الرئيسية / فنون / خطاب الملك

خطاب الملك



فاطمة ناعوت *

ألبرت، أو “بيرتي”، كما كانت تناديه أسرته، طفل خجول يتلعثم ولا ينطق كلمة دون ثأثأة. هو الإبن الثاني للملك جورج الخامس ملك بريطانيا العظمى الذي حكم أكثر من ربع العالم عام 1925. يرث الأمير ألبرت العرش بعد شقيقه الأكبر، وليّ العهد، الذي تولى الحكم في ديسمبر 1936، لكنه سرعان ما تخلّى عنه طواعية لكي يتزوج حبيبته الأميركية، “واليس سمبسن”، التي تزوجت قبله مرتين، الأمر الذي لا تقبله الكنيسة وبروتوكولات قصر لا يفتح أبوابه لامرأة مطلقة. وفي خطاب تنازله عن العرش، اعتذر إدوارد الثامن قائلا: “من المستحيل أن أؤدي واجبي كملك وإمبراطور دون مساندة المرأة التي أحببت”. ومن ثم كان تتويج “بيرتي”، ليغدو اسمه: جورج السادس ملك بريطانيا العظمى وأيرلندا، وآخر أباطرة الهند مع نهاية عام 1936 وحتى عام 1947.

فيلم” The King’s Speech “، من إخراج توم هوبر، بطولة: كولن فيرث، جيفري راش، هيلين بونهام، يحكي قصة ملك مصاب بإعاقة الثأثأة. يخفق في إلقاء كلمة على شعبه عبر ميكروفون الإذاعة، التي كانت اختراعا حديثا آنذاك. هنا يكتشف، وتكتشف زوجته، الملكة إليزابيث الأولى “الملكة الأم”، أن إعاقته الكلامية ستصنع بينه وبين شعبه جدارا من الصدود. فتبدأ الزوجة المحبّة رحلة تحطيم هذا الجدار.

قصة رجل تلازمه إعاقة طفولة، سيغدو ملكا على أحد أهم عروش العالم، وأبا للملكة إليزابيث الثانية، ملكة بريطانيا الحالية، في الوقت الذي كان هتلر يهدد نصف العالم، وستالين يهدد النصف الآخر.

بعدما أخفق كل أطباء القصر في علاجه من أزمة اللعثمة وانعدام الثقة بالنفس، يأتي “ليونيل لوج”، الطبيب الذي يهوى تمثيل مسرحيات شكسبير، فيُخضع الملك لتمارين تنفّس وجلسات تخاطب مطوّلة، مصرا على مناداة مريضه بـ”بيرتي”، متجاوزا تقاليد مخاطبة العائلة المالكة، ومنعه من التدخين، كأنما هو مريض عادي من العامة، على عكس أطباء سابقين رهبوا مريضهم ودلّلوه، فأخفقوا في علاجه. يجعله يقرأ مقطعا لشكسبير، على خلفية من الموسيقى الكلاسيكية، كي لا يسمع صوته فيرتبك ويتلعثم. ويراهنه الطبيب على “شلن” إن نجح. يكتشف الطبيب أن بيرتي كان أعسر في طفولته، لكنه أجبر على استعمال اليمنى، وهذا سرّ تلعثمه وانعدام ثقته بنفسه، إضافة إلى سخرية شقيقه الأكبر بمناداته بـ”ب ب ب بيرتي”، مقلّدا لعثمته في نطق اسمه الخاص. يطالبه الطبيب بين الحين والحين بالشلن الرهان. ويأخذه بالفعل بعدما يصبح مريضه ملكا.

ويأتي الاختبار الصعب يوم خطبة إعلان الحرب على ألمانيا إبّان الحرب العالمية الثانية، لكنه ينجح بمعاونة الطبيب، الذي اكتشفت استخبارات القصر السرية أنه ليس طبيبا ولا يحمل مؤهلا أكاديميا، إن هو إلا ممثل فاشل يتقن الخطابة فامتهن تدريب المتلعثمين على التخاطب بمنحهم الثقة في النفس وفن التواصل مع الآخر. يتجاوز الملك عن خدعة الطبيب، وينصّبه قائدا للوسام الملكي الفيكتوري عام 1944. بعد شفائه، استحق الملك عرشه، وانتصرت بريطانيا في عهده، في الحرب العالمية الثانية. ونال محبة الشعب الإنجليزي بعدما اتخذ مع عائلته موقفا نبيلا بقراره البقاء في لندن أثناء الغارات الجوية الألمانية، بدلا من الاختباء في مكان آمن.

فكر مستشارو القصر في إجلاء الأميرتين إليزابيث الصغيرة، “الملكة الراهنة”، وأختها مارجريت إلى كندا، خوفا عليهما، لكن والدتهما “الملكة الأم” رفضت قائلة: الصغيرتان لن تسافرا دوني، وأنا لن أترك الملك، والملك لن يترك الوطن. واعتبر موقفه رمزا للصمود البريطاني، فحظي الملك باحترام الشعب، ومحبته.

حركات الكاميرا هادئة، وتقوم دراما الفيلم على الصراع النفسي لبطل الفيلم الواقع بين إعاقة مزمنة قديمة، ومتطلبات عمل ملكيّ يعتمد على التواصل اللفظي مع الحاشية والشعب، في لحظة زمنية فاصلة في تاريخ العالم. الخلفية الموسيقية معظمها من الكلاسيكيات تتناسب مع عصر الفيلم. والطريف أن العمل من إنتاج القنصلية البريطانية للأفلام، وهو ما يشير بإصبع واثقة لمدى احترام الغرب لحرية التعبير والإبداع، حتى وإن تعلّق الأمر بما قد يحرج رموزهم.

* العرب اون لاين

شاهد أيضاً

فنانو مصر والعالم يجسدون بالضوء روحانيات شهر رمضان

*ناهد خزام القاهرة – لم يكن المعرض الجماعي المقام حاليا بـ”قصر الفنون” في القاهرة، والذي …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *