، وأن هذا الملتحي العفن يطؤها اليوم محصّلا لذّة عاجلة منتظرا لذّة آجلة مع الحور الحسان اللواتي تأتين بمجرّد صعود الروح إلى خالقها عزّ وجلّ ، وقبل أن يُواريه إخوته تجّار الدّين التّراب سيُدشّن عصر الاستمتاع بحوريات ما عرف لهنّ البشر في تاريخ ملكات جمال العالم نظيرا، عندما تَهب تونسيّة جسدها ، وهي التي تربّت منذ صغرها على صون كّل جزء منها فعلينا أن نطرح سؤالين مهمّين:

أوّلهما أية قدرة حجاجيّة فقهية مكّنت فقهاء البعير من إقناع تونسية وراء محيطها الثقافي والاجتماعي وذهنيتها المجتعيّة وأنساق إنتاج المعنى الاجتماعي قرن من الفكر الإصلاحي التونسيّ الذي ارتبط أوّلا وأساسا بانّ إصلاح الأمّة لا يكون إلا بإصلاح حال المرأة.؟

ثانيهما، لو لهذا العقل الحجاجي هذه القدرة على رمي الكائنات البشرية في أتّون الحروب كيف له أن يعجز منذ قرون على ابتكار ما يفيد البشريّة من آلات ومن نظرّيات ، وكلّما ازدادت البشريّة تمدّنا ازدادا توحشّا وحنينا إلى أكل كبد العدوّ نيئة في تماه عجيب مع ما أتته “هند بنت عتبة” زوجة أبي سفيان عندما مثّلت بحمزة بن عبد المطّلب عمّ الرسول الكريم، هذا العقل البربري فاته أن يسأل نفسه أهو “الكافر” وذاك الجندي ” المؤمن” ألم يكن بمقدروه أن يأخذ الرسول قدوة عندما عفا عن هند يوم فتح مكّة؟

لست هنا ضدّ المرأة وحريتها وحريّة تعاملها مع ذاتها بما تراه وبما يُقنعها ،ولست ذكرا وصيّا عليها بأي شكل من الأشكال، بل أكثر من ذلك لست مستعدّا للسقوط في المحاسبة الأخلاقية للمرأة من منظور فقهي متردّ في الاقتناع أنّها من ضلع آدم أو أنها الغواية الأولى و أسطورة التفاح الحرام بمختلف الأديان، كلّ ما يعنيني أن أطرح الأسئلة التي كنت، وهما، إلى زمن قريب، مقتنعا أنّ الفكر الإصلاحيّ التونسيّ قد أجاب عليها، لكن مع خروج النسق القروسطي بتونس و ازدهار سوق الاستعباد والاسترقاق بالمعنى الفقهي القديم بدأت أشكّ في أنّ هذا المجتمع الذي نحت بعضه الحدّاد وبعضه عزيزة عثمانة، وبعضه الثعالبي وبعضه محمد الطّاهر ابن عاشور وبعضه بورقيبة وبعضه النّيفر مجتمع يحنّ، في بعض نصفه، إلى أن يسير نحو الجلد وحقّ الرّجل في تأديب زوجته والزواج بأربع و ما المانع أن يكون صاحب ملك يمين، مجتمع يختصر العالم في لحية وجلباب أفغاني،

لقد أرهقنا أصحاب نظرية “الإسلام هو الحلّ” صراخا بقدرتهم على حلّ المشكلات الاجتماعيّة فجرّبهم السودانيون وما أفلحوا و الفلسطينيون وما حرّروا شبرا واليمنيّون وما نهضوا و المصريّون فما تطوّروا والأفغان وما انتقلوا إلى التمدّن ، واليوم بتونس يُمضون على وثيقة سقوط شعاراتهم و اختزال الإسلام في جسد بين النكاح والختان، وفي شكلنة الإسلام ،لعلّي ها هنا في حاجة إلى قراءة وإعادة قراءة الطاهر الحدّاد المعاصر لنا،

لكلّ تلك الهواجس علينا أن نتساءل” لماذا استطاع مناهضو الحدّاد أن يستبدّوا بأوسع فضاءات المجتمع الفكرية والاجتماعية وأن يقدروا على توجيه الرّأي العام ضدّ هذا المفكّر” واليوم يعودون بأسوأ ما كان عليه سلفهم،

“لماذا كان دور المناصرين محدودا، فلم يقدروا أن يمنعوا الرّأي العام من تصنيف الحدّاد ضمن المغضوب عليهم دينيا و أن لا يحدّوا من وعيه بمدى اغترابه في رفضه وشك ّفي مراميه”؟ واليوم يعاني مع ورثة العصر القروسطي هذا العناء،

حتّى نبحث في سؤال لماذا، نكتفي بالإبحار مع الباحثة آمنة الوسلاتي الرميلي في كتابها الجديد الموسوم: “المرأة والمشروع الحداثي في فكر الطّاهر الحدّاد” من تقديم رجا بن سلامة ولوحة غلاف الرّسام نجا المهداوي عن دار صامد للنّشر، إبحار معه سنعرف بعض إجابات عن تلك العقلانية العظيمة ” لماذا” ومعه سنعرف أنّ أقوم السبل ليومنا هو إعادة إنتاج القراءة، قراءة الحدّاد و رفاقه لا ابن تيمية وأيتامه.

* باحث وإعلامي من تونس
( عن موقع  تونيفزيون )

شاهد أيضاً

العدد 40 من مجلة ذوات: الإسلام السياسي وأزمة الانتماء

خاص- ثقافات *عزيز العرباوي كعادتها، تجتهد مجلة ذوات الثقافية الإلكترونية في طرق مواضيع ثقافية وسياسية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *