أمجد ناصر: المقال الصحفي وكتابة الذات

(ثقافات)

أمجد ناصر: المقال الصحفي وكتابة الذات

 

يحيى القيسي*

 

مُفتتح

أحياناً وأنت تقرأ مقالاً للأديب والصحفي أمجد ناصر[1] تجد نفسك أمام مقاطع من قصيدة لم تكتمل بعد، أو شهادة من سيرة ذاتية بلغة سرديّة عالية، أو تستكمل من خلاله ما غاب عنك في إحدى رواياته، ولعلك تتعرّف أيضاً على موقفه الوجودي، وانشغالاته السياسية، والاقتصادية، والثقافية،..وغيرها بطريقة جليّة غالباً أو مواربة أحياناً .

كان عليَّ أن أكتشف “أمجد” من جديد، وأنا أنبش في أرشيفه الصحفي المبثوث في مواقع كثيرة، لهذا أجد من الواجب شكر “مؤسسة عبد الحميد شومان” التي ورطتني في البحث والتقصّي لأيام طويلة عن مقالات “أمجد” – وهي ورطة جميلة بلا شك – كي أعيد قراءتها، أو ربّما لأقوم بقراءتها للمرّة الأولى، كأنّي بذلك أكتشف جانباً جديداً من شخصٍ عرفته من قرب، صديقاً عزيزاً، وشاعرا شفّافاً، وسارداً متميزاً، وكاتباً صحفياً، ومدير تحرير عملت معه بشكل متواصلٍ وشبه مباشرٍ لمدة عشر سنوات.[2]

لا يمكن فصل أمجد الإنسان والأديب عن مقالاته الصحفية، التي قد يتوقع المرء أنّها ذات صبغة رسميّة، تذهب مباشرة إلى الحدث السياسي لتحليله، وبيان الموقف منه دون الكثير من الحضور الشخصي أو التنميق اللغوي، لكنّ أمجد كما أسمائه الكثيرة[3] ومواهبه المتعددة يمكن أن تراه في كلّ مقال مبدعاً في تنوع موضوعاته، وأساليب كتابته ولغته، دون أن يُسبّب هذا الغنى المعرفي والأسلوبي تضحيةً للموضوع المطروق، أو طغيان جانب على آخر.

سيكون من المفيد أيضاً أن يتحدّث أحدنا في هذا الملتقى أو غيره عن أمجد الحكّاء، الذي يتقن الحديث الشفوي، حيث يشدّك إلى موضوعاته الأثيرة من أول لقاء به، بحماسته المُبالغ بها، وتشبيرات يديه، وصوته العالي المتهدج، وكأنّك أمام بدوي في بيت شعر يخاطب ضيوفَه، ويشرح لهم بكلّ ما أوتي من بلاغة فطرية، وقدرات شفوية عن أمرٍ ما. ذلك ملمح خفي يمكن للقارىء المتبحّر أن يلمسه في مقالات أمجد أيضاً، وكأنّك تجلس أمامه وهو يقرأها عليك مباشرة، فتسمع صوته عالياً داخل النصّ، وهو يحاول أن يقنعك برأيه مدجّجاً بكل ذلك التنوّع الموجود في نصوص مقالاته، من اللغة الجزلة، والتعبيرات الشائقة، وتقنيات السّرد المتنوعة، والصّياغات المُبتكرة، والمعلومات الجديدة، والصُّور الطازجة.

أما عن موضوعاته فإنّه لا يكتفي بالانحياز الواضح للقضايا الوطنية الكبرى كمثقف عضوي مشتبك مع أمّته، بل يتناول المسائل الشخصية التي تبدو عادية إذ يلتقطها بذكاء، وينفخ فيها من قدراته البلاغية والمعرفية لتغدو مسألة عامّةً، وهو بكلّ ذلك يسعى إلى أن تخرج بعد قراءتك لمقاله وأنت مقتنع برأيه، فأمجد مناضل في النهاية بغضّ النظر عن طريقته في النضال سواءً كان بالبندقية أم بالمقال الصحفي والقصيدة، وبالتالي لا يقبل أن يرفع “الراية البيضاء”، بل أن يخرج منتصراً في كلّ حالاته.

حتى في مرضه وخسارته لجسده الذي ذوى أمام ناظريه مثل شجرة، ظلّ يخاطب عدوّه الخفي المتربّص به، طالباً منه النزال، فهو كأيّ بدوي لا يقبل الغدر به بل يحبّ المواجهة المباشرة مع غريمه، وهي عادة الفرسان والنبلاء الذين يختارون الحرب النظيفة التي تنطوي على الأخلاق والقيم، وليس الطعن من الخلف.

يقول بيير جوريس الشاعر والمترجم الأميركي:

عُرف أمجد ناصر بمواقفه السياسية المناصرة للعدالة ومساندته للحقوق الفلسطينية منذ أمد بعيد. وقد تسبّب ذلك في منعه من دخول الولايات المتحدة الأمريكية..، سألت أمجد ناصر في غمرة حوار قصير أجريته معه قبل سنوات عن دور الكاتب وكان جوابه: ينبغي للمجتمع أن لا يضطلع بمسؤولية خاصة حيال الكاتب، أو الشاعر أو الفنان بشكل عام. ذلك أنّه يشكل جزءاً من هذا المجتمع، وينبغي له أن لا يتعالى عليه، أو يكون على هامشه في الآن نفسه. ويتمثل الصواب بالنسبة له في أن يكون جزءاً منه. وسوف يصبح في مقدوره والحالة هذه أن يدافع من أجل حرية هذا المجتمع وحقوقه الإنسانية والمادية والمدنية المشروعة.[4]

موضوعات مقالاته:

يمكن القول إنّ أمجد كتب في العديد من الموضوعات من خلال مقالاته التي نشرها بشكل أساسي في القدس العربي، والعربي الجديد، والجزيرة نت، ومن هذه الموضوعات ما يقع تصنيفه تحت  السياسة لاسيّما الشأن الفلسطيني، والشأن السوري، والشأن المصري، وحصار بيروت، إضافة إلى مقالات متخصّصة في حقل الثقافة مثل كتابته عن ماركيز، ودرويش، وجبران وغيرهم، كما انشغلت بعض مقالاته بالسيرة الذاتية له، ويندرج تحتها سيرة مرضه، ووالدته، ورحلاته، وعاداته،..، هذا إضافة إلى موضوعات عامة استهوته فكتب عنها.

سنكتشف ونحن نقرأ مقالاته في كلّ هذه الموضوعات المتشعّبة، التي تبدو متباعدة في هواجسها أنّ أمجد حاضر في أغلبها كشاهد أو مشارك، لهذا تبدو مقالاته تعبيراً صارخاً عن كتابة “الذات” واشتباكها العضوي مع القضايا المصيرية أو حتى التي تبدو هامشية، وسنتناول هنا بعض هذه المقالات كنماذج لهذا الاشتباك، ونلقي الضوء عليها، ونكشف عن كيفيّة حضور “أمجد” فيها، وقد قمت بتقسيمها إلى عدة أنواع، مع ضرب أمثلة منها، إذ لا يتّسع المجال هنا لتناولها كلها، فقد تحتاج إلى كتابٍ مُنفصلٍ، أو أطروحة جامعية تسبرُ أغوارها وتنشغل بها.

أولاً: المقالات السياسية

أ – فلسطيني من أصل أردني: لطالما كانت فلسطين قضية أمجد الأولى التي بدأ بالتعبير عنها عمليّاً عبر الانضمام إلى فصيل ثائر، والتخفّف من اسم قبيلته الأردنية، والانغماس بكلّ كيانه في النضال الثقافي والميداني، ولاسيّما خلال حصار بيروت.

كثيراً ما أخبرني أنّه يفرح حينما يقال عنه إنّه شاعر “فلسطيني” أو كما أطلق عليه صديقه الشاعر غسان زقطان “فلسطيني من أصل أردني”، إذ يحبّ وقع هذه الكلمات المتفردة، ففي الغالب يقال عن الشخص إنّه “أردني من أصل فلسطيني” كنوع من التوصيف أما العكس فهذا أمرٌ نادر، رغم أنّني شخصياً أميل إلى خلاصة ما توصل إليه الأديب غسان كنفاني في روايته “عائد إلى حيفا” أن الإنتماء إلى فلسطين يكون فكرياً عبر تبني قضيتها وسرديتها، وليس محصوراً بأهلها، فقد يكون السّوداني فلسطينياً أكثر من بعض أهلها، وكذلك الجزائري، والسوري، والأردني وغيرهم. ربّما لهذا أمضى أمجد كلّ حياته تقريبا عاملاً في مؤسسات فلسطينية منذ التحاقه بالثورة الفلسطينية في بيروت، ثم قبرص، ثمّ صحيفة القدس العربي في لندن، وأخيراً عمله في “العربي الجديد” حتّى رحيله.

قد يكون مقاله “فلسطيني من أصل أردني” من آخر ما ينشر له من مقالات في موقع العربي الجديد بداية يوليو 2019، إذ كان في الأشهر الأخيرة من مرضه، وجاء بعد نحو أسبوعين تقريباً من الاحتفاء به في عمان من قبل أصدقائه ومركز القدس للدراسات. شخصياً تابعت هذا الحدث عبر الانترنت من بريطانيا، وبدا لي  حينها أمجد شخصاً آخر بجسده الذي أثخنه المرض، لكنّه كان متوقد الذّهن وحاضراً رغم معاناته، وظل يؤشّر على فلسطين طريقاً للنضال.

المقال الذي جاء من وحي تلك الاحتفالية أو “التأبين المبكر” بدا لي مكتوباً بأسلوبين مختلفين، لأنّ أمجد في تلك الأيام كان يملي على بعض من حوله مقالاته، فقد كان في حالة لا تسمح له بالكتابة المباشرة.

لن أمر على مقالاته القديمة في موضوع فلسطين لكنّي سأتناول بعض ما كتبه خلال العشرين سنة الماضية كمثال لا أكثر:

في مقال له بعنوان “العرض لم ينته” نشره في زاويته في القدس العربي عام 2006 يكتب بطريقة الاسترجاع “الفلاش باك”:

أعادت إلي هذه الأيام (2006)  أياما أخرى من هلع وطائرات وفتيان يصوبون فوهات يدوية نحو قلاع طائرة من دون جدوى. ... صواريخ تغوص في غرف النوم، وتترك فيها رائحة لا تشـــبه روائح غرف النوم عادة. شممتُ هذه الرائحة في (بيتي). رأيت مرور صاروخ من غرفتين. وحده سرير (يارا) الخيزراني ظل شاهداً على أنّ لي ظلا يحبو على الأرض. لست وحدي من تعبث به الذاكرة، من تتراقص أمامه صور كتلك الصور التي سالت من الشاشات. لا بدّ أنّ (غسان) يجلس الآن، جلسته المصمّمة لاحباط سلاح طيران كامل من فرط عبثيتها ويدخن بلا انقطاع في مهبّ هذه الذكريات، وقد تتحسّس (ناتاشا) ثقل بطنها الذي كان يحمل (مكسيم) وهي ترقى أدراج بناية بلا مصعد إلى شقة في الطابق الأخير المشرف على حطام مدينة من دون أن يهزّ الهدير ثقتها بانتصار فكرة قرأتها في الكتب.[5]

من مقالاته الأخرى المنشورة في الجزيرة عام 2012 بعنوان “ثلاثون عاماً على حصار بيروت.. مَنْ يتذكر؟ ” يقول أمجد:

لن يعرف أحدٌ كيف تضيق الأرض وتتحول السماء إلى صفيحٍ ملتهبٍ يلامسُ الرؤوس، ولن يدرك معنى أن تصبح الحياة مجرد مصادفةٍ سعيدةٍ إلاّ الذين كانوا هناك: في بيروتَ صغيرةٍ بحجم راحة اليد.

لكن الإذاعة الفلسطينية – التي كنت التحقت بها قبل شهرين مشرفاً على برنامجها الثقافي- هي التي ستكون الأكثر تعرضاً للقصف الإسرائيلي، والأكثر استقطاباً للكتّاب والصحفيين الفلسطينيين والعرب المقيمين في بيروت، وهي التي وجدت نفسي في قلب ورشتها الإعلامية والإنسانية الفريدة من نوعها، في لحظة فريدة من نوعها في حياتي الشخصية والمهنية.. والنضالية. لحظة اعتقدت – في خضمِّها – أنْ لا لحظة بعدها، أنْ لا زمن سيأتي، وإن جاء فلن أكون من عائشيه.[6]

سيصدر أمجد لاحقاً كتابه عن حصار بيروت بعنوان “بيروت صغيرة بحجم راحة اليد”، وهذا دليل أنّه أحياناً كان يقوم من خلال مقالاته بزرع بذرة لموضوع يتوسع فيه لاحقاً، ويصدره في كتاب منفصل، وهناك أمثلة على هذا النوع من الكتابة التي تؤشر بشكل مبكّر على كتاب ما في المستقبل سأمرّ على بعضها في سياق هذا البحث.

في الثالث من إبريل من العام 2014 كتب أمجد رسالةّ في مقال أو مقالاً في رسالة إلى الرئيس الفلسطيني أبومازن يبدأها بالقول: “دعني أخاطبك على الطريقة الفتحوية القديمة التي لم يعد يخاطبك بها، على الأغلب، كثيرون: الأخ المناضل أبو مازن، فهذا لقب أهم وأبقى، في الطريق الطويل الى فلسطين، من ألقاب الحكومات والدول، لأنك لا تزال، وهذا ما تكشفه لك الوقائع كل يوم، رئيس حركة تحرر وطني لم تنجز مهامها الوطنية بعد، وقائد شعب لم يتوقف عن النضال منذ قرن في سبيل تحرير أرضه من الاحتلالات المتعاقبة”.[7]

وعبرها قدّم أمجد نصائح مباشرة من واقع خبراته السياسية ونظرته المستقبلة وانشغاله اليومي بالشأن الفلسطيني، وهي رسائل جريئة وتنطوي على شجاعة وبعد نظر، وهي من المقالات القليلة التي يكون فيها أمجد مباشراً ويكتب دون تحفظ أو ديبلوماسية.

 “ليست هذه الكلمات دعوة لـ “إعادة” احتلال المناطق التي “تسيطر” عليها السلطة كي يشتد عصب النخبة السياسية الفلسطينية التي لم تعلن استقالتها بعد من عبث المفاوضات، فبمقدور هذه النخبة أن “تشدّ حيلها” حتّى وهي تمر بهذا التردي غير المسبوق”.

ب – رسول السوريين

منذ بداية الثورة السورية انحاز أمجد إليها بشكل لا لًبْس فيه، وبدأ بتحمل وزر هذا الانحياز، وبدا ذلك واضحاً في مقالاته ومقابلاته، وكتابه الشعري “مملكة آدم”، حيث تمثل هذه المملكة “سوريا” وقد اختار فيها أن يكون رسولاً للسوريين المعذّبين ويتحمل الرحلة إلى دركات الجحيم ليشكو “الرجل الزرافة” الذي يمثل “الرئيس”، وللأسف لم يُقدر لأمجد أن يشهد هروبه المدوي وانتصار الثورة.

يقول خضر الآغا في مقاله الذي جاء بالعنوان نفسه أي “أمجد ناصر ..رسول السوريين” : في بدايات الثورة السورية.. كتبت له: “إنك تحمل سوريا على ظهرك كالحدبة”. خلال أشهر الثورة الأولى، وربما خلال السنة الأولى لم يتوقف عن نقل وتحليل مجريات الثورة وعن التعريف بالسوريين وبهمجية النظام، إن كان عبر مقابلات تلفزيونية، أو كتابة مقالات صحفية، وعبر كل ما هو متاح. كان متدخلاً كما ينبغي لشاعر صاحب قضية، وقد كانت سوريا قضيته مثل الأردن (بلده) ومثل فلسطين، بل كانت، خلال الثورة، قضيته الأولى.[8]

من المؤكد أنّ لأمجد علاقة خاصة بسوريا تسبق الثورة بكثير، فقد كان له أقرباء في قرية تل شهاب بحوران زارهم أكثر من مرّة، وتحدّث عنهم، وهذه القرية لها حدود مباشرة لقرية الطرّة الأردنية التي ولد فيها، ولم يكن هناك فاصل بينهما في الماضي قبل أن تأخذ الجغرافيا السياسية حصّتها من التقسيم، إذ كانت القبائل البدوية تتنقل بين الحدود بشكل طبيعي، خصوصاً في مناطق الأردن وسوريا وفلسطين بحثاً عن الكلأ والماء لأغنامها.

في مقال له بعنوان “رحلة مع المُهرّبين إلى درعا”[9] وهو يُعد نصاً أدبيا خالصاً مفعماً بالوصف المتقن، واللغة الرشيقة يصف أمجد رحلته في طفولته مع جدّته إلى درعا، وقد يكون قد أضافه أو ضمَّنه بعضاً من نصوصه السرديّة التي أصدرها لاحقاً.

منذ بداية الثورة السورية كان أمجد واضحاً في موقفه تجاهها، وكتب الكثير من المقالات، وقد ظهر أولها بعنوان “عليّون حاكمون ..عليون ضحايا” [10] يقول فيه :

هل الحكم في سورية طائفي أم لا؟ وبوضوح أكثر: هل نظام الحكم في سورية علوي؟هذا السؤال ليس جديداً في أدبيات المعارضة السورية سواء ذات المرجعيات الماركسية أم تلك التي تدور في فلك مرجعيات قومية ودينية. مضى وقت طويل لم أتابع فيه “أدبيات” المعارضة الماركسية السورية، ولكني أتذكر نقاشات جرت في منتصف السبعينات حتى أواخرها، انخرطت فيها شخصياً، حاولت أن تُشخّص “التركيب الطبقي” للنظام السوري من منظور ماركسي جديد. ما أتذكره أنّ تلك النقاشات لم تر في التركيبة الطبقية للنظام السوري بعداً طائفياً، أو لم تر في الطائفية أحد مكوّناته البنيوية، بقدر ما رأت أن النظام في سورية يقوم على تحالف طبقي بين العسكر والبيروقراطية الحكومية من جهة والبرجوازية السورية من جهة أخرى.

من الواضح أنّ أمجد ناصر يتحدث في هذا المقال من واقع خبرته السياسية والاجتماعية الطويلة في الشأن السوري، فقد تناول حينها خطاب الرئيس السوري وتحذيره من الفتنة، التي وردت مفردتها في خطابه 17 مرّة، كما ينتقل أمجد في مقاله هذا من السياسي إلى السينما حيث يستعرض فيلم أسامة محمد “نجوم النهار” ثم إلى الجانب الأدبي حيث رواية سمر يزبك “لها مرايا”، ويبرز أمجد نفسه كشاهد أيضاً، ومن المعروف أنّ انتقالات أمجد في المقال الواحد بين السياسي الجاف والمباشر إلى الثقافي أمرٌ في غاية السلاسة، فهو يخفّف من وطأة الرؤية المباشرة للمقال السياسي، وينتقل بها إلى نطاق أوسع وأكثر مرونة حيث الثقافة بكل تجلياتها، وكأنّك تقرأ نقداً أدبياً أو سينمائياً داخل المقال المخصّص للقضايا السياسية الساخنة والشائكة.

ماذا تريد أن تقول سمر يزبك في هذه الرواية؟ أظن أنّها تريد أن تقول، بوضوح، إنّه إذا كانت النواة الصلبة للسلطة الحاكمة ذات منبت علوي فإنّ بعض معارضيها هم أيضاً علويون. كما لا يكفي أن يكون المرء علويّاً كي يجد موطىء قدم تلقائيا له في ركاب السلطة. ليس هذا جديدا بالنسبة لي. أنا شخصياً أعرف عددا كبيراً من المعارضين السوريين المنحدرين من جذور علوية زُجّوا سنين طويلة في السجون وتعرضوا لتعذيب وحشي على أيدي سجانيهم. أعرف هذا مثلما يعرفه كثير من السوريين.[11]

ربّما وجدتُ مقالاً سياسياً واحداً لأمجد في الشأن السوري تمّ نشره في موقع الجزيرة نت نهاية العام 2011 بعنوان “من يفجر الحرب الطائفية في سوريا؟”[12] وهو مقال سياسي محض لا ظهور لأمجد فيه، ولا وضوح لاستشهادات من خبراته المباشرة أيضاً، كما يحصل عادة في مقالاته، وهذا أمرٌ نادرٌ في منهجه المعتاد عليه في كتابة المقال.

من المقالات الأخيرة التي نشرها عن الشأن السوري ما يتعلق باللاجئين السوريين في المفرق، وأظن أنّه كتبه بعد رجوعه الأخير إلى الأردن أي في بدايات العام 2019 بعد زيارة لمخيم الزعتري ونشره لاحقا في الثامن من يوليو 2019 أي في الفترة التي شهدت على ما يبدو لنا توقفه عن الكتابة المباشرة، وثقل المرض عليه.

“على بعد ثلاثة عشر كيلومتراً من بيت أهلي في المفرق، يقع أكبر مخيم للاجئين في الشرق الأوسط، هو مخيم الزعتري. أعرف هذه المنطقة من قبل… كنا نذهب صغاراً للعب بالقرب من مهاجع الطائرات، ولشرب الشاي بالقرب من “ماتورٍ” لا يتوقف عن الضجيج يسحب الماء من إحدى الآبار الداخلية، وتأتي تنكات المياه لحمله إلى من هم بحاجة إلى هذه المياه النادرة.

لا تبدو هناك نية لدى النظام السوري لإعادة من شرّدتهم دباباته وبراميله إلى مدنهم وقراهم. لكن الديموغرافيا لا تخيف الأردنيين. وربما لا تخطر على بالهم. ما يشغلهم أن يتخلى العالم تماماً عن اللاجئين السوريين: بشراً وأفقاً سياسياً. وهذا ما يحصل.”[13]

 

ج – كتابات سياسية أخرى

كتب أمجد مقالات أخرى يتناول فيها موضوعات سياسية لدول بعينها، ومن ذلك مقالات عن الأردن، ولبنان، والعراق، ومرة أخرى تجد أمجد حاضراً في مثل هذه المقالات عبر استرجاع خبراته من الماضي، فحتى لو كان الموضوع عن بلد مثل العراق يستعيد أمجد ليالي بيروت الحالكة.

“يبدو أنّه حتى الحروب الاهلية، في العالم العربي تنحط. الحرب الاهلية هي، أصلاً، انحطاط المجتمع إلى دركه الأسفل، فكيف إذا كانت انحطاطاً على انحطاط؟ عشت أثناء، وبعد، الحرب الأهلية في لبنان. كانت هناك، رغم الانقسام الطائفي والأهلي المريع، خطوط حمر لا يتجاوزها المُتخندقون وراء متاريسهم”.[14]

أمّا في الشأن الأردني فكتاباته خلال السنوات العشرين الماضية قليلة، ومع ذلك فإنّه حينما يكتب يذهب بعيداً بكل طاقته التعبيرية، وتوظيف ما يفيد من أمثال أو تعبيرات أردنية خالصة، وسخرية حادة لإيصال فكرته، يقول في مقال له بعنوان ” ما فهمتونا ..عظم الله أجركم ” في بدايات ما يسمى بالربيع العربي، حيث طالت موجة التسونامي بشكل أو بآخر بلده الأردن، وإن كانت بدرجة أقل تأثيراً من بعض جيرانه:

رغم قناعة الأردنيين العامة بأنّ حكومات بلادهم المتعاقبة ‘لا تحلُّ ولا تربط’ إلا أنّهم راهنوا، هذه المرّة، على عون الخصاونة. لأنّ الرجل نفسه مختلف، والأهم لأنّ الظروف، هذه المرّة، مختلفة. فهذه هي الحكومة الثالثة التي تشكل في ثمانية أشهر على وقع ‘الربيع العربي’ الذي تردَّد صداه سريعاً في الأردن!  ثلاثة رؤساء وزرات في ثمانية أشهر؟!  أضربوها بنحو ثلاثين وزيراً للحكومة الواحدة: نكون أمام ما يقرب من تسعين وزيراً أضيفوا إلى قائمة لا نهائية من الوزراء في الأردن!

هذا كثير. هذا لا يحدث في روضة، في مدرسة ابتدائية، في فرقة كشافة، وليس في كيانٍ سياسي عمره يقترب من قرن![15]

أما عن الشأن المصري فنأخذ مقالاً له بعنوان “إخوان وعسكر: أهذه مصر؟” والذي ختمه بتوضيح محاولاً تبرئة نفسه من تهمة الأخونة”، وهي تهمة بعيدة بالطبع عن أمجد وتاريخه وطبيعة تفكيره، لهذا جاءت بعنوان “إشارة فائضة عن الحاجة” وهي فعلاً كذلك، ولا أعرف ما هي الضغوطات التي كان يواجهها أمجد حينها حتى أضافها لمقاله ذاك.

“ما سبق هو موقف كاتب هذه السطور على ما قيل عنه شخصياً، وعن هذا المشروع الذي ينخرط فيه، باعتبارهما اندراجاً في “أخونة” خفيِّة. أَظنّ أنّه صعب، إن لم يكن مستحيلاً، على يساري عتيق مثلي، أن يكون “إخوانيا”.. كلّ ما في الأمر إنّي، والعديد مثلي، سواء في هذا المشروع أوغيره، لم ننخرط في سعار العداء للإخوان، ولم نصدح في أبواق المديح للعسكر الذي ينبغي أن يكون على الحدود، لا في الشارع، ولا في سدَّة الحكم. كان ذلك موقفي من قبل، وسيظل من بعد. فلم يُضحِّ مئات الآلاف من الشباب العربي بأرواحهم لكي يعود الاستبداد من الشباك، بعدما ظنّنا أنّه خرج من الباب”.[16]

أستطيع التكهن  – دون جزم – أنّ طبيعة الخطاب الذي صبغ بعض توجهات الصحيفة التي كان يعمل فيها أمجد أي “العربي الجديد” بشأن إخوان مصر والسلطة فيها قد ساهم في إعطائه اللون نفسه كنوع من التعميم، دون أخذ الاعتبار لتاريخه الماركسي العريق، أو لرأيه الخاص والمتفرد الذي قد يخالف كثيراً أو قليلاً هذا الخطاب[17].

ثانياً: المقالات الثقافية

خصّص أمجد الكثير من مقالاته الأسبوعية لموضوعات ذات طابع ثقافي خالص، رغم أنّه لم يستطع التخلص كثيراً من البعد السياسي فيها، أو حضور الذات كشاهدٍ أو مشارك، أو كي يبدي وجهة نظره الخاصة، ومن ذلك مقالاته عن الشاعر محمود درويش، فقد نشر مقالاً في الأول من سيبتمبر من العام 2010 بعنوان “لماذا أسقط درويش بعض قصائده القديمة؟”  تناول فيه المختارات التي صدرت في “كتاب في جريدة” وهي قصائد كان  درويش قد اختارها بنفسه.

“.. وعلى عكس ما يمكن أن يذهب إليه الظنّ في لحظة فلسطينية كثيفة، فإنّ الشاعر لم يأخذ في الحُسبان، كما سنرى، سوى ما يؤكد شعره في الشعر، وقصيدته في القصيدة، لا ما يَدخلُ في جهد اللحظة الفلسطينية الحاضرة من كتابات، بعضها طيب النية لكنّه ساذج فنياً، وبعضها الآخر يركب الموجة ليس إلاّ”.[18]

ويخلص أمجد إلى نتيجةٍ ما يمكن أن يعول عليها وهي “أنّ درويش اختار أعمالاً أراد لها أن تقرأ لا أن تحفظ وتتلى عن ظهر قلب! هل فعل درويش ذلك حقا؟ أم أنّ ما قلته مجرّد تأويل وفذلكة؟ هذه الاسئلة، التي قد لا تشغل بال القارئ المهتم بشعر محمود درويش تعبّر عن انشغال درويش بالجمالي إلى حدّ التضحية بقصائد له سكنت الذاكرة العامة. رحل درويش لكنّه ترك كثيراً من الأسئلة التي تتعلق بمنجزه الكبير.. ،وهذا قصارى ما يطمح إليه أي شاعر. فبالسؤال والقراءة والتأويل يبقى الشعر بعد أن رحل الشاعر، فلا حارس للنصّ إلا النّصّ نفسه”.

ثمة مقال آخر بعنوان “الشبِّيحة’ يختطفون محمود درويش” ويتناول فيه المسلسل الذي تمّ إنجازه عن الشاعر الراحل، وكيف تمّت الإساءة إليه بامتياز عبر التمثيل الهزيل والنصّ المتهافت، وقد بدأ أمجد في مقاله هذا هجومياً بشكل حاد دفاعاً عن الصورة التي يعرفها لدرويش من خلال قراءته له أوعلاقته المباشرة معه.

من الواضح توظيف أمجد المبكر لمصطلح “الشبّيحة” ودلالاته الخاصة في سوريا، والأبعاد السلبية التي انطوى عليها منذ ذلك الوقت إلى اليوم حيث انتشر بشكل غير مسبوق.

“يطلق هذا الممثل السيىء النّار بين عيني محمود درويش ويرديه صريعاً. يموت درويش أمامنا على الشاشة قبل أن ينطق جملة واحدة، يموت ما إن تطالعنا البلادة الطافحة من وجه ممثل “شبّيح” بامتياز. لا يموت درويش بنبلٍ، كما فعل في سفرته الأخيرة إلى الموت، ولكنّه يموت ببلادة، بلا حدّ أدنى من الذكاء الذي كان خصلةً فارقة تتموَّج على جبينه. وهذه أسوأ الميتات. إنّها جناية معلنة يُقدم عليها المدعو فراس إبراهيم بحقّ درويش

كان ينبغي منع المدعو فراس إبراهيم، بكلِّ السبل، من ارتكاب حياة محمود درويش، فليس هكذا يتقزَّم، أمام أعيننا، من كان طويلاً ونحيلاً “كشهرٍ من العشق” أو أكثر”.[19]

سنكتشف جانباً آخر من أمجد، وهو الناقد الحصيف حيث بدا ذلك واضحاً في مقالٍ له بعنوانشاعر المنفى والروح المرفرفة” [20]حيث يمارس الكتابة النقدية بامتياز لنصّ أدبي، إذ قام بتحليل قصيدة درويش عن صديقه راشد حسين، والأخرى التي خصّّصها لإدوارد سعيد، حيث قدّم أمجد نقداً جماليّاً شائقاً للنّصّين عبر مقاربة شخصية بعيداً عن النقد الأكاديمي المعلّب.

 

ثالثاً: كتابة السيرة (العائلة والمرض)

حظيت سيرة أمجد الشخصية بنصيب وافرٍ من مقالاته التي نشرها في الصحافة العربية خلال العشرين سنة الماضية، وسأركّز في هذه المقاربة على قلقهِ من الموت بمرض السرطان، قبل أن يصاب به فعلا بربع قرن، فقد بدا ظهوره أوّل الأمر في قصيدة له تعود إلى العام 2000 أهداها إلى صديقه الفوتغرافي السعودي صالح العزّاز الذي رحل بعد إصابته بهذا المرض سيء السمعة، وقد استدعى أمجد عبارات من هذه القصيدة عدّة مرّات لاحقاً في سياق مقالاته الصحفية، وخصوصاً الجملة الشهيرة:

 “سمعت مرّة من يقول إنّ الأشخاص يموتون كما يموت ذووهم[21].

سأتذكر هنا زيارتي مع أمجد لوالدته فضّة العويد في مستشفى الملكة علياء العسكري في العام 2000 حيث كانت مصابة بالسرطان، وفي شهورها الأخيرة. حين خرجنا من عندها بدا لي أمجد متأثراً بشكل واضح، وقال لي بصوت متهدج شاعراً بالألم “أخذتني المنافي طويلاً ولم أرها كما ينبغي، لو رحلت دون أن أراها سأعيش كلّ حياتي المقبلة في الندم” ثم أضاف “وددتُ لو أنّي قضيت كلّ حياتي جالساً قربها”.

سيكتبُ مقالاً بعد رحيل والدته بسبع سنوات بعنوان “قبر فضّة” [22]، وهو يبدو قصة قصيرة مكتملة الأركان، أو جزءاً من عمل سردي كان يشتغل عليه حينها.

من المؤكد أنّ رحيل أمّه كان له التأثير الكبير في مسيرة حياته بعد ذلك، فقد شعر بانقطاع الحبل السرّي له مع العالم، وبدا قلقاً من تأثير تلك المقولة أو النذر السيئة عن أنّ رحيل الأشخاص يكون بالمرض نفسه الذي مات فيه أهلهم، ويبدو أنّ قانون الجذب قد فعل فعله في نفس أمجد، فها هو يكتب أيضاً عن هذا المرض قبل أن يصاب به بسنوات عديدة، وبتأثيرات من رحيل أمّه:

كلما تذكرنا صديقاً راحلاً لاحظنا أنّه أصيب به.

أترى؟ لا أحدٌ يموتُ في محيطنا هذه الأيام بغير السرطان، إنه طاعونُ العصر وسيفُه الحاصدُ . قلتُ هذا للصديق الذي أخبرني عن صديقٍ آخرَ تسللَ إليه السرطانُ وهو يفكرُ بمنظورٍ أهلي للصحراء.

قال إنّ صديقنَا المشتركَ شعرَ فجأةً بصداعٍ غيرِ عاديٍ فأخذوه إلى المستشفي فوجدوا الورمَ الخبيثَ متمكناً من الدماغ فاستأصلوه، ثم أخضعوه للعلاج الكيماوي الذي حَتَّ شَعْرَ رأسه ورموشَه وحاجبيه حتى صار له وجهُ طفلٍ رضيعٍ معتلٍ، ثم مات صامتاً، محدقاً بمن حوله بذهولٍ غيرِ مصدقٍ أن الأمر كلَه بدأ بصداعٍ زائدٍ عن الحدّ قليلاً.

صَمَتَ ثم قال: أتدري أن أخي الأكبرَ ماتَ بالسرطان في الأربعين من العمر؟

فأخبرتُه أنّ أمي أيضاً، باغتها السرطانُ مرتين، الأولى في حدود الخمسين فأمهلها عشرَ سنين ثم صارعته في الثانية سبعةَ أشهرٍ من دون أملٍ يذكرُ، والمشكلةُ أنني قرأتُ لا أدري أين أن الإنسانَ يموتُ كما يموتُ أهلهُ.

تهيأ لي أنه تَحَسَّسَ رأسهَ، فقلتٌ له بما أنك تجاوزت الأربعين فمن الجائزِ أن لا تنطبقَ عليك القاعدةَ، أما أنا فالاحتمالُ ما يزال يُدوّزنُ أوتاره الرهيبة أمامي[23].

سنقرأ لاحقاً استذكاراً لهذه القصيدة مجدداً في مقال متأخر لأمجد بعد إصابته فعلاً بالسرطان، لقد نبش ما كتبه في تلك الفترة وتسائل لم فعل ذلك.!

“أفكر: لماذا أعدت نبشه؟ لماذا نشرته قبل فترة قصيرة جداً من إصابة زوجتي بسرطان في الكلية، وقبل أن تتكون فكرة، أو أضغاث فكرة، عن ورمي الدماغي في ذهن عابر، لا أعرفه ولا يعرفني، في القطب الشمالي؟”.[24]

 

رابعاً: موضوعات أخرى

انشغل أمجد بموضوعات أخرى غير ما أوضحناه من قبل في هذا البحث، إذ يمكن الإشارة إلى عددٍ منها هنا في عجالة، لعلها تنال في قادم الأيام المزيد من الإضاءة والتحليل من النقاد والطلبة والباحثين، ومن ذلك مقال له عن مرض صديقه الشاعر اللبناني عباس بيضون بعنوان ” نقد الألم” [25] كما كتب غير مرّة عن التحول الرقمي للصحف الورقية والمجلات خصوصاً في الغرب، مثل مقاله “نعي مبكر للصحافة الورقية”[26]،  وتناول مرّة موضوع منع الفنانة فيروز من الغناء[27] موضحاً الإشكالية التي طرأت على فيروز من أبناء منصور الرحباني بمنعها من الغناء، وهو إذ يعلي من شأن فيزوز وتجربتها مع عاصي ويدين فعل الطرف الآخر من الورثة تجاهها فإنّه يتحدث أيضاً عن تجربته الشخصية سماعاً وتأثراً بفيروز، بل ومقدار امتداد الظاهرة الفيروزية في عائلته حين سمّى ابنته “يارا” بتأثير من أغنية لها، كما كتب عن “جبران نبي في المهجر” [28]. وربّما يكون مقاله “هويات مهددة ” [29] الذي يتسم بقصره وعدم ظهور أمجد فيه كمشارك أو شاهد كعادته في مقالاته  من آخر ما نشر له في الصحافة العربية قبل رحيله.

         

ملامح أسلوبه في كتابة المقالات

نخلص من كلّ مقاربتنا هذه بشأن كتابة الذات في المقالات الصحفية عند أمجد ناصر لمجموعة من الملامح التي تتسم بها، ومنها “هذا المزيج المركب بين الشعري والأسطوري والواقعي والسيري حيث يلتحم أمجد ناصر بالواقع العربي ومآزقه الوجودية..، لكن ليس بطريقة فجّة وتقريرية في وصف أحداث ووقائع، وإنّما يعمل على تبطينها وتخييلها في سيرة وداخل أناه الشعرية دون أن يخلّ بنظام العلاقة القائم بين لغة الشعر وأنطولوجيا الواقع”[30].

ومن الجليّ في مقالات أمجد ناصر أنّه يرتفع بها عالياً نحو الشعر دون أن يتخلى عن حجارة السرد التي تستقر بها الموضوعات وتتوازن، وكذلك يفعل في قصيدته هذا الأمر أحياناً أي يستعين بالسّرد، وهذا ما يراه الكاتب المغربي الحبيب الدائم ربّي في وصفه لكتابة أمجد الإبداعية “إن صاحب -هنا الوردة – يدفع بالقصيدة نحو تخوم تحاذي النثر، بدون أن تتخلى عن (شعريتها) الكاسحة، بل إنه يسعى في رحلته الإبداعية إلى مأزقة تلك الصنافات المدرسية التي تتشبث بخرافة (الجنس الأدبي) ذي النقاء المزعوم، منتصرا لـ “الكتابة” مع ما في ذلك من مجازفات، وما قد يجره عليه من انتقادات. وعليه فإنّ أمجد ناصر ليس شاعراً إلا من باب الترخّص في التسمية والتوصيف، إنّه كاتب مُتعدِّد تشي به فرادته في الشعر والنثر على السواء، إفراداً وتثنية. فهو كما قلنا يخرق الحدود بلا هوادة”.[31]

وربما يكون من المفيد أيضاً أن نشير إلى بعض ما وجدناه من ملامح خاصة تتّسم بها مقالاته من ناحية الأسلوب مع ذكر بعض الأمثلة المبتسرة، إذ لا يتسع المقام لأكثر من ذلك، بل تستحق كتابات أمجد كما اشرت أن يتخصص بها بعض الباحثين والطلبة العرب في المراحل الجامعية العليا لسبر أغوارها وتحليل جمالياتها وتقنياتها فهي كتابة غير تقليدية، وعابرة للأجناس الأدبية، أو الميتاسرد، وتأسر قارئها من أول سطر.

إنّ حضور أمجد بشكل شخصي كما أشرت من قبل، شاهداً أو مشاركا فاعلاً أو مستذكراً شيئاً من الماضي أو معلقاً من أبرز هذه الملامح الأسلوبية في مقالاته، من الطبيعي أن يكتب مثلاً “كاتب هذه السطور مثل الملايين غيره لا يعرف شيئا عن الميول الإيديولوجية والسياسية للصحيفة الدنماركية..”[32]

أو يستحضر قصيدة إيثاكا حين عودته للبيت الأول في المفرق بعد مرضه الأخير، وابنه أنس يقرأها عليه بالانجليزية وهو في طريقه إلى غرفة العمليات، وهذا توظيف واضح للتّجربة الشّخصيّة القاسية التي عاشها أمجد في مرضه:

“ولكن أي إيثاكا ستقودني إليها رحلة تبدأ بمشرط طبي، يفتحُ جانباً من جُمجمتي، ليصل إلى كُتلة الورم التي تكونت هناك بلا أيّ إشعار مسبق؟ أي طريقٍ إلى إيثاكا ذلك الذي يبدأ بالتابوت الإلكتروني لجهاز الرنين المغناطيسي؟ لا أعرف أن هذا سيؤدي إلى أي إيثاكا سوى تلك التي ينتهي إليها الجميع، وترسو فيها كلّ المراكب”.[33]

سنكتشف شيئاً من الثقافة العميقة التي ينطوي عليها أمجد من خلال قراءاته المُكثفة وانشغالاته الأدبية والفكرية العميقة في العديد من الشواهد في مقالاته، حيث يبدأ مثلاً مقالا له عن لبنان بمقولة لأرسطو، ثم يبرز عنوان رواية لماركيز لكن بشيء من التصحيف ” لم يكن لـ العماد من يكاتبه، ثمة قصور اخرى أكثر أهمية : قصر قريطم، عين التينة، قصر المختارة، بكركي، المتن، الرابية، المربع الأمني . الرسائل تذهب إلى هناك، وليس إلى قصر بعبدا[34]

إنّ نهاية هذا المقال الذي يفترض أن يكون سياسياً بامتياز ويناقش شأناً رئاسياً في لبنان عبارة عن مقطع من قصيدة مفعمة بكلّ الشعرية ” فقد ظل الكرسي الأصفر الفارغ في صالون مستطيل فارغ في قصر فارغ، فارغاً، فيما الضجيج يتعالى على جانبي خط تماس لم تعد تحرسه البنادق، بل الفراغ المُمدد كجثة طازجة”.

في مقالات أخرى يوظف أمجد سخريته المرّة وهو يتناول موضوع التدخين عند ماركيز ويقارن ذلك بتجربته الشخصية[35]، وأحسب أنّ هذا المقال يندرج تماماً تحت خانة القصّة القصيرة دون أي تردد.

إن بعض مقالات أمجد من الُمضحكات المُبكيات كما يقال إذ يكتشف القارىء لها حجم السخرية الحادّة في لغته والصور المتخلقة من عباراته البكر، والخبرات المقطرة التي تفيض من بين سطوره.

بل إن بعض مقالاته تنطوي على نصوص أدبية خالصة يمكن أن تكون كما أشرت في البداية مقاطع من رواية أو سيرة أدبية يشتغل عليها، وهذا ملمحٌ أصيلٌ في الكثير مما كتب تخت خانة المقال الصحفي.

في النهاية

أتخيّل أمجد حينما كان يكتب مقاله المُحتشد بكلّ ما يعتمل في أعماقه من خبرات، وذكريات، ومواقف، ومعارف، وفلسفات، وفيوضات، ويعجنها بشعريته المتوهّجة، ووجدانه السامي، وضميره اليقظ، وإنسانيته العالية، وشجاعته الشرسة، ويقدمها للقارىء وجبة فكريّة لذيذة، فيما يجلس بعد ذلك كأيّ بدويّ أكرم ضيفه، منتبذاً مكاناً قصيّاً من الصحراء الشاسعة التي تسكنه، وقد امتلأ كيانه بالغبطة، وتسربلت روحه بحلل البهجة، فيما يحلق في خياله الجامح نحو أمكنة قصيّة لم يصلها بعد إنسٌ ولا جان.

*        باحث وروائي أردني

 ** تم تقديم هذه الدراسة في ندوة متخصصة عن الراحل أمجد ناصر في مؤسسة عبدالحميد شومان في شهر سيبتمبر 2025 وصدرت في كتاب بعنوان “أمجد ناصر طريق الشعر والنثر والسفر” عن مؤسسة شومان خلال شهر إبريل 2026 من تقديم أ.د. محمد عبيد الله

  المراجع:

[1]  أمجد ناصر (يحيى النعيمات) أديب وصحفي أردني (1955-2019)
[2]  عملت مراسلاً ثقافيا للقدس العربي اللندنية من عمّان خلال الفترة من 1999 -2009 وخلالها كان التواصل مستمراً عبر الهاتف مع أمجد أو الإيميل أو اللقاء الشخصي في زياراته للأردن، كما أنني زرته في مقر عمله بلندن عام 2001
[3]  عرف أمجد بأربعة أسماء أولها يحيى النميري، ثم يحيى النعيمات أو النعيمي، أمجد ناصر، وحين حصل على الجواز البريطاني أصبح لديه اسم ينادونه به هناك هو “مستر أواد” فالمكتوب في جوازه “يحيى عوض” وبالتالي يستخدمون الاسم الأخير معه كما أخبرني ذات مرة، بل إنّ عدوى التعددية في الأسماء انتقلت إلى إبنيه من بعده فأختار أنس اسمه “أنس النعيمي”، واختارت ابنته يارا أن تنادى بـ “يارا عوض”.
[4]  بيير جوريس شاعر ومترجم وأكاديمي أمريكي وأستاذ الأدب المقارن في جامعة نيويورك – أمجد ناصر صوت متجدد في الأدب العربي الحديث – القدس العربي- 21 اكتوبر 2024
[5]  العرض لم ينته – أمجد ناصر – القدس العربي – 18 أغسطس 2006
[6]  ثلاثون عاما على حصار بيروت – أمجد ناصر – الجزيرة نت – 17 يوليو 2012
[7]  رسالة إلى أبومازن – أمجد ناصر – العربي الجديد – 3 إبريل 2014
[8]  أمجد ناصر ..رسول السوريين – خضر الآغا – العربي الجديد – 27 مايو 2019
[9]  رحلة مع المهربين إلى درعا – أمجد ناصر – القدس العربي- 22 يونيو 2011
[10]  عليون حاكمون..عليون ضحايا – أمجد ناصر – القدس العربي – 27 إبريل 2011
[11] المصدر السابق.
[12]  من يفجر الحرب الطائفية في سوريا – أمجدد ناصر – الجزيرة نت – 27 نوفمبر 2011
[13]  أين اختفى اللاجئون السوريون في المفرق – أمجد ناصر – العربي الجديد – 8 يوليو 2019
[14]   قولوا لا لما يجري في العراق – أمجد ناصر – القدس العربي – 29 فبراير 2006
[15]  ما فهمتونا ..عظم الله أجركم – أمجد ناصر – القدس العربي – 26 أكتوبر 2011
[16]  إخوان وعسكر: أهذه مصر؟ – أمجد ناصر – العربي الجديد – 10 إبريل 2014
[17] نشر رئيس تحرير العربي الجديد الصديق الأستاذ معن البياري مقالاً توضيحياً بشأن ما أثرته في هذه المداخلة بعنوان “نقطة نظام إلى صديق” بتاريخ 27 سيبتمبر 2025 في صحيفة العربي الجديد يمكن الرجوع إليه لتوضيح هذه النقطة، علماً بأنني تكهنت فيما كتبته دون جزم أو اتهام.
[18]  لماذا أسقط درويش بعض قصائده القديمة؟ – أمجد ناصر – القدس العربي – 1 سيبتمبر 2010
[19]  الشبيحة يختطفون محمود درويش – أمجد ناصر – القدس العربي – 17 أغسطس 2011
[20]  شاعر المنفى والروح المرفرفة – أمجد ناصر – القدس العربي – 29 أغسطس 2008
[21]  الوصية – أمجد ناصر – القدس العربي – 10 أكتوبر 2008
[22]  قبر فضّة – أمجد ناصر – القدس العربي – 8 إبريل 2007
[23]  الحياة كسرد متقطع – أمجد ناصر – دار رياض الريس – 2004
[24]  راية بيضاء – أمجد ناصر – العربي الجديد – 13 مايو 2019
[25]  نقد الألم – أمجد ناصر – القدس العربي – 18 أغسطس 2010
[26]  نعي مبكر للصحافة الورقية – أمجد ناصر – القدس العربي – 13 مايو 2010
[27]  فيروز ممنوعة من الغناء – أمجد ناصر – القدس العربي – 22 يوليو 2010
[28]  جبران نبي في المهجر – أمجد ناصر – العربي الجديد – 7 مايو 2015
[29]  هويات مهددة – أمجد ناصر – العربي الجديد – 27 مايو 2019
[30]  أمجد ناصر في مملكة آدم: سفر في سراديب الجحيم الأرضي وعذاباته – أشرف الحساني  – الجزيرة نت – 17 فبراير 2021
[31]  جدلية الكتابة و”الهوسبيس” – الحبيب الدائم ربي – العربي الجديد – 20 أغسطس 2019
[32]  معايير مزدوجة – أمجد ناصر – القدس العربي – 10 فبراير 2006
[33]  البيت أجمل من الطريق إليه – أمجد ناصر – العربي الجديد – 6 مايو 2019
[34]  تمديد الفراغ – أمجد ناصر – القدس العربي- 15  ديسمبر 2007
[35]  عكس ماركيز ولكن على طريقه – أمجد ناصر – القدس العربي – 12 يوليو 2012

شاهد أيضاً

توزيع جائزة “المحامي محمد عياش ملحم” على الفائزين في دورتها الثالثة

توزيع جائزة “المحامي محمد عياش ملحم” على الفائزين بها في دورتها الثالثة عمّان – ثقافات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *