الرئيسية / مقالات / الربيع الأصولي:إسلام سياسي وسلفية جهادية

الربيع الأصولي:إسلام سياسي وسلفية جهادية


عبدالله بن بجاد العتيبي *

من يشكك في أنّ تنظيم “القاعدة” قد ضعف بعد قوةٍ، فهو مخطئ وأكثر منه خطأ من يحسب أنّه انتهى. في الأولى فإنّ التنظيم بلغ أوج مجده في 2001 في عمليات الحادي عشر من سبتمبر بأميركا، و2003 وما بعدها بالعراق، ومايو من نفس السنة وما بعده بالسعودية، وفي اليمن والجزائر من قبل ومن بعد، فقياداته بين قتيلٍ وشريدٍ، وصلاته شبه منقطعةٍ وعملياته انحسرت مقارنة بتلك الفترة، وفي الثاني فإن ضعف التنظيم لا يعني انتهائه بحالٍ، فهو على الرغم من كل الضربات الموجعة التي تلقّاها في تنظيمه الأم وتنظيماته الفرعية لم يزل موجوداً.

أمران مهمان لن ينتهي تنظيم “القاعدة” ما لم ينتهيا، الأوّل: الآيديولوجيا التي تشحنه وتغذّيه بكل تشابكاتها وتعقيداتها ومصارها الثاني: البيئة التي تسمح له بالنمو والتكاثر والتماسك بما تشمله من سياقٍ حضاريٍ وتاريخيٍ عامٍ وكذلك انتشار مواطن الفوضى والصراعات واختلال الأمن التي تمنحه معاقل جديدةٍ كما تعزّز وجوده في مواقعه القديمة.

من هنا فإن انبعاث تنظيم “القاعدة” أو بالأحرى تنظيمات العنف الديني التي تنطلق من آيديولوجيا “القاعدة”، وإنْ لم تنتم لها كتنظيمٍ أمر جدير بالدراسة والرصد، ولقد انساقت بعض الدول الغربية خلف رؤية حركات الإسلام السياسي بأنّها تشكل البديل السياسي الناجز والمؤهل للنجاح بعد الأنظمة السابقة في المنطقة العربية، وأنّها قادرة على تقديم كافة الخدمات والولاءات التي كانت تقدّمها تلك الأنظمة، وإنْ بصيغة ترضي الطرفين ولا تمسّ أصل الفكرة، وأنّها عميقة الإيمان بالحرية والعدالة والديموقراطية وأنّها القادرة على لجم جماعات العنف الديني.

تمّ التعليق سابقاً على هذه النقاط، وفيما يتعلّق بحركات العنف الديني فإنّها تمرّ بمرحلة إعادة التخلّق من جديد، وتحسب أنّها أولى بهذه اللحظة التاريخية من حركات الإسلام السياسي، فهي قادرة على المزايدة عليها في خطابها الأيديولوجي وتاريخها المعروف، وتستحضر تودّد الأخيرة لها في أزمنة انتشارها، ولئن اضطرت الأخيرة بناء على وعيها السياسي المتقدّم والبراغماتي الذي يصل حدّ الانتهازية إلى قمع هذه الجماعات بقوّة السلطة وأجهزة الأمن ودعم القانون، فإن للأولى من أدبيات الثانية ما يعزّز صمودها وتزايد عدائها لها.

أخرج أيمن الظواهري مؤخراً مقطعاً مصوراً جديداً تحدّث فيه طويلاً عن أسامة بن لادن وسيرته وتاريخه، وطار البعض بما ذكره من أنّ أسامة بن لادن كان عضواً في جماعة الإخوان المسلمين وطرد منها، وهي معلومة معروفة من قبل، ولكنّ الأكثر إثارة هي محاولة المرشد العام السابق لجماعة “الإخوان المسلمين” مصطفى مشهور عند اجتماعه مع أسامة بن لادن بعد توسّع تنظيم “القاعدة” في الثمانينات أن يستميله مرةً أخرى لجماعة “الإخوان” وفي هذا يقول الظواهري: “بعد معارك جاجي، وبعد أن ارتفع اسم أسامة، جاء مصطفى مشهور مرشد جماعة الإخوان المسلمين إلى بيشاور في زيارة وقابل أسامة بن لادن، وقال له: يا أسامة أنت تركت إخوانك وتعود إلى إخوانك وهم أولى بك، فأسامة اعتذر له بلطف”.

ومصطفى مشهور كما هو معلومٌ أحد صقور “الإخوان المسلمين”، وأحد أبرز أعضاء التنظيم الخاص، وقد خاض صراعاً شرساً مع عمر التلمساني على قيادة الجماعة وعزّز مواقع حلفائه من التنظيم الخاص داخل الجماعة، وظفر بذلك، وصار من بعده من المرشدين إما من التنظيم الخاص وإما خاضعين لقوّة أعضائه داخل الجماعة.

لقد استخدمت حركات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة “الإخوان المسلمين” العنف السياسي المؤدلج دينياً عقوداً من عمرها الممتد لثمانين عاماً، ثمّ أعلنت التخلّي عنه بسبب العجر لا الاقتناع، حتى وصلت أخيراً للسلطة فصارت تعلن حقّها في احتكار العنف باسم الدولة وبدأت بأبناء خطابها من حركات العنف الديني بمصر وتونس.

ستستمرّ لمدةٍ ليست بالقصيرة في عمر الزمن التجاذبات بين حركات الإسلام السياسي وحركات العنف الديني، أو بالأحرى بين الإسلام السياسي والسلفية الجهادية وما بينهما من أطياف متعددة ومتفرقة من الحركات الدينية بكافة تشكلاتها وتمظهراتها سواء تلك المعنية بالشأن السياسي أوالتقليدية بتمثلها المؤسساتي أوالتيّاري بشكل عام، ونظراً لاتساع هذه التيارات وتعددها وكثرة أتباعها، فإن هذه التجاذبات ستطغى على المشهد العام لقراءة ما يجري في المنطقة وفهمه سواء من داخلها أم من خارجها.

من هذا المنظور تبرز حاجة ملحة ثقافياً وسياسياً لتأسيس مراكز دراسات متخصصة في هذه الحركات، وتعزيز القائم منها، بحيث تستطيع هذه المراكز عبر عمل جماعي ومؤسسي متابعة كافة التطورات على مستوى الخطاب أو الممارسة، الفكر والأحداث، وفي كافة المجالات، ومن كافة الزوايا، لرسم رؤى تقارب المشهد وتواكب تطوّراته وتمنح إمكانية تقديم قراءات أكثر دقة لفهم هذا المشهد وبالتالي تفسيره وتحديد أفضل الطرق للتعامل معه.

أحسب كذلك أن ثمة حاجة لبرامج إعلامية متخصصة ترصد وتحلل وتناقش من هذه الزاوية التطوّرات اليومية والأسبوعية أولاً بأول ليحظى المشاهد برصدٍ وتحليلٍ علميٍ لهذه التغيرات الكبرى التي تشهدها المنطقة من هذه الزاوية شديدة الأهمية، ويستفيد من النقاشات المعمّقة التي يمكن أن تقدّمها برامج كهذه تساعد المشاهد غير المختصّ في رسم صورةٍ أكثر وضوحاً لمشهد مختلطٍ.

وهذا الأمر يمتدّ بطبيعة الحال إلى الصحافة بشتى أشكالها، الورقية والإلكترونية، اليومية والأسبوعية، العامّة والمتخصصة بمجالاتٍ يشملها هذا الموضوع كالثقافية والاقتصادية، بحيث يتمّ تخصيص صفحات أو أبواب معينة تهتمّ بهذا الموضوع وتجمع بين المعلومة الصحيحة والتحليلات المتعددة وتخدمها بكافة أشكال العمل الصحفي المهني والمحترف.

عوداً على بدء، فإن الحديث عن تنظيم “القاعدة” ليس حكراً عليه كتنظيم ذي هرمية معينة تصل بين القيادة العليا والتنظيم الأم وبين القيادات الفرعية وصولاً للعناصر والكوادر، بل الحديث يشمل كل تجليّات السلفية الجهادية مهما تعدّدت تسميات حركات العنف الديني المنبثقة عنها والتي تختلف من مكان لآخر.

ختاماً، فإنّ “الربيع” الأصولي الذي يشهده العالم العربي أصبح علامة تاريخية فارقة لواقعنا الحالي، وهو ما يستدعي بالتالي تعميق محاولات القراءة والتحليل وتشعيبها والتوسّع فيها، لا بالأعمال الفردية من قبل المختصين كل في مجاله بل بالعمل الجماعي والمؤسسي الذي يضمن مقاربة أفضل عبر تكامل الرؤى وتعدد المنتجات




* كاتب من السعودية


( الاتحاد الإماراتية )

شاهد أيضاً

تكاليف العزلة

*خيري منصور ما أعنيه بكلمة تكاليف ليس ما ينصرف إليه الذهن من فواتير وأسعار وسائر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *