الرئيسية / نصوص / مومياء ( قصة قصيرة )

مومياء ( قصة قصيرة )


د.ليندا عبيد *

لم يكن صباحا اعتياديا مثلما لم يكن يوم أمس مساء اعتياديا. المطر ينتفض بغزارة والضباب يقلق الطريق. سيارتها ترتجف بردا خلية خلية تصرخ خلف المقود. كان المطر يتوثب للسقوط من عينيها حزينة إلى حد امتلاء الحدقة به دون أن تمنحه إذن الهطول. تحمل دمية الميكي ماوس التي كانت آخر ما حملته من تذكارات الطفولة تنام فتمددها قربها على الوسادة وحين يصرخ الجليد في الجدران تضمها وتغفو. وهاهي الآن تشدها لصدرها تشعر بفمها يلثم نهديها، وكلما أحست بنزول المطر سدتها ساقيها وتابعت القيادة.

الضباب يدندن والأغنية تصرخ في الفضاء كأنما هي صرخة احتبسها الشتاء في القارورة طويلا. عيناها مسمرتان والمقود يتمايل مع حركة الطريق ،والضباب يمد ساقه ليعثّر السيارة.

البرد شديد تبدو نصف واعية، عقلها غائب في البعيد، وشعرها رغم المنديل مهوّش مثل امرأة ربطوا يديها إلى أحد الأسرة هدهدوا جبينها وتآمروا مع الكهرباء لاغتصابها إما من الأعلى إما من الأسفل .

اسر هذا البياض إذ تنتفض الحمرة من منتصف خدوده عيناها العسليتان قادرتان على لم كل دموع السماء! وساقاها الممتلئتان تصرخان بخصب الربيع أما نهداها فغابتان من الوحدة والوحشة لم يصلهما الماء منذ أن أنزل الله ادم وحواء من جنته
يومها كانت حواء مغرمة بأحد رجال السماء أتصدقون ؟لم يكن لديه ذكورة لكنه مسّ شغاف قلبها !هامت به حبا ،خبأت سوءتها ليحبها أما النهدان فلم تستطع خنق صراخهما.
السماء غادرت وطين الأرض لايقدّم رجالا بلا ذكوره!

النباتات على جانب الطريق ترسل دموعها فوق الأخضر تنفث روحها في الجليد، تهوّش شعرها لترقص رقصة الأنوثة المحتجزة في المعابد والهياكل. ما أكبر نهدي تلك الشجرة! أأنتم لا تصدقون؟ صدقوني لقد رأيت ذلك؛ طفل صغير يرتدي سترة خفيفة يرتجف بردا ما أكثر الجليد!يزداد الضباب ويهطل المطر ، تحدق في كيس البطاطا في يده فتبدو لها مثل حلزونات دبقة تتمطى بكسل. صدقوني كان يلتهمها رغم حزنه فيبدو أحسن حالا أيكون للحلزون طعم يبعث النشوة والفرح أو ربما كان تعويذة قديمة لطرد الهة الحزن القميئة؟ بللت شفتيها . اه ما ألذ الحلزون!

فتاة الجامعة تحمل مظلتها وتمضغ حبة لبان بينما يرشح الدم من شفتيها! هاهو يبلل قميصها أسنانها حمراء وعينها اليسرى أشبه ماتكون قد سدّ ت بعنكبوت. الرجل الواقف إلى جوارها كان يخرج دودا طويلا من منخريه يهرش بنطاله بيد لها عشرة أصابع ويحك دماغه بيد تحمل ثلاثة أصابع.

الشرطي المبلل بالمطر كان يحمل فأسا يضرب بها رؤوس المارة،يراقب بنهم كل سكنه وحركة ، ينتقي فريسته وإذ تتوقف السيارة يضرب دماغ السائق بفأسه. الدم يغطي ذراعه والعقارب تخرج من ثقب الأرض. ما أكثر الدم على الطريق!
دمية الميكي ماوس تنقلب على ساقيها تشعر بالبرد يتسلل إليها تغطيها بذراعيها تحملها تضعها داخل ثوبها كي لا يراها ذلك القاتل أمام سيارة الشرطة!

المطر مسفوح فوق وجهها والسيارة تهدر تضرب عقارب الأرض بعجلاتها. الأفاعي تخرج من كهوف الجبال ما أطولها وما أكثرها! تراقب خاتمه الفضي الملقى أمام المقود تنظر إلى الكرسي الفارغ فيمتد الضباب على الطريق.لم تمطر مساء أمس كانت لحيته مطلة من مسامات وجهه
كأنما هي تترقب شيئا يحدث!عيناه ذابلتان حزينتان . هذه المرة لم يمد يده ليصافحها لملمت أصابعها بخجل، أحاطت صدرها بذراعيها فأطل المتمردان الصغيران نافرين خجلين. لم لا تستطيع النظر بوجهه ؟ يبدو مرتبكا. مقامر وفاجر مساء أمس! أمام المقود لملم أوراق اللعب! السيارات فاجرة مثل مومس يزورها المحاربون المتعبون كل مساء يفتضونها آلاف المرات يتقيؤون هزائمهم ويرحلون!

لم يكن من رجال الجنة إنما له عينان دافئتان لا تشبهان عيون سكان الأرض الجليدية، أصابعه طويلة جدا مس شعرها المرسل على وجهها بشقاوة ، وضع خاتمه الفضي أمام المقود وقال :أنا لا أحتاج امرأة من الجنة تكفيني امرأة طينية تحب التفاح!

فجأة هطل المطر فرغ الكرسي وغابت أوراق اللعب. ارتدت المومسات ثيابهن وأغلقت السماء أبوابها، النحيب بقطّع قلب النوافذ والصوت خانق مكتوم متقطّع مثل ولادة متعسّرة. السواد يلف المدينة.

سيارة الشرطة قلعة سوداء يفيض الإسفلت من نوافذها والشرطي مازال يحرك فأسه بحثا عن فريسة تشبع نهمه والعقارب تلعق الدم من ثقب الأرض، الأفاعي تزحف نحو الشارع العام والضباب يتزايد. الدمع يرشح حتى المقود والقبور تملأ جوانب الطريق.

تلمست دمية الميكي ماوس، شدتها إلى صدرها ، تأكدت من إغلاق النوافذ وحينما رفعت يدها لتمسح المطر فرأت الطحالب تغطي أصابعها، أمسكت بالدمية فرأت أمعاءها تخرج من بطنها المفتوح، شدت شعرها المهوّش رمت خاتم الفضة من النافذة، نظرت إلى آخر ما تبقى من تذكارات الطفولة فتحولت ابتسامة الدمية إلى مومياء!

 

 

 * قاصة وأكاديمية من الأردن

شاهد أيضاً

كلاب

خاص- ثقافات *محمود شقير        يأتينا الخبر ونحن نغطّ في نوم الضحى بعد سهرة صاخبة، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *