الرئيسية / قراءات / الشاعر سميح القاسم في مواجهة الموت

الشاعر سميح القاسم في مواجهة الموت


توفيق عابد – عمان

“لا أخاف السرطان فهو في داخلي، وأنا كفيل به ولن يهزمني، في إشارة لتمرده على الموت، ولكن أعينوني على مواجهة سرطان الاحتلال الذي ينتشر في وطني لأتخلص منه” بهذه العبارة بدأ شاعر المقاومة سميح القاسم حديثه لجمهوره الذي احتشد في المركز الثقافي الملكي لحضور حفل تكريمه من قبل وزارة الثقافة الأردنية وإشهار مجموعته الشعرية “هيرمافروديتوس وقصائد أخرى” التي طبعتها الوزارة على نفقتها ووزعتها مجانا ضمن برنامج القراءة للجميع.

وأنشد في حفل تكريمه “أشرب فنجان القهوة يا مرض السرطان/ كي أقرأ بختي في الفنجان/ أنا لا أحبك يا موت لكنني لا أخافك/ وأعلم أن سريرك جسدي وإنني لحافك”.

وقبل الخوض في تفاصيل الكتاب أقول إن سميح القاسم الذي يسكن الرامة في فلسطين 48 من مواليد مدينة الزرقاء الأردنية ـ على بعد 17 كيلومترا تقريبا شرق عمان ـ حيث كان والده يعمل ضابطا في قوة حدود شرق الأردن وأثناء عودة العائلة إلى فلسطين بالقطار بكى الطفل سميح فذعر الركاب من أن تهتدي إليهم الطائرات الألمانية فتقصفهم لدرجة التهديد بقتله، لكن والده أشهر مسدسه في وجوههم فتراجعوا “ترى هل يسمع الطيار بكاء طفل في قطار أم أنه الخوف!”.

هذه الحكاية،عندما رويت لسميح القاسم تركت في نفسه أثراً عميقاً كما جاء في “هيرمافروديتوس.. وقصائد أخرى” وعلق بالقول “لقد حاولوا إخراسي منذ الطفولة.. سأريهم.. سأتكلم متى أشاء وفي أي وقت وبأعلى صوت.. لن يقوى أحد على إسكاتي”.

من هيرمافروديتوس؟

“وهيرمافروديتوس” هو ابن للآلهة الإغريقية “إفروديت” والإله “هيرمس”.. أغرمت به حورية وأرادته لنفسها فحاولت إغراءه لكن هيرمافروديتوس رفض، وعندما لاحظ غيابها أراد السباحة في بركة، حيث كان يعتقد أن لكل بركة حورية خلع ملابسه ودخل، لكن الحورية كانت متربصة به فقزت عليه تقبله وتحاول التمكن منه، وهو يقاوم حينها دعت الحورية الآلهة ألا يتفرقا أبدا فتحققت الأمنية وأصبحا جسدا واحدا “مخلوق واحد ذو جسدين”.

لكن أسطورة شاعر المقاومة المتقاربة أنه سليل الهواجس والنار وطفل كهوف الجبال الذي تشكل في نزوة المعجزات ونما بما يشتهي الطين والنار وتعشقه “سالماكيس” التي سلبتها الحروب ذراعين وعوضها مجلس الأمن عن لحمها بذراعين من معدن لا يصدأ.

وفي أسطورته الذاتية يسترجع سميح القاسم الماضي وينطلق منه برؤيته التاريخية الخاصة نحو الغد الآتي محاولا رؤية واقعه ومعاناته فهو الذي يزرع الورد في حقول الحراب، كما يستكشف من خلال إشارات تاريخية القيمة الحقيقية للتراب والوطن الذي يئن تحت كابوس الاحتلال ويتطلع نحو الشمس.

والكتاب “هيرمافروديتوس وقصائد أخرى” 105 صفحات يضم عشر قصائد تتراوح بين شعر التفعيلة والنثرية هي: “هيرمافروديتوس” و”ماذا أخذ من مونبييليية” و”الغريب” و”عين الصواب” و”حياتي مستمرة” و”صليب لحي بن يقظان” و”بطاقة معايدة للخليل” و”أبو القاسم الشابي” و”القصيدة المكية “ و”مستشفى”.

وجاء في الكتاب الجديد: “تقول المآسي على جثتي الطارئة.. كلاما غزير الدموع.. تقال الحروب عذابا غزير الدماء.. أباطرة غابرون يشنون حربا عليّ وحربا على نخلتي.. سقف كهفي القديم يئن من القصف جوا وبرا وبحرا.. قبري الجديد يئن وقلبي الأخير يحن للحظة هادئة وزاوية هادئة”.

ومن خلال “هيرمافروديتوس” يمهد فيما يبدو شاعرنا لانتقاله لعالم أكثر عدالة، وفي منأى من الحروب والأحقاد والعنصرية “ما من خلود على الكوكب الهش”.

وغلبت على قصائد الكتاب كما هي العادة في شعر سميح القاسم لغة التمرد والرفض والثورة ومواجهة الطغاة والمحتلين وتبشر بالفجر الآتي والعودة


( الاتحاد الإماراتية )

شاهد أيضاً

الأميركي بن ليرنير يفتح السرد على كل إمكاناته

*أنطوان جوكي منذ روايته الأولى «مغادرة محطة أتوشا» (2011)، فرض الأميركي بن ليرنير نفسه كواحد …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *