الرئيسية / مقالات / ما أقل حياء التاريخ …!

ما أقل حياء التاريخ …!


عبد الوهاب الملوح *

 
منذ الأزل وهي سماء صافية، ولئن تركت لغيوم سوداء أن تتسكع عند أطرافها فذلك لأن زرقتها تتسع لكل الألوان ولن يكون بإمكان السواد احتلال مجالها الحلمي .
تونس حلم المتوسِّط ؛الموجة المتفلِّتة من المدِّ والجزر تشكَّلت من جمَّاع البحار وتألقت من مطاردة البحَّارة لها حتى أصبحت مستقرا لهم ؛ بحَّارة من كل الأجناس والفئات ؛ من كل الجهات مهما تفرقوا كانت لهم ملتقى أحبَّة .
موجة استقلت بلادا ؛هي خلاصة الأرض والسماء وما بينهما لم تكسرها العواصف ولا صخور الشواطئ الآهلة بالنمل الأحمر والقراصنة العميان ؛لم تحرقها نار الحروب ولا انطلت عليها السلم المشبوهة .؛ يحدث أن ادّعى احد وصايته عليها؛ لا وصاية على ارض الانقلابات .
فما أقلَّ حياء التاريخِ وهو يضعها في مواجهة مصائر ليست بحجمها وليست من قماش روحها
ما أشدَّ بؤس الثورات لما تدّعي نسبتها لأرض الانقلابات على السما
لم تكن يوما أرضا للبراكين ولم تكن أرضا للزلازل وليست منخفضات للطوفان وليست غابات للحرائق وهي ليست ارض النبوءات هي بلاد المفاجآت التي يصنعها ناسها أبناء الهامش الآتين من الجبال والصحراء والوديان ؛ الآتين من الألم ومن الامتلاء بالذات ؛ لا مقر لهم في اليمين ولا اليسار أو ما بينهما ‘ أولاد باب الله’ الذين يعرفون جيدا صلتهم بربهم ويعرفون صلة ربهم بهم .
ما اشد بؤس الثورات لما تدعي نسبتها لأرض المفاجآت والانقلابات
في البداية كانت انتفاضة وكانت ستؤدي حتما إلى ثورة تقلب أسس النظام تعيد كتابة التاريخ بمشيئة الشعب ؛ تنسف كل الأوهام القديمة وتُطيح بكل الأصنام التي تحكمت في مصائر البلاد فابتزتها واستنزفت طاقاتها باسم وطنية مزيفة ورجولة مشبوهة كان يمكن أن تكون ثورة وتم السطو عليها مما أدى إلى تصدع بسيط هز أركان نظام تميز بهشاشته وتآكله من الداخل منذ البداية ؛أحدث هذا التصدع فراغا تم الاستيلاء عليه بالكذب الايديولوجي؛ بالمال السياسي الفاسد والتدخل الخارجي السافر وإشاعة الرعب والخوف مجددا في قلوب الناس مع تحويل وجهة اهتماماتهم من اهتمامات اجتماعية تنموية اقتصادية إلى اهتمام بالشأن الغيبي ..
ولان هذه الانتفاضة كانت تشكو منذ بدايتها من عمق ثقافي يوجه مسارها ويهيىء لها بنية أساسية صلبة ؛ قوية حتى لا تهتز عند اول الاختراقات ولا تفقد اتجاهها الصحيح ويذهب بها في الاتجاه الصحيح الذي كانت البلاد في حاجة ماسة له ألا وهو قلب النظام برمته وتأسيس نظام مختلف ينبع من إرادة الشعب لذلك صار الأمر إلى ما قبل الاستعمار .. تعيش تونس اليوم فترة مشابهة إلى ما قبل الاستعمار على جميع الأصعدة ..
علينا أن نعترف انها كانت مجرد شطحة فلنكف عن الانتشاء بها ونستعيد قدرتنا على الوعي بالأشياء من حولنا ولن يحصل هذا الوعي إلا بالتحرر من خرافة الزعيم واستقلالية القرار والقدرة على فهم الأزمات وتحليلها ؛معرفة أسبابها وعناصرها والوقوف عند مكوناتها ثم الثقة في قدرة الذات على تحويل هذه الأزمات الى طاقة تدفعنا الى الأمام دون التعويل على الآخر ؛ فالمهم هو امتلاك القدرة على تشخيص الحالة والثقة في إمكانية الذات على تجاوز الإعطاب وكل هذا لن يتم بمعزل عن تثوير نظرتنا للثقافة وللمثقف.. بغضهم يشدد على سلبية المثقف التونسي إزاء ما حدث بل ويذهب الكثيرون إلى إعدام مشاركة المثقف التونسي قي ثورة 17ديسمبر الى 14كانون الثاني وهو ما لا يمكن التسليم به بشكل قطعي، فالمثقف التونسي هو مواطن تونسي أولا وقبل كل شيء وعانى ما يعانيه بقية التونسيين من ظلم وتعسف واضطهاد، وقد شارك من موقعه في الخروج والاحتجاج والتظاهر والدعوة للتمرد، ثانيا لقد ساهمت الثقافة التونسية منذ زمن بعيد في نقد وكشف الفكر التوتاليتاري الذي ينهض عليه نظام بن علي أو نظام بورقيبة، فهناك شعراء كتبوا قصائد في هذا الشأن وهناك روائيون كتبوا روايات وسرديات تنقد النظام وتمت مصادرة كتبهم وهناك مسرحيات منعت من العرض وهناك أفلام سينمائية لتونسيين تم منعها من العرض بدور السينما التونسية، وهو ما لا يمنع انه وضمن هؤلاء المثقفين الدين كشفوا حقيقة الأنظمة ؛ رجعيتها ودكتاتوريتها وقعوا اليوم في فح النجومية والبحث عن الظهور ما زال يعمل على أن يكون نجما وحتى وهو يُبدع يفكر في كم سيضيفه ‘هذا الإبداع’ لرصيده المالي ولرصيده الجماهيري ؛ المثقف التونسي – وليس كله- مازال يتصرف من موقع البطولة في جميع أشكالها، فلئن قدم عملا ناجحا فنيا مهما كان في أي مجال من مجالات الثقافة فهو نجم جماهيري وان تم التعرض إليه بالنقد أو الاعتداء فهو بطل ضحية لأعدائه وأعداء جماهيره ؛وغالبا ما تخلو إبداعاته باستثناء قلة قليلة من الحس الفني ومن الجمالية المختلفة ؛ تلك الجمالية التي تنهض على التمرد والتحرر وعدم الانضباط للمؤسسة القيمية فما يتميز به الخطاب الإبداعي اليوم من نقد للمؤسسة الدينية بشكل فني هو السطحية والارتجالية والسياق الاستفزازي فليس ثمة في الحقيقة عمق في المعالجة وقراءة الراهن وهو ما يعبر عن غياب وعي وانعدام معرفة بهذا الآخر الذي نواجهه ؛ معرفة بأصول فكره ومنابع توجهاته بل ليس ثمة فهم لحقيقة ما يجري، فالمعالجات الدرامية الساخرة تنهض على التقاط اللحظة وتحويلها إلى لحظة كوميدية خالية من أي لمسة فنية وهو نفس ما يحدث في الفنون التشكيلية حيث ان المقاربات الفنية جاءت معدومة الحس الجمالي وتفتقر لأبسط قواعد الرسم الفني، كذلك ما يمكن قراءته في المدونات الأدبية من شعر أو سرد، فهذه الكتابات تكتفي بالقشرة البرانية دون أن تغوص في الأعماق فتشرح الظاهرة وتقرأها وتنتقدها من الداخل حتى ان أغلب الكتابات هي عبارة عن عويل في الصحراء أو هي تلفيق كلمات متراصة مدعاة للسخرية منها أكثر من ان تكون هي ساخرة ؛ فاقد الشيء لا يعطيه وكل من يحاول ان يتصنع العطاء سيقع في فخ التزييف ويدخل قائمة المشبوهين وذلك حال اغلب المثقفين التونسيين الذين دأبوا على أن يعتبروا أنفسهم ضحايا لكل شيء حتى لأنفسهم فوقعوا في فخ من استدرجهم لتسييس العمل الإبداعي وبالتالي تسطيحه وتحويله إلى عويل ؛ مجرد عويل في صحراء.
فما اقل حياء التاريخ وتونس اليوم بين المطرقة والسندان سياسيون يزايدون ومثقفون يتسيسون وبينهما ضاع الحلم ؛ حلم الحرية والكرامة والديمقراطية !
غير ان الباب ما زال مفتوحا والثورة لم تنته مرة واحدة ؛ تأتي دفعات كعادة الثورات الكبرى وتونس لا تستنسخ أي ثورة وانما تنتج موعدها مع التاريخ وحدها وهذا ما يحدث الان، ولئن استولت مجموعة من اليوتوبيين المثاليين الذين يريدون ان يأخذوا تونس الى جمة على مقاسهم ولم ولن ينجحوا رغم ما أبدوه من عنف وتسلط وعدوانية ودموية، غير انهم لن يصلوا بعيدا، فما اشبه اليوم بالبارحة وكذلك تركها المعز حين استعصت على ان تكون شيعية، وتركها العثمانيون حين لم يتمكنوا من استبدال الحنفية عوض المالكية وكان لزاما قبل ذلك بكثير ان يكون قواد الجيش أكثر من واحد ـ العبادلة السبعة ـ ليلين لهم أمر البربر ..
تونس ارض المفاجآت وغبي من يأمن انقلاباتها …فهي تنقلب حتى على تاريخها.

* شاعر من تونس

( القدس العربي )

شاهد أيضاً

هاجس روائي

*محمد المطرود ربّما هكذا نستطيعُ أن نفتتح روايةً، حديثٌ مجانيٌّ عنِ الحياةِ اليومية، طقوس الليلِ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *