الرئيسية / مقالات / ترويض العقل

ترويض العقل


*حسين نشوان

قسّم العالم الإنجليزي السير جمس فريزر في كتابه «الغصن الذهبي» تطور المعرفة الإنسانية تاريخياً إلى عدد من المراحل، منها: السحر، الأسطورة، الفلسفة، الدين ثم العلم. ويقول إن الفرق بين السحر كوسيلة بدائية للمعرفة وبين العلم، هو فرق كمي وليس نوعياً، فالساحر الذي كان يقوم بطقوس التعاويذ، هو نفسه الذي يقوم بمراسم الزواج والدفن ومنح البركة كوسائل أو متوسلات السلطة، وهو يقوم بعمله وفق خطوات وعمليات تتصل بالتأثير في الأشياء أو الكائنات بالطريقة نفسها التي يقوم بها الباحث في مختبره، إلا أن الأخير لا يستطيع تعميم معارفه أو خبراته بسبب غياب النهج، ولا يملك السبيل له، ولا يريد ذلك لاعتباراتٍ تتعلق بأسرار العمل، ونزعة السيطرة والتفرد بالسلطة التي تمنحه إياها قوة الوهم والخوف. والسحر على أي حال، هو طريقة ليس لمعرفة العالم، بل لفهم تكرارية بعض الظواهر، وتوقعها وترويضها، وهو ما قصده فريزر بمشابهة العلم والسحر، فالعلم يسعى إلى تفسير العالم والطبيعة والوجود بالأسباب والحقائق وتكرار الظواهر وثبوت النتائج وفق سياق منطقي عقلي، بينما يكتفي السحر بالمحاكاة، ومن هنا عدّ فريزر أن الفلسفة في اشتغالها على الدليل المنطقي قد «اكشفت العقل» بوصفه طاقة ونقطة قيادية من جهة، وفي كونه أداة قادرة على القيام بعمليات متتالية ومنظمة، تقوم على الفهم والاستيعاب والتحليل والتركيب والنقد، وأداة موضوعية للحكم، فهو أداة قادرة على السيطرة على نزعات الجسد ونزوات النفس التي تتدرج بين الحاجات الأساسية البيولوجية والأمن وتحقيق الذات كأعلى حالة للكائن الإنساني. كان اكتشاف العقل كفكرة ليس مجرد اكتشاف لوظيفة جهاز في الجسم، بل كان مرحلة مهمة في تطور الكينونة الإنسانية من الحالة الغريزية إلى الوعي، ومن التفكير الحسي إلى المجرد، وبالنسبة للمجتمعات كانت مرحلة انتقال من الطفولة إلى النضج الذي يمكن الإنسان من التمييز بين الخير والشر، الجمال والقبح، وترتيب الأولويات وبروز المنظومات القيمية. لكن المشكلة في العقل البشري أن تحولات المعرفة وتطورها بمقدار ما تمثل تجاوزاً للماضي، إلا أنها في الآن نفسه لا تستطيع التخلص من المتبقيات «اللاعقلية» في مخزونه المعرفي الجمعي، ومن هنا يمكن أن تجد الكثير من الأفراد الذين حصلوا على قدر كبير من الثقافة والعلوم، ما يزالون أسرى الكثير من المعتقدات الساذجة والخزعبلات. وهو ما يفسر الاختلاف بين العقل البيولوجي والعقل الأدواتي من «الأداة» التي يفترض أن تتسم بالموضوعية التي تعني أن الحقيقة خارج العقل. بالعودة على بدء، فإن تقسيمات فريزر وتصنيفاته للمعرفة التي تقوم على التطور تفترض أن العلم والحداثة وما بعدهما، وتحديدا التكنولوجيا والأتمتة قد قلصتا «المتبقيات» البدائية في العقل البشري، ومنها السحر والأساطير والخرافات والخزعبلات والانحرافات لنداء الغرائز. لكن الواقع أن التقنيات الحديثة ومنها شبكات التواصل الاجتماعي وألعاب المحاكاة: «العالم الافتراضي»، قد ساهمت في تعبئة الكثير من المساحات في العقل العربي بالوهم. كما ساهمت الفضائيات في توسيع وسيلة المعرفة الشفاهية القائمة على السماع والنقل وليس العقل التي تدغدغ الفراغ. وإذا كان لكل زمان أسطورته بالمعنى الذي قصده لاكان، «الأسطورة مرض في اللغة»، فإن تجليات العالم الافتراضي والفضائيات، قد أعادت العقل إلى شرنقته الأولى التي تقيم في زمنها البدائي ويسيطر عليه السحَرة بنارهم وبخورهم.. أولئك الذين يروضون العقل ويعطلون وظائفه ويربكون مقدرته بوسائل الخوف والغنيمة.

_________
*(الرأي)

شاهد أيضاً

هواجس الفكر العربي

*العربي الحميدي هل العيش تحت تأثير اللامبالاة والتوافق مع الجهل، هو الذي  جعل الفكر العربي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *