الرئيسية / فنون / ربيع الشارع وخريفه في ” أيام الشارقة المسرحية “..

ربيع الشارع وخريفه في ” أيام الشارقة المسرحية “..



إبراهيم الملا



تمتّعت الدورة الثالثة والعشرين من مهرجان أيام الشارقة المسرحية والتي أقيمت في الفترة من السابع عشر وحتى السابع والعشرين من شهر مارس الجاري، بوفرة العروض المتماسة مع راهن الحراك الأيديولوجي والاجتماعي الذي تفجر في المنطقة مؤخرا، وهو تماس لم يخل من أسئلة مقلقة حول نتائج هذا الحراك، وتوجيهه نحو خيارات عنيفة ودموية، وتحجيمه وسط مسارات مشوشة، لم تتقاطع ولم تلتق مع الخيال اليوتوبي أو الطوباوي لصانعيها، ونذكر من هذه العروض «شهيد التين»، و»التريللا» و»مساء الورد»، و»نهارات علّول»، بالإضافة إلى عرض الافتتاح الذي تزاحمت فيه التأويلات والإحالات المنعكسة على الواقع العربي الحالي، وقدمت معظم تلك العروض ما يشبه الصيغة الفنية واللغة السردية المتشكلة في فضاء من النقد والمراجعة والتمعّن ولو في أجزاء ساطعة وظاهرة على سطح هذه التغيرات والثورات والاحتدامات الفكرية والسياسية والعقائدية لما وصفه البعض (بالربيع العربي)، وما وصفه البعض الآخر (بخريف الفوضى).

كان اليوم الأول في المهرجان على موعد مع عرض لم يخل من اسقاطات واستعادات لزمن الانقلابات الثورية العسكرية التي لوّنت المشهد العربي قبل أربع وأربعين عاما، ودمغته بالكثير من الدماء والدموع والخطابات التحررية اللامعة، والتي تحولت مع مضي الزمن وانكشاف الصورة الكاملة إلى خطابات مكبّلة وظلامية تغذت على الجهل والتخلف والميكيافيللية الضيقة الأطر، القائمة على الاستبداد وعزل الشعوب في كانتونات مسوّرة وشائكة وقائمة على ثلاثية الرعب والفقر والخنوع المطلق.

التحول العجائبي





وهكذا استعاد عرض افتتاح أيام الشارقة المسرحية، وهو عرض «الديكتاتور» للمخرجة اللبنانية لينا أبيض، ما كتبه في العام 1968 المؤلف المسرحي الراحل عصام محفوظ، وقدمه كوثيقة تنبؤية تقرأ وبحنكة سيكيولوجية ما يمكن أن نطلق عليه: (التحول العجائبي في الشخصية المضطهدة)، وذلك عندما تلجأ الضحية ــ وفي لحظة الانتصار والنشوة المسكرة ــ لتقمص دور الجلاد ذاته، والتي كافحت الضحية وناضلت لسنوات من أجل تغيير النمط الاستبدادي الخانق، ومنح الحرية والكرامة للمسحوقين تحت وطأة هذا النمط. 

وبدا للمتفرج ومنذ إطلالته الأولى على سينوغرافيا العرض وعلى الشخصيتين الرئيسيتين فيه، أن المعالجة الإخراجية الجديدة للنص من قبل لينا أبيض واستعانتها بالممثلتين جوليا قصار وعايدة صبرا، بدلا من الشخصيتين الذكوريتين في النص الأصلي، هي معالجة ستعمل في حقل التقمص وتبادل الأدوار بين الذكورة كسلطة خارجية متباهية بذاتها وقوتها، وبين الأنوثة كطبقة مقموعة ومهمشة ولكنها في ذات الوقت تناور على وضعها وتتجاوز ضعفها من خلال المقاومة الداخلية الناعمة التي يمكن إحالتها وإلحاقها بتكنيكات دفاعية وغريزية مثل الحيلة والدهاء والمكيدة التي تختزنها الأنثى وتستنجد بها في هكذا ظروف ومواقف، ومن هنا أيضا تلتقط لينا أبيض قفاز التحدي وتدمج ما هو هشّ ورقيق افتراضا مع هو صلد وشرس واقعا، وكأن الزمن يعيد نفسه، وكأن ما حدث قبل أربع وأربعين عاما من انقلابات ثورية في الوطن العربية يمكن أن يتكرر تحت لبوس وأقنعة وشعارات جديدة ولامعة ولكنها تخفي الكثير من العسف المتواري والاستبداد المبطن والقابل للانفجار في أية لحظة.

يتأسس ثقل العرض وتأثيره داخل فضاء مغلق وشكوكي بامتياز، بحيث تبقى الأحداث الحقيقية الكبرى في الخارج مثل هروب الملك والصدامات والمعارك والخيانات وكأنها تنتقل من الهامش التخيلي إلى اللعبة الدرامية الحارة والمتصادمة والمدوّخة التي تدور بين الديكتاتور وخادمه في واجهة الخشبة، وفي هذا المناخ المحتشد بحالات هذيانية لشخصيتين تتناوب في أعماقهما مشاعر الخنوع مع مشاعر القوة، وكوابح الاستلاب مع دوافع الهيمنة، ينتهي الأمر إلى أن يقتل الجنرال خادمة كأضحية لخلاص نفسي ضد ملك أو عدو لا يمكن الظفر به أو ضد شعب لا يمكن تحويله إلى قطيع مسلوب الإرادة أو إلى قطع شطرنج ونسخة هلامية من الديكتاتور ذاته.

استطاعت لينا أبيض في هذا العمل الأنثوي شكلا ومبنى وتعبيرا، أن تتجاوز الثنائيات البيولوجية بين المرأة والرجل، وأن تستحضر الزمن القديم للنص إلى الزمن الحاضر من خلال عناصر مكثفة ومكتنزة عند رسمها لشخصيتي السيد والعبد، وعند لجوئها للمرايا كي تعكس وتكشف ما هو مضمر وخفي في الدراما البشرية ذاتها وبكل تناقضاتها وجنونها وتطرّفها، كما أن المخرجة استطاعت أن توظف الإضاءة وتعدد الألوان المنعكسة على عمق الخشبة كي تبث الكثير من الإشارات والدلالات الموجعة المعبّرة عن ميراث الدمار المستشري مثل جينات لعينة في جسد الأرض، وفي هوس الفكرة ابتداء من رأس الهرم المتفرد والمتعالي والقابل للتبخّر أيضا، وليس انتهاء بالقاعدة المطمورة تحت حذاء عملاق يطحن ما تحته ولا يبالي. 

الفوضى الحاكمة 

فكرة القمع ستكون حاضرة أيضا في عرض «مساء الورد» للمؤلف والمخرج محمود أبو العباس الذي لوّن عرضه بشعرية القسوة المستحضرة من مخيلة أب يبحث عن ملجأ له ولابنتيه وسط فوضى محيطة لا يكن توقع نتائجها الخطرة، وعندما يلجأ هذا الأب الكهل والمنهك إلى قبو السجن القديم الذي عمل فيه طباخا منذ سنوات بعيدة، تتوافد عليه أطياف المسجونين والسجانين الذين ما زالت حيرتهم وعذاباتهم الروحية حاضرة، والذين يوغلون في ترويع عائلته، وإعادته إلى نفس الدائرة الجهنمية التي كان يتجنب العودة إليها، وحفل العرض بالكثير من الحوارات والدلالات البصرية المشيرة للثورات العربية، وإلى المنطقة الضبابية التي باتت تغلّفها، وتدين العابثين بها والمستفيدين من تضحيات شبابها، ففي مشهد ترتفع فيها الأعلام البيضاء وترافقها نداءات مبتورة تقول: «ارحل، ارحل، ارحل»، نرى هذه اللافتات وهي تتحول بين يدي السجان أو شبحه الماثل في المكان، إلى ما يشبه العصي أو الرماح التي يطعن بها الثوار المحيطين به، وكأن بالمخرج هنا يؤكد على خديعة الحماس اللحظي، وإمكانية تحول الشعارات المثالية، في لحظة ارتدادية إلى أدوات موجعة وقد تكون قاتلة أيضا.

أسئلة صادمة

وفي عرض «شهيد التين» وهو من تأليف عبدالله صالح، وإخراج محمد سعيد السلطي يطرح العرض رغم مناخه الفرجوي أسئلة صادمة حول تقييم الفعل البشري، اعتمادا على الظرف الاجتماعي والزمني والمكاني الذي حدث فيه هذا الفعل، فما هو مقدّس كفعل بطولي يمكن أن يتحوّل بسهولة إلى ما هو مدّنس كفعل مدان وانهزامي، وما هو متألق في قمة الفضيلة والمثالية والطوباوية يمكن أن يتهاوى بسهولة أيضا إلى أدنى درجات الدونية واللاّجدوى والعبث الإنساني، مع عدم نفي الصعود مجددا إلى القمة عند تغير المنظومة القيمية وسلّم المعايير الأخلاقية اعتمادا على المصلحة الآنية أو التوجه السائد.

يأخذنا العمل ومنذ بدايته إلى الأجواء الاحتفالية لقرية التين، بعد ورود أخبار سارّة تقول أحد أبنائها قد استشهد في المعركة الدائرة مع العدو في قرية أخرى مجاورة، ويستثمر والي القرية هذا الخبر أفضل استثمار كونه امتيازا اجتماعيا يزيد من شعبيته ومن التفاف أبناء القرية حوله، وتنعكس فرحة الوالي الشخصية على والد الشهيد، وهو المزارع البسيط رجب، والذي يتحول بين ليلة وضحاها إلى بطل شعبي تنهال عليه الهدايا والأعطيات والألقاب والمزايا كونه الأب المضحي، والمربي الذي استطاع أن يغرس في ابنه قيم الشجاعة والبطولة وافتداء تراب القرية وأهاليها بجسده الذي لم يحتفل بعد بالحياة، حتى لو كان الثمن هو الاستشهاد والتضحية بالمطلب الفردي من أجل المطلب الأسمى والأكبر للجماعة.

من جهة أخرى تكشف لنا مسارات العرض عن الوجه الثاني للعملة، وعن الحقيقة التي لا يريد أحد كشفها، وهي أن الشهيد لم يكن راغبا في الذهاب إلى معركة كان يراها عبثية، وأن والدته كانت محتشدة بالحزن والأسى جراء هذا الخبر المفجع بالنسبة لها، والمبهج بالنسبة لزوجها، حيث كان الشهيد يطمح إلى الزواج وتكوين أسرة جديدة في القرية وأن يكون مزارعا بارعا يستفيد من خدماته أبناء القرية من خلال زيادة ثروتها الزراعية وتحقيق الكفاية الاقتصادية من دون الحاجة لخوض الحروب الدموية ونهب خيرات القرى الأخرى بالقتل والتدمير والإرهاب.

ورغم النوايا الطيبة للشهيد، والمتجسدة في حواراته والاسترجاعية (الفلاش باك) مع حبيبته ووالده، والتي كان يمكن تكثيفها إلى مشاهد مختزلة ورمزية، إلا أن العرض كان يوغل ويستطرد في إبراز مقولته المتعلقة بتداول المعيار الأخلاقي أو المقدس والمتاجرة به من أجل تحقيق مصلحة دنيوية ضيقة للوالي والمقربين منه، وخصوصا الأب الذي يتحول فجأة من شخص هامشي ومتواضع إلى شخص متنمّر وجشع وطامح في ولاية القرية، خصوصا بعد هروب مساعد الوالي بعد أوامر صدرت بضرورة أن يقدم أبناءه كشهداء جدد في المعركة الدائرة مع العدو.

في المشهد الأخير من العرض نرى الابن الذي كان من المفترض أن يكون شهيدا يدخل إلى البيت ويلتقي بوالدته ووالده، ويحدث حضوره نوعا من الصدمة غير المتوقعة وخصوصا لدى الأب، حيث يستشعر خطورة هذه العودة على طموحه الشخصي وسمعته الكبيرة التي اكتسبها من الصيت البطولي لابنه الشهيد، ويقرر في لحظة عمياء وشيطانية أن يقتل ابنه كي يظل الوضع السائد سائدا، وكي لا تتحول عودة الابن الشهيد من المنطقة الافتراضية والمثالية، إلى عودة كارثية ومدمرة لهوسه الشخصي وللمنظومة الاجتماعية المحيطة به والقائمة أساسا على هكذا شعارات وخدع وأكاذيب



( البيان )

شاهد أيضاً

عروة الأحمد مخرجاً في كان، وممثلاً في هوليوود

خاص- ثقافات *منى الزيدي لم يكد الفنان السوري “عروة الأحمد” يعلن عن انتهاء تصوير فيلمه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *