الرئيسية / خبر رئيسي / أورلندو لفيرجينيا وولف.. اكتمال الكائن؛ تمازج الأنوثة والذكورة

أورلندو لفيرجينيا وولف.. اكتمال الكائن؛ تمازج الأنوثة والذكورة

*لطفية الدليمي

    1

       واصلت الروائية فيرجينيا وولف طوال سنيّ عمرها المضطربة بحثها المتواصل لاكتناه أسرار الأنوثة والرجولة  وتحطيم الحواجز المصطنعة بين الجنسين ولطالما كانت تقدم رؤاها الشخصية عن الأنوثة المحاصرة والرجولة غير المكتملة في شخوص أبطالها  واستطاعت أن تشكل في معظم أعمالها  صورا دقيقة وشاملة عن الانسان مستندة إلى الحدس الأنثوي ومعطيات العلم والتنقيب في أنماط الفكر الذكوري  والبحث المستفيض في أعماق الكائنات البشرية .

    توصلت فيرجينيا عبر طروحاتها الجريئة الى نتيجة شديدة الوضوح ، وهي أن فهمنا للطبيعة الانسانية صعب بلوغه مالم تتمازج الأنوثة والذكورة في الكائن الواحد بطريقة ما ، معتمدة على فكرة الفلاسفة الأقدمين القائلة بوجود قوتين تتضادان لدى كل انسان ، فثمة قدر من الأنوثة لدى الرجال وقدر من الذكورة لدى النساء ، وعندما تتمازج القوتان بقدر معين  يتكشف عالم الرجال للمرأة ، فتختبر عيش حياة مخصبة بنوازع الجنسين مثلما تنزاح الحجب عن بصيرة الرجل عندما يجرب كينونة مزدوجة فيجد اكتمال ذاته و يتوقف تصارع الجنسين المؤبد في أعماقه .

    تلمست فيرجينيا عبر منجزها الإبداعي والنقدي وتجارب عيشها الإستثنائية أن الفكر مكتمل الذكورة لايمتلك الحدس الكافي و الحساسية  الملهمة والاستنارة التي يتطلبها إطلاق الطاقات الخبيئة وتألق الموهبة  الإبداعية ، كما أن فكرا مستغرقا في أمواج أنوثة فائضة عن حاجة كائن واحد ، لابد أنه سيعجز عن كشف الأسرار الغامضة للنفس الانسانية اذا اكتفى بالحساسية الانثوية والاستنارة الروحية الملهمة كما سيعجز عن اكتناه الغوامض التي تنطوي عليها الذات البشرية إذا اكتفى بالخصائص الذكورية المتجسدة بالطموح  والتوقّد الذهني  والعقلية الجدلية .

   2

حسمت فيرجينيا وولف الأمر حين كتبت روايتها المهمة ((اورلندو)) واستطاعت  ضمن أجواء الرواية المفعمة بالإثارة والجمال والمفاجآت أن تعلن سخريتها من كل ماحولها : الرجال والنساء والأدب الانكليزي وأسياده المتغطرسون والارستقراطية المتيبسة والتطلعات الاستعمارية المترافقة مع النزوع للثروة والشهرة والتشوقات المهتاجة إلى مجتمعات بعيدة بحثا عن  الدفء وحرارة العاطفة ، فابتكرت شخصية أورلندو الشاعرالمغامر، القاسي والحنون ،المتباهي والمتواضع  الذي لايقف أمام تطلعاته وتحقيق رغباته أي عائق .

   قرأت معظم أعمال فيرجينيا الروائية والنقدية وأستطيع القول أن هذه الرواية    هي بحق  تحفتها الفريدة التي تتصدر رواياتها الأخرى : بين الفصول والأمواج ومسز دالاواي وإلى الفنار وغرفة جيكوب ، بالرغم من أهمية تلك الأعمال  وتأثيرها في تحولات  الرواية الحديثة ، ويبدو لي أن ابتكارها لشخصية أورلندو  التي أقحمتها في مغامرات فكرية ورحلات وتحول جنسي كان ردا على المحددات الاجتماعية والقوالب النفسية التي وضعت ضمن  أطرها الضاغطة مجاميع الرجال والنساء في مجتمعات مطلع القرن العشرين.

   في هذه الرواية  – التي تعد بيانا نقديا جريئا – سخرت الكاتبة  من تلك المحددات  ولم تكتفِ بالرد عليها بل جمعت بين جانبي الكائن البشري المتصارعين في الرجل  وجعلته يتحول إلى امرأة بعد مغامرات ورحلات غرائبية عاشها خلال قرون أو لحظات غرائبية .

    مر أورلندو بحالة انفصال شديدة الوطأة عن مجتمعه ، وخاض معها مغامرات  مدهشة وصراعات وتعرض لكشوفات لم يعهدها في علاقاته ومحاولاته لأن يغدو شاعرا مرموقا ، وكان لابد له  بعد هذا الإنفصال والإغتراب  أن يرحل بعيدا ويختبر قدرته على اتخاذ وجهة مغايرة  لكل ما كان مألوفا لديه ؛ فحققت رحلته في المكان تحولات في الزمان والنفس والجسد ، وعندما اجتاز مرحلتي الإنفصال والتحول عاد من حيث انطلق لينجز اندماجه في المجتمع بشخصيته الأنثوية الجديدة وخبراتها المكتشفة حديثا  إلى جانب   رسوخ خبراته  الذكورية في الحياة.

   تتجلى معضلة  أورلندو الإشكالية قبل التحول في أن غلبة  السمات الانثوية على تكوينه  لم  يتِح له ممارسة القوة والسلطة والعنف عندما كان رجلا مما دعا بعض معارفه  والنساء اللائي ارتبط بهن الى الارتياب غير المعلن في  إمكاناته  الرجولية ، وعندما تحول الى أنثى وآثرت  العودة الى بلادها لتدير إقطاعية أسرتها ومارست معظم أعمال الرجال المألوفة ، صارت تأنف من انشغالات النساء واهتماماتهن العادية كالتطريز والطهو باستثناء انسحارها بالطبيعة والزهور والفراشات والمطر ، وكانت رقيقة الروح  وقوية العزيمة في التعامل مع  العمال وقضايا الإدارة والسفر مما كان يثير حيرة معارفها لامتلاكها كل هذه الصفات المتناقضة : القوة والحنو ، الخشونة والجمال ، البسالة والرقة ، السخرية والخوف ، المشاكسة والتوافق  فكانوا في غالب الأحيان يرتابون بانتمائها لجنس محدد : هل هي رجل أم تراها امرأة  مكتملة  الانوثة ؟؟ .

تقرر فيرجينيا بين آونة وأخرى أن تخترق انسياب الحكاية والسرد المتوهج  فتخاطب القاريء ، أو تتحدث عنه كقارئ ملازم لها  فتقول : وهنا لابد  أن نلفت انتباه القاريء ، وتواصل السرد : ( إن كل ماقيل حول عدم حصول أي تغيير في أورلندو الرجل  وأورلندو  المرأة ، هو أمرغير صحيح قطعيا ، كانت قد اصبحت أكثر غرورا  بشخصها كما هو شأن النساء  ، كانت بعض الحساسيات تتعزز  لديها بينما تتلاشى حساسيات اخرى ..)

 تنبهنا فيرجينيا الى الدور النفسي للملابس ، دور الثياب في خلق مفاهيم معينة حول أنوثة  من يرتديها أو ذكورته  أو طبقته الإجتماعية ، وتؤكد الكاتبة علاقتنا – كبشر متحضرين – بطرز الملابس ورمزيتها ودلالات الألوان التي تعكسها للآخرين ، تقول ( ..  تغيير الملابس له علاقة كبيرة بما جرى كما سيقول الفلاسفة ، ورغم  أنها تبدو كأشياء تافهة  تبعث على الغرور إلا أنها (……) تغير من نظرتنا الى العالم ونظرة العالم إلينا.. )

في هذه الرواية المكرسة لبحث موضوعتي الانوثة والذكورة واختلافهما ثم تمازجهما تمضي فيرجينيا وولف لتعرض وجهة نظرها الخاصة التي تخالف وجهات نظر بعض الفلاسفة  والحكماء بشأن الملابس  وتخبرنا ( أن الملابس رمز لشيء مخفي في الأعماق ) وأن التحول الذي حدث لأورلندو كان تغيّرا  جرى في نفسها ، فهي عندما اختارت ملابس النساء عبرت بشكل مكشوف وبصراحة لايملكها الأخرون  عن تحولها الجنسي ، وتقرر فيرجينيا أن  ذلك يقودنا الى معضلة :  فمع إقرارنا باختلاف الجنسين إلا انهما يتمازجان  فيحدث تأرجح  في كل كائن بشري من  جنس  لآخر..

  

    3

    عبر صوت أورلندو الجريء  سخرت  فيرجينيا وولف  من تهافت أدباء زمنها على الشهرة وصراعهم من أجل  الظهور وحروبهم المضمرة والمعلنة ضد بعضهم  ، فجعلت أورلندو يمزق قصائده ويتخلى عن طموحه الشعري و يرى مزق مخطوطته العتيدة تتطاير أمامه  بعد أن كان يعرضها على شعراء زمنه فلا يلقى الترحاب الكافي أوالإطراء الذي يعزز حماسته لنشرها ، ووقف في لحظة اتخاذ القرار يعلن هجاءه المرير للشهرة ويمجد كون المرء غُفلا لايعرفه أحد :

( الشهرة تشبه معطفا مزركشا يعيق حركة الأعضاء ؛ سترة من الفضة تشكم القلب ؛ ترْس ملون يغطي فزاعة طيور ) و بينما كان يعلن أن الشهرة تعيق وتخنق فإنه  رأى ( أن  خمول الذكر  يلتف حول المرء مثل غمامة ، خمول الذكر مظلم وواسع وحرّ  يدع المرء يشق طريقه دون عوائق ، تنهمر فوق خامل الذكر أمطار الرحمة :  لاأحد يعرف أين يذهب ومن أين يجيء  ، قد ينشد الحقيقة وينطق بها وهو وحده الحر ووحده الصادق ، وحده يشعر بالأمان )

 هكذا شرّعت فيرجينيا لهجاء الشهرة المقيتة وامتدحت خمول الذكر الذي يخلي المرء من  مسؤولية  القول  والفعل ..

 هل كانت فيرجينيا وولف تنسحق تحت وطأة شهرتها فلا تمتلك بعض حرية البوح والفعل ولاتستطيع اجتناء سعادتها وإشباع رغباتها ؟؟  هل كانت تتقمص روح أورلندو الكائن المكتمل  في تحوله من رجل الى امرأة ؟؟

  لقد هتفت بصوت أورلندو الأنثى ، صرخت بصوت  فيرجينيا الخبيء ، بلوعة  ذاتها هي هتافا صادحا وكأنها تصرخ وسط البراري الشاسعة والمروج  ليبلغ صوتها أبراج الآلهة : ( فلتحيا الرغبة الطبيعية !  فلتحيا السعادة ! السعادة المقدسة ! والمسرات من كل الأصناف ! الوردة والخمرة ، مع أن إحداهما تذوي والأخرى تهبك النشوة  ) .

رواية  اورلندو – فيرجينيا وولف

ترجمة توفيق الاسدي

دار المدى 2016
___________
*المدى

شاهد أيضاً

الفيزياء الصوفية: شعر ابن الفارض أنموذجاً

سمر الديوب “كانت هناك امرأة شابة يسمونها المتألقة كان في إمكانها أن تسافر أسرع من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *