الرئيسية / فكر / فريد الدين العطار يتحد بالوجود ويصغي لـ”منطق الطير”

فريد الدين العطار يتحد بالوجود ويصغي لـ”منطق الطير”


عندما امتلأت روح الشيخ فريد الدين العطار بالأسئلة، وامتزجت بأنوار الشك واليقين، نهد المتصوف العارف إلى سلوك طريق الحقيقة، معتقداً ومسلّحاً بنظرية وحدة الوجود، ومشتاقاً للاتحاد مع الحق والانمحاء والفناء فيه.

وقد زوّده هذا العزم بإيمان عميق جعله يستغني، بشكل كامل، عن الآخرين، فلم يعد لديه من أمل سوى التطلع إلى مشاهدة جمال الحق والفناء في كماله.
وامتزجت حياة العطار بتعدد الروايات واضطرابها. ولعل ذلك آت من طبيعة الرجل، المولود في مدينة نيسابور بإيران في العام 1142 ميلادية على وجه التقريب، إذ لم يكن مشتبكاً مع أحوال المجتمع، وكان منكبّاً على التجارة والطبابة والصيدلة وجمع المال، حتى يروى أن سلوكه طريق التصوف جاء على سبيل الصدفة، وهي رواية تحيطها الشكوك، على الرغم من حسها الدرامي.
وأورد الشيخ عبدالرحمن الجامي في كتابه “نفحات الأنس من حضرات القدس في طبقات المشايخ” قصة قال إنها كانت السبب الذي دفعه للنزوع نحو التصوف، إذ كان العطار في دكانه، عندما أقبل عليه درويش، وطلب منه “شيئا لله” فلم يعطه، فقال له الدرويش: كيف ستكون ميتتك أيها الخواجة؟ فقال له العطار: مثلما تموت أنت. فقال الدرويش: وهل يمكنك أن تموت كما أموت؟ فقال: و لمَ لا. فوضع الدرويش جفنة خشبية كانت بيده تحت رأسه، وهو يقول: الله، ثم فاضت روحه فوراً، فتغيّر حال العطار، وأغلق باب دكانه، ونحا نحو أهل الطريقة.
ويشكك بعضهم في صحة هذه الرواية، مستدلين على أن العطار كان قد أشار في أشعاره إلى ميله للصوفية والطريقة منذ صغره.
ومهما يكن من أمر هذه الروايات واختلاطها، إلا أن الثابت أن فريد الدين العطار ترك وراءه إرثاً صوفياً فلسفياً أدبياً رفيعاً، إذ يشكل كتاب “منطق الطير” درّته النفيسة، وهو منظومة شعرية صوفية رمزية، فاق عددُ أبياتها الأربعة آلاف وستمائة بيت، محورُها رحلةٌ طويلة تقوم بها الطيور المختلفة بقيادة الهدهد بحثًا عن سلطان لها هو السيمُرغ. وفي هذه المنظومة التي تضج بالرموز، ترمز الطيور إلى سالكي الطريق نحو الحضرة الإلهية، فيما يرمز الهدهد إلى شيخ المريدين. أما السيمُرغ المنشود، فهو “السلطان المطلق الدائم، ومائة ألف عالَم، مليئة بالجُند والحَشَم، ليست إلا نملة على باب هذا السلطان الأعظم”، كما جاء في ترجمة شهاب الدين السهروردي لرسالة الطير لابن سينا.
وينتسب كتاب “منطق الطير” إلى الأدب الرمزي الذي يمتد من مسرحية “العصافير” لأريستوفان، حتى زمن فريد الدين العطار نفسه، وتصل إلى ذروتها في أعمال يرى كثيرون أن العطار تأثر بها في شكل مباشر، مثل “رسالة الطير” للغزالي، و”رسالة الطير” لابن سينا و”مثوية سنائي” و”رسالة الغفران” لأبي العلاء المعري. ولكن من الواضح، كما يرى الكاتب إبراهيم العريس، أن فريد الدين العطار، بعد أن استوعب تلك الأعمال كلها، وقرأها في تفاصيل تفاصيلها ملاحظاً كيف تتطابق مع ما كان يريد هو أن يقوله، وضع عملاً ذاتياً شخصياً يعبّر، في الجوهر، عن فكره الصوفي الحلولي، ويتميز بأسلوب مشوّق وعميق من الصعب القول إنه ميّز أياً من الأعمال الأخرى. علماً أن ثمة فارقاً أساساً بين تلك النصوص ونصّ فريد الدين العطار، إذ في وقت تبدو فيه تلك الأعمال فلسفية المسعى، تريد أن تعبر عن أسئلة قلقة أو غير قلقة حول الوجود والكينونة، يبدو عمل العطار روحياً – صوفياً بحتاً، يريد أن ينبع من الذات ليصبّ فيها أولاً وأخيراً.
وأفاد دارسون بأن لغة العطار الصوفية كانت سهلة وفصيحة، وكان يعبّر عن كل أفكاره وخواطره بشكل بسيط بعيد عن التكلف والزخرفة اللغوية، فضلاً عن تحلي لغته بالخيال وتوليد المعاني.
انطلق العطار، على ما يذهب المستشرق ريتر، من رسالة الطير التي وضعها الغزالي، وصاغ ملحمته الشعرية الطويلة التي أضحت دالَّة على اسم مؤلِّفها. خرجت هذه الملحمة الفريدة بعنوان منطق الطير؛ وقد استعار العطار هذا التعبير من سورة النمل:
“وورث سليمان داود وقال: يا أيها الناس عُلِّمنا منطق الطير وأوتينا من كلِّ شيء إن هذا لهو الفضل المبين”. (الآية 16).
ونجد في هذه السورة القرآنية حديثًا عن نملة تنطق، وتقول:
“يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنَّكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون”. (الآية 18)
كذلك، يتحدث الهدهد في السورة نفسها عن ملكة سبأ في كلامه إلى النبي سليمان:
“أحطتُ بما لم تُحِطْ به وجئتك من سبأ بنبأ يقين”. (الآية 22)
وفقًا للتقليد الأدبي الفارسي، استهلَّ العطار كتابَه بالمناجاة، ثم أشاد بمناقب الخلفاء الأربعة الراشدين بعدما مَدَحَ الرسول؛ ثم ذمَّ الشاعرُ تعصُّب أهل السنة والشيعة.
وجاءت منظومة منطق الطير في قالب قصصي مُحْكَم يتألف من خمس وأربعين مقالة على لسان الطيور، تتخلَّلها مجموعةٌ من مائة وإحدى وثمانين حكاية، تختلف طولاً وقصرًا. في هذه القصص، التي توزَّعت تبعًا للمسائل التي تثيرها حواراتُ الطيور، نلتقي بالكثير من الأنبياء والأولياء، ومنهم: إبراهيم، يعقوب، يوسف، موسى، داود، سليمان، عيسى، الحلاج، رابعة العدوية، إبراهيم بن أدهم، مجنون ليلى، هيپوقراطس (“أبو الطب”، الذي عُرِفَ في التراث الإسلامي باسم “بقراط”)، أرسطاطاليس (أرسطو) وتلميذه الإسكندر الذي “مات في طريق الدين”، وفق ما يرد في دراسة وترجمة د. بديع محمد جمعة، التي نشرتها دار الأندلس في بيروت 1984، وصدرت من قبل في القاهرة، بعد أن تُرجمت من الفارسية، كما نقلت إلى الإنجليزية والفرنسية والتركية والأسوجية والأردية.
ويورد العطار في كتابه حكايةً من الحكايات التي جاءت بعد حديث أحد الطيور عن الموت الذي يُرهِبُ قلبَه ويمنعه من خوض السفر. يحكي الراوي قصة “الققنس النادر الجذاب”، رديف طائر الفينيق الشهير. ويمتاز هذا الققنس بمنقاره الصلب الطويل الذي يشبه الناي:
“ففيه ما يقرب من مائة ثقب وفتحة…. فإن يَنُحْ بكلِّ الثقوب متأوهًا يُفقِدُ السمكَ والطيرَ راحتَها واستقرارَها، ويسيطر الصمتُ على جميع الطيور، وتصبح إزاء صوته فاقدة الشعور”.
ناهز هذا الطير، الذي شابه بعزفه أورفيوس، عمر الألف سنة، فشعر بدنوِّ أجَله، فجمع حوله من الحطب مائة كومة، ثم وقف ينوح وسطها مرتعدًا من رهبة الموت:
“وأعجب الأيام يومُه: فهو ينزف دمًا من آلام قلبه. وعندما يصل عمرُه إلى آخر زفرة، يرفرف بجناحيه إلى الأمام والخلف، وتتطاير النارُ من جناحه. بعد ذلك تصبح النار كلَّ حاله. وسرعان ما تسقط النارُ في الحطب، فتحرق حطبَه، وهو في قمة السرور. ويصبح الطائر والحطب كلاهما جمرةً من نار، ثم تتحول الجمرة بعد ذلك إلى رماد. وما إن يختفي كلُّ شيء، حتى يبدو الققنس طالعاً من الرماد. إن النار تحيل الحطب رماداً، فكيف يعاود الققنس الظهور بين الرماد؟”.
________
*ذوات

شاهد أيضاً

المعتقد الذي ألقى الله عليه

أحمد إدريس “أدين بدين الحُب ؛ أنَّى تَوَجَّهتْ ركائبُه، فالحُب ديني و إيماني.” (ابن عربي) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *