الرئيسية / فنون / تلك المستوطنة «السّعيدة» التي يُقتل فيها الفلسطينيون

تلك المستوطنة «السّعيدة» التي يُقتل فيها الفلسطينيون



يوسف عبدالعزيز



يجيء النّصّ المسرحي الجديد «المستوطنة السّعيدة» (دار الجندي – القدس 2013 )، للروائي الفلسطيني المعروف أحمد رفيق عوض، ليسلّط الأنظار على جانب مهمّ، من جوانب المأساة الفلسطينية المعاصرة، والذي يتمثّل بالاستيطان الصهيوني، في ظلّ مسرحيّة أخرى اسمها المفاوضات، تجري فصولها على الأرض بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، ولا نتيجة من ورائها إلا مصادرة المزيد من الأرض الفلسطينية، وتكريس الاحتلال الصهيوني كأمر واقع.

ما بين قاعات فندق الملك داود في القدس، وقرية كفر صقر الفلسطينية، وهي قرية متخيَّلة قريبة من رام الله، تجري وقائع هذه المسرحية. ثمّة مستعمرة صهيونية أيضاً، اسمها كفار صقر، تفرض حضورها هنا، فبعد أن تمّ إنشاؤها على أراضي القرية المصادَرة، ها هي تواصل توسّعها، وتحكّمها في حياة أبناء القرية. في هذه الأوضاع المتوتّرة تصل إلى فلسطين، لجنة دولية لتتقصّى الحقائق، حول واقعة الباص الشهيرة، التي قَتَلَ فيها المستوطنون ثلاثين مواطناً من القرية أثناء مرور الباص الذي يقلّهم من خلال المستوطنة.

تشكّلت اللجنة من أربعة خبراء دوليّين هم: كارل (رئيس اللجنة)، وريكهارت، وليفي، وخديجة كأعضاء. وكما تشير الأسماء هنا، سنكتشف أنّ ليفي هو من أصول يهودية، وأنّ خديجة من أصول عربية، مع فارق بين الشخصيّتين وطبيعة انتمائهما، فليفي، وعلى رغم جنسيته الأميركية، إلا أنّه ظلّ من المخلصين لإسرائيل، بينما نجد خديجة، التي ارتحلت عن بلادها، وأقامت في فرنسا، تتمثّل في حياتها الثقافة الغربية، وتحاول قدر الإمكان أن تتخلّص من إرثها الثقافي. ما يتعلّق بكلّ من كارل وريكهارت، نجد أنّهما مجرّد شخصين عاديّين لا يؤثّران في عمل اللجنة، وذلك مقابل ليفي الذي هو الآمر والنّاهي، والذي يقول عنه ريكهارت: «إنّه حاملة طائرات من الصّحف والمحطّات والمراكز والمناصب والجمعيّات والشخصيّات، وما نعرف وما لا نعرف». سنرى لاحقاً أنّ ليفي هذا سيتحكّم بعمل اللجنة في شكل كامل، وسيجيّر كلّ شيء لمصلحة المستوطنين، وهذا يذكّرنا باللجان الدولية الكثيرة التي تشكّلها الأمم المتّحدة، والتي هي لجان مختَرَقة من قبل الطّرف الإسرائيلي.

على مدار عام كامل، ظلّت اللجنة تعقد جلساتها، فتستمع إلى الشهود، وتقوم ببعض الجولات الميدانية، ولكن من دون فائدة تُذكَر. في هذه الأثناء تتفاقم أوضاع القرية الفلسطينية، وتزداد سوءاً، وذلك في ظل الاعتداءات المتكرّرة التي تتعرّض لها من مستوطني المستعمرة. بالتّزامن مع الانشغال بحادثة الباص، كان الحديث يدور حول عمليّة تهريب لقطع سيّارات، حدثت بين بافلوف (حارس بوّابة المستعمرة) وسائق الباص. غير أن تلك العملية المفبركة لم تكن إلا من أجل الالتفاف على عملية القتل، والذّهاب بها إلى نهايات غامضة. وزيادةً في افتعال هذا الغموض قامت السلطات الإسرائيلية في البداية باعتقال السائق، ثمّ أعلنت فيما بعد عن مقتله، الأمر الذي أدّى في النهاية إلى غياب شاهد أساسي من شهود الجريمة.

أثناء المناقشات الدائرة بين أعضاء اللجنة، كان التّحيّز يبدو واضحاً لمصلحة المستوطنين، فهؤلاء عملوا على إقامة مدينة متطوّرة وفق النّموذج الغربي! وذلك أمام الفلاحين الفلسطينيين الذين ظلّوا يعيشون أوضاعاً مزرية. في تلك المناقشات كان يُشار إلى حقوق اليهود التاريخيّة في الأرض! كقول ليفي رئيس اللجنة، معقّباً على مداخلة لكارل: «ولكنه يعرف بالتأكيد الصّلة الخاصّة لليهود بهذه الأرض، وادّعاءاتهم القويّة ذات الصدقيّة، على عكس شعوب وجماعات أخرى». ثمّ حين يعلن كارل عن ضرورة أن تأخذ اللجنة حساسيّات الجميع في الاعتبار، يردّ عليه ليفي قائلاً: «ليس الجميع سواء»، و «من غير المعقول أن يطلب الفلسطينيون المساواة في الدّم مع اليهود».

وبسبب كلّ هذه المعتقدات المسبقة عند أعضاء اللجنة، بخاصّةً ليفي، فقد كان عمل اللجنة يبدو مجرّد تسلية! يؤكّد ما نذهب إليه، المشاهد الأولى في هذه المسرحيّة، حيث يظهر كلّ من ريكهارت وخديجة في حالة حب، وكأنّهما لا يكترثان بهموم اللجنة، وما جاءا من أجله.

استمر عمل اللجنة سنة كاملة، من دون أن تنجز شيئاً! وخلال هذه المدّة الطّويلة قام المستوطنون بمزيد من أعمال القتل، كما أنّهم استولوا على نصف أراضي القرية العربية. وفي كلّ مرّة كان أعضاء الوفد الفلسطيني يقدّمون الشكوى تلو الأخرى، ولكن من دون فائدة. كانت اللجنة تعتذر لهم قائلةً إنّ ذلك كلّه ليس من اختصاصها. في نهاية المسرحية أصدرت اللجنة توصيتها: «إنّ تلك الجريمة كانت بسبب تصفيات في العالم السّفلي، ولا بدّ من العمل على إنشاء أوضاع كفيلة، بالفصل بين الجماعات السّكّانية».

لماذا لا تفرح المستعمرة إذاً، وتكون سعيدة! فها هي تتوسّع على حساب أراضي القرية العربية، وها هم مستوطنوها يبطشون بالمواطنين العرب، فيقتلون منهم ما يشاؤون من دون أن يعاقبهم أحد!

ما يمكن الإشارة إليه هو التّطابق الذي يكاد يكون كاملاً، بين أحداث المسرحية، والمفاوضات التي تجرى على أرض الواقع. لقد ابتدأت هذه المفاوضات منذ زمن بعيد، بين الطّرفين الفلسطيني والإسرائيلي، وتبدّلت أجيال من المفاوِضين، ولكن من غير أن يتحقّق من ورائها أيّ شيء إيجابي للشعب الفلسطيني. على العكس من ذلك نرى أن عمليّة التفاوض برمّتها كانت مجرّد تغطية على الجريمة المتمثّلة بسرقة الأرض الفلسطينية، لمصلحة بناء المستعمرات. المسرحية هنا هي بمثابة صرخة احتجاج على ما يحدث، وذلك أمام المصير الفاجع الذي يتهدّد الشّعب الفلسطيني الذي سيصبح مشرّداً في وطنه.

* شاعر من الأردن
( الحياة )

شاهد أيضاً

نساء مكتهلات من تلك الأزمنة الأخرى

*مبارك حسني هو العمل السينمائي الثاني للمخرج الشاب محمد أشاور في مجال الإخراج السينمائي بعد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *