الرئيسية / مقالات / لا شيء غير العبث

لا شيء غير العبث


حبيب الصايغ *

الموجة غير التيار . التيار غير البحر . البحر غير المحيط . الطقس غير المناخ، وأنا، منذ أول فجر في حياتي، في السنة النهائية البعيدة، في القرن الكبيس، قرن الظلام الدامس والأضواء المعتمة، قرن السينما الجادة والحروب العبثية، أنا منذ أول فجر في عمر يركض الآن، أكثر من أي وقت مضى، كالمذعور، أجلس القرفصاء على صخرة بمحاذاة قوس قزح، وأحاول، جاهداً تغيير لون عيني بفرشاة مغموسة، منذ أول فجر في حياتي، في حبر القلب .

ترى ما الذي يجبرني على هذا الاعتراف . لا شيء . العبث ليس إلا، وكأن الإنسان خالي البال حتى يتذكر أو يحاول استحضار ذاكرته المختفية، منذ أول فجر في حياته، وراء الجمجمة، ووراء العاصفة الجوانية، والبرق الخافت في سماء الروح .

العبث وحده يقودني الآن إلى استحضار ذاكرتي المنسية . العبث ولا شيء غيره . لا تداعيات الثورات العربية الأخيرة، ولا الربيع أو الخريف العربي . لا ابتذال الفن ولا سقوط الأدب . لا فوضى الإنترنت ولا سلطة أبطال “تويتر” . لا ازدياد حوادث المرور، خصوصاً ذروة مشهدها في الدموع المخنوقة لأمهات ضحايا الدهس . لا انخفاض مستوى الصحة أو التعليم . لا الاستهلاك لا الهلاك . كل ما أقوله اليوم عبارة عن عبث لا أكثر ولا أقل .

حاجتي إلى هذا العبث، بالمناسبة، حقيقية . لقد أصبت بالملل، وأدخلت قرائي الأعزاء في الضجر، من تناول قضايا جادة وعناوين مضيئة . اليوم حاجتي أكبر إلى الاستراحة قليلاً في المقهى البعيد في المتاهة البعيدة . سأتناول قهوتي هناك . سأغمض عينيّ قليلاً حتى تمر الخفافيش من دون أن أرسمها في دفاتري المدرسية، أو التقط لها مشهداً بالكاميرا القديمة التي ورثتها عن أحد أجدادي النائمين على حافة البحر .

والمناخ غير الطقس . لا يهمني طقس اليوم . برد . حر . مطر . رعد . لا يهمني . حتى الزلازل لا تهمني . أريد أن أدخل في مناخ جديد أو أن أتخيل مناخاً جديداً، ثم أحاول أن أتلمسه بأظافري وكل أنيابي حتى وأنا نائم أو أعمى .

الرجاء ألا تأخذوني على محمل الجد . أكره لغة الخطابة، وما أقوله أو أكتبه الآن، صدقوني، ليس إلا المزيد من العبث .

صدقوني أو لا تصدقوني، فما الفرق؟

 أنا، منذ أول فجر في حياتي، أجلس القرفصاء، على صخرة بمحاذاة قوس المطر، من دون أن يغمر المطر وجهي أو يتسلل إلى عظامي .

وأخشى ما أخشاه أن أموت وأنا جالس القرفصاء على صخرة بمحاذاة قوس قزح .

أخشى ما أخشاه أن أعيش وأنا جالس القرفصاء على الصخرة المذكورة أعلاه

* شاعر من الامارات

( الخليج )

شاهد أيضاً

زمن الكراهيات المدمرة

*واسيني الأعرج هل لا يزال لدينا وقت لإخفاء الشمس بالغربال؟ الحقيقة مرة وتقهر هشاشتنا الإنسانية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *