الرئيسية / نصوص / أزمنة مختلفة: 1982

أزمنة مختلفة: 1982


إبراهيم نصر الله*
ثقافات-        قصيدة جديدة:    من ديوان (على خيط نور هنا بين ليلين)

على عتْبَةِ البرِّ، برِّ الثلاثينِ كنتُ أودِّعُ سهلَ الطيورِ جوارَ المخيمِ، عينايَ صافيتانِ وقلبي جرئٌ

وخلْفيَ كلُّ الخطايا الصَّغيرَهْ!

مِن زهرةٍ أوقعتْ ابنة الجارِ في الفخِّ،

حتى المَشيبِ المُبَكِّرِ في قلبِ أُمّي،

ومدرستي في اصطيادِ الحساسينِ بالماءِ أو بالأغاني الرَّقيقَهْ!

خرجتُ وسرتُ بعيدًا..

وما سارَ خلْفيَ مُهْرٌ ولا قطةٌ أو حديقَهْ!

ربما كنتُ أحببتُ أكثرَ من مرّةٍ وسهِرتُ

ولكن كلَّ فتاةٍ عشقتُ..

إلى عُرْسِها انطلقتْ مثلَ سَهْمٍ ولم تلتفِتْ

قلتُ: لا بأسَ في كلِّ قصةِ حبٍّ خسرتُ الذي ليسَ لي غيرُهُ

أقصدُ القلبَ، لكن رَبِحْتُ صديقَهْ!

اعترافي هنا هو نصفُ الحقيقَهْ!

***

حين كنتُ أُفتِّشُ بين الرُّفوفِ الكثيرةِ.. في فُسحةٍ ضيِّقَهْ

باحثًا عن طريقٍ وديوانَ شِعْرٍ جديدٍ

هناكَ اشتعَلْتُ بها

قلتُ: يا ربُّ مَنْ يقرأُ الشِّعرَ حين تكونُ فتاةُ الثلاثينِ كاملةً ملءَ عِنّابِها

ههنا يتأمَّلُها دونَ خوفٍ

ويُولَدُ بين أصابِعها

إذ تصافِحُهُ كسماءٍ؟!

تقولُ لهُ: أنتَ لن تتخيَّلَ!

قلَّبتُ هذي الرُّفوفَ، هنا، واحدًا واحدًا

وأنا في الهواءِ أفتشُ عنكَ!

فقلتُ: اسأَلي.. كان يمكنُ أن تسأَلي المكتَبيَّ

فقالتْ: إذا دلَّني المكتبيُّ عليكَ

فكيفَ أقولُ بأنّي وجدتُكَ؟!

أرختْ أصابعَها فانتبهتُ

بأنيَ أحببتُ

ودَّعتُها:

– نلتقي!

– نلتقي!

ومن يومِها قد عرفتُ طريقي

كما حفظَ القلبُ، غيبًا، طريقَهْ

ولكنني لا أقولُ هنا غيرَ نصفِ الحقيقَهْ!

***

– أنتِ لا تعرفينَ، أقولُ لها بعد عشرِ سنينٍ

ظلاليَ خضراءُ منذ رأيتُكِ

روحيَ خضراءُ

قلبيَ أخضرْ

وكلُّ حديثٍ مررْتِ بهِ بين نفسي ونفسي تجلَّى وأمْطَرْ

وما في التلالِ مكانٌ ولا في البوادي البعيدةِ

أو في السماءِ وأكثرْ..

مدًى لم نُعمِّرْهُ

أو لم نباركْ طفولةَ أعشابهِ وبراءةَ أفراسِهِ والخيولْ

وما مِن مدًى لم نوسّع مداهُ

ونملؤهُ شجرًا وحقولْ

وما من غناءٍ وما من فضاءٍ

وما من جَمالٍ تفتَّح قربَ الينابيعِ

أو زهرةٍ فتّحتْ في السّهولْ..

لم نلِدْها كما قد وَلِدْنا هنالكَ أجسادَ أرواحِنا والحياةَ

وأسماءَنا واكتمالَ الفصولْ

… ..

بعد عشرينَ عامًا

عَبَرْنا الثلاثينَ!

قُلتِ: كَبِرْنا، أتعرفُ هذا؟!

ولكنْ لماذا يُخيَّلُ لي أننا الآنَ أصغَرْ!

… …

بعد خمسينَ عامًا، هنالكَ في القدسِ أو في الجليلِ،

سأرجِعُ ثانيةً لسهولي وللطيرِ

عيناكِ متعبتانِ قليلا وخطويَ أَقْصَرْ!

وخلْفيَ خمسونَ مُهْرًا وقلبٌ طليقٌ وألفُ حديقَهْ

لأُوْقِعَ قلبكَ ثانية بثلاثينَ ديوانَ شِعرٍ، نَسِيْتِ بأنيَ شاعرُها، وبسِرْبِ أغانٍ رقيقَهْ

وحينَ أمرُّ عليكِ أقولُ، وحولَكِ أحفادُكِ الرّائعونَ:

صباحًا جميلا لأغلى صديقَهْ!

ولكنني لا أقول هنا غيرَ نصفِ الحقيقَهْ!

شاهد أيضاً

هل التاريخ لا نهايةٌ من الطّرائد؟

*أدونيس 1 – تعِبَ الأفقُ في عالمنا، من ثِقَل الأجنحة التي تحمل حقائب البريد، الآتية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *