الرئيسية / إضاءات / شعراء تونسيون ضد تكميم الأفواه .. ويناصرون الشاعر القطري السجين

شعراء تونسيون ضد تكميم الأفواه .. ويناصرون الشاعر القطري السجين




علياء بن نحيله *


يقبع ومنذ سنة تقريبا في سجن انفرادي قطري وقد حكم عليه يوم 29 نوفمبر الماضي بالبقاء فيه طول عمره.

من يسمع هذا الخبر يعتقد أننا سنتحدث عن جريمة أزهقت فيها أرواح او خيانة عظمى وتسريب معلومات سرية تهدد سيادة الوطن وعزته او عملية اغتصاب واعتداء على الشرف أو سرقة ونهب ثروات الوطن أو غير ذلك من الجرائم الشنيعة والنكراء التي تفرض إبعاد مرتكبها عن مجتمعه اتقاء لشروره.

ولكن الحقيقة هي أننا لا نتحدث عن مجرم بل وللأسف الشديد نتحدث عن شاعر نظم قصيدة نشرها يوم 16 نوفمبر2011 تغنى فيها بالثورة التونسية وقال:

“كلنا تونس بوجـه النخبـه القمعيـه

الحكومات العربيـه ومـن يحكمهـا

كلهـم بـلا بـلا استثنـاء حراميـه”

هذا الشاعر الذي سانده عدد كبير من الشعراء في اغلب البلدان العربية وطالبوا بإطلاق سراحه وسانده المركز الدولي لدعم الحقوق والحريات لم يرتكب”جريمة” نقد الحاكم ليقع تحت طائلة قانون العقوبات القطري وإلا لكان جزاؤه خمس سنوات سجنا فقط ولم يحرض على قلب النظام ليحكم عليه بالإعدام وإنما قال قصيد”كلنا تونس ثورة الياسمين” التي جاء في مطلعها:

يالوزير الاولـي يامحمـد الغنّوشـي

لو حسبنا سلطتك ماهيـب دستوريّـه

مابكينا بن علـي ولا بكينـا عصـره

نعتبرهـا لحظـةٍ بالعمـر تاريخيـه

دكتتوريـة نظـام القمـع واستبـداده

أعلنت تونس عليه الثـوره الشعبيـه

تصدر الديمقراطية للخارج وتقمع شعبها في الداخل

بسبب هذه القصيدة وجهت للشاعر تهمة المس بالأمير حمد بن خليفة الثاني حاكم قطر هذا الذي لا تكف الجزيرة عن تقديمه كمناضل ومشجع للثورات العربية وتحرير شعوبها وتمكينهم من حرية التعبير تحكم بلاده على الشاعر بالصمت الأبدي وقص كل جسور التواصل بينه وبين أي إنسان مهما كانت علاقته به.

طبعا هذا الحكم أثار حفيظة الأدباء والمثقفين في تونس ومن بينهم الأديب إبراهيم الدرغوثي الذي صرح لـ”الصباح” قائلا انه:” من عجائب هذا الزمن العربي الرديء أن نعيش الشيء ونقيضه في نفس الوقت لا كبشر فقط وإنما كدول أيضا، وما حالة الشاعر القطري إلا أنموذجا لهذا التذبذب الذي يملأ الساحة العربية في هذا الوقت. وما دولة قطر إلا شكلا كاريكاتوريا من دولة تدعي الديمقراطية وتملي نقيضها. تصدر الديمقراطية للخارج وتقمع شعبها في الداخل لأقل الأسباب من ذلك أن القضاء الديمقراطي جدا في دولة قطر أصدر حكما بالسجن المؤبد على شاعر كتب قصيدة مدحية في الربيع العربي عامة وفي الثورة التونسية خاصة فسلبت حريته من أجل هذا الموقف النبيل الذي رأى ساسة دولته يبشرون به في العلن وعلى رؤوس الأشهاد في تونس وليبيا وخاصة في سوريا.

ويقول الشاعر محمد بن الذيب العجيمي في ذات القصيد:

آه عقبال البلاد اللي جهـل حاكمهـا

يحسب ان العزّ بالقـوات الامريكيـه

وآه عقبال البلاد اللي شعَبْهـا جايـع

والحكومه تفتخر في طفـرة الماليـه

وآه عقبال البلاد اللي تنـام مواطـن

معك جنسيه وتصبح مامعـك جنسيـه

وآه عقبال النظام القمعـي المتـوارث

عفو الرسول الأعظم على كعب ابن زهير

هذا المقطع قرأ لحاكم قطر على انه دعوة إلي قلب نظام الحكم وهذه عقوبتها في قطر تصل إلى الإعدام أي ان الشاعر محظوظ لأنه مازال إلى اليوم على قيد الحياة ومازال هناك مجال لما صرح به الشاعر محمد عمار شعابنية حيث قال لـ”الصباح: ” لم أتصوّر الحكم بالسَّجن المؤبد على الشاعر محمد بن الذيب العجيمي الذي امتدح الثورة الثورة التونسية معتبرا إياها أنموذجا لثورات تغيّر أنظمة الحكم في بلداننا العربية، ذلك أن خوف النظم الجائرة ـ التي تتغطى بالديموقراطية المزيفة ـ من الكلام الحر الذي يتصدّر صوته الشعر يوهمها بأنها ستطيل في أعمار تسلطها على الشعوب عندما تقمع معارضيها المرحبين بثورات أخرى تدّعي هي أنها مؤيدة لها وداعمة لمساراتها ليعتقد الناس أن هذه النظم الواهية تقدمية لكن سرعان ما تنكشف عوراتها وزيف مواقفها.

وإذا كان نظام قطر(الذّائد عن الإسلام) بتمظهرات خطاباته يؤمن بحرية التعبير فلماذا لا يتذكر عفو الرسول الأعظم على كعب ابن زهير الذي هجاه بعدما ألقى بين يديه متنكرا قصيدة”بانت سعاد””؟

ولماذا لا يلغي أمير البلاد حكم المؤبد على الشاعر الذي صرّح في سِجنه بأن الأمير لا علم له بالحكم ؟

وراء القضبان أنتَ حر ومن هو أمامها يرتعش

رأى الشاعر التونسي طارق القرواشي بعد الاطلاع عليه انه لم يبق لنا سوى وخز الكلمة حيث ميلاد الشمس وافرد “الصباح” بقصيد:” قال كلمة تحمل فكرة أعتقل من أجل تونس ..هو شاعر يعشق النجم وتونس نجمٌ غير النجوم.. قال كلنا تونس وهي القبلة الثالثة وإن لم يقبلوا بها..

يا شاعر أنتَ لمَ اخترت تونس عنوان ألا تعلم أن تونس شبح للحكام..

لمَ تتمرد عن أصحاب البلاط وأنتَ الذي ولدت خلف الأسوار كيف تحيي الأزهار والكل يبحث من تونس أن تكون تونس رماد..

سكون ميلاد العنقاء… أنتَ تونس نحن تونس والقدر شاء أن تكون تونس الشعلة واللهب في صقر لن يجدوا ما أمر ولن يتجمد دم الشهيد مهما تفاقم الثلج ونثر لما لا يعتبر الغادر ويرحل..

حين أنتَ وراء القضبان أنتَ حر ومن هو أمامها يرتعش ويعلم بان لا مفر سيقهر فأعتبر يا أنتَ إنه القدر.

فتح الشاعر فمه فشرّع أمير قطر أبواب سجنه

وفي مقطع آخر من القصيد قال الشاعر أيضا: “ليه مايختار حاكم بالبلـد يحكـم لـهيت

خلص من نظام السلطـه الجبريـه

علم اللي مرضيٍ نفسه ومزعل شعبـه

بكره يجلّس بدالـه واحـد بكرسيـه

لا يحَسْب ان الوطن بسمه وبسم عياله

الوطن للشعب وأمجاد الوطن شعبيـه

رددوا والصوت واحد للمصير الواحـد. ورأى الشاعر المنصف المزغني ان سجن الشاعر انتهاك لحقوق الكلام والرأي والرأي الأخر وهذا يعني ان الشاعر قال كلاما شبيها بالأمنية ندد فيه بمن يملك ثروة الشعب القطري ويسوق في الوقت نفسه لضرورة إنتاج الثورات في كل العالم العربي باستثناء قطر هذا البلد الصغير المكلف -وفق روزنامة دولية أمريكية إسرائيلية- بإنتاج الفوضى وتقويض الأنظمة ولقد صدق شاعرنا – كعادة الشعراء-ان الربيع يمكن ان ينشر وروده في قطر وللأسف نسي شاعرنا ان من ينتج الغاز لا يتنفسه فهو للبيع وللتصدير فقط ولا بد لليل ان ينجلي وكافور مات والمتنبي سجن وقال لنا التاريخ ان كافورا لم يقدر ان يحبس او يسجن الهواء الذي يتشمم أنفاس قصيدته عبر العصور إذن لا بد أن نهتف بالحرية للشاعر الذي لم يحبس إلا لان صداه تردد في نفوس أبناء شعب قطر العربي.

نحن بصدد استعادة المفقود في واقعنا العربي

بالنسبة إلى الكاتب محمد الجابلي كاتب عام رابطة الكتاب التونسيين الأحرار فان المسالة تتضمن وجهان: أحدهما مفرح ومنه أن الكلام من الكلم والكلم هو الجرح عند العرب أي أن الكلمة بما هي حاملة للوعي يخشى منها ومن دورها وأثرها ونحن بصدد استعادة المفقود في واقعنا العربي ومن ذلك دور سائر الفنون ليس في تجميل الموجود بل التطلع إلى المفقود وفضح وتعرية سلبيات اللحظة والبعد عن التزويق ودور الحنانات مزينات الأفراح، الأمر الثاني أو الوجه الثاني محزن باعتبار سخافة الأنظمة الحاكمة وفقد ثقتها في ممكناتها إلى درجة تخشى معها القصيدة أو الكلمة وهشاشة نظمنا القانونية التي يطوعها الحكام لحماية عروشهم المترنحة، وقال للصباح:”أعتقد الحكام المفلسين تجاوزتهم اللحظة وباتوا يخشون الوعي وسبله فعادوا إلى الزجر …والزجر أمده قصير، ولا بد من توجيه رسالة إلى كل الكتاب والمثقفين في كل ربوعنا وهي استعادة دور المبدع والمثقف بالجرأة على مواجهة اختلالات اللحظة وان يتضامنوا مع كل المبدعين من اجل مستقبل أفضل.”

( الصباح التونسية )

شاهد أيضاً

المحرر الثقافي ويده الطليقة

*راسم المدهون في قلب العلاقة بين الثقافة والصحافة تقع الحرية الفردية التي لا تستقيم دونها، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *