الرئيسية / مقالات / وجع ساعة

وجع ساعة


*بسمة النسور

من دون أدنى شك، هي لحظة ضرورية وحتمية وفاصلة، على الرغم من أنها تظل صادمة عصيبة بالغة القسوة. لكن، من منا لم يواجه مثلها في مرحلةٍ ما من حياته، ولم تستنزف الكثير من طاقته على الحب، ومن منسوب براءته في التعاطي مع الدنيا وتقلباتها، حين يكتشف، وبشكل مباغت، إنه، وبكل الطيبة وصفاء النية الممكنة، عقد الرهان على حصان خاسر بالمطلق. والأقسى من ذلك اكتشافه أن الشخص موضع رهانه كان كذبة كبرى، لم يتحلَّ، يوماً، بأيٍّ من صفات الخيل الأصيلة، وذلك بالمعنى الحرفي الفروسي النبيل للكلمة، ولم يكن كائناً جديراً بخوض أي سباق في مضمار الحياة، كثير التعرجات متعدد الحواجز الشاقة، وهو مضمارٌ بالغ الشفافية، كفيل دوماً بكشف المستور من غدرٍ وخديعةٍ. في النهاية، صدمة عنيفة وأسى كبير، تحدثها حقيقة شديدة المرارة كهذه، حين ندرك أن الشخص موضوع الرهان والثقة لم يكن، ومنذ البدء سوى شخص مدع، تضمر روحه السواد والضغينة والكراهية والغدر، غير أنه بارع، من حيث المهارات الدرامية، من ادعاء وتظاهر وتقمص لشيم الخيل من صدق وأنفة وشموخ ووفاء وأصالة وشهامة وشجاعة، وترفع عن الصغائر. والسؤال الذي يمكن طرحه، في هذا السياق، هو ما العمل في مواجهة موقفٍ قبيحٍ مؤلمٍ كهذا، سوى القول، بالأردني الفصيح، (يا خسارة!)، أو القول، على طريقة أشقائنا المغاربة (الله غالب!)، في تعبير بليغ عن حالة عجز مطلقة، إذ لا تبدو مساحة الغفران، المتوقعة هنا، خطوة تنطوي على أية حكمة، ويمكن حسبانها تواطؤاً غبياً ضد الذات المجروحة بالحقيقة. 

وقبل أن يذهب هواة التأويل إلى شخصنة هذا الطرح، أقول إنني لست انطلق من حكاية شخصية، بقدر ما أتأمل في الحالة، وأحاول أن أتفهم أسبابها، ويتملكني العجب من قدرة بعضهم على اقتراف الأذى بدم بارد ومجاناً، بحيث يساهمون في دفع المجني عليهم، المغدورين في إحساسهم بالأمان، إلى التوصل إلى أن الحياة قاتمة إلى حد يبدو فيه قرار النأي والعزلة والابتعاد عن النماذج المشوهة وسيلة وحيدة لحماية الروح من استمرار الأذى في حقها. 
حين يقدم صديق، تكشف الأيام أنه ليس صدوقاً البتة، ومع الإصرار والترصد على التنصل من مسؤوليته في دعم ومساندة صديقه، بل خذلانه وخيانته، بأعذار واهية، لأن الخيانة جريمة غير كاملة بطبيعة الحال، فإنه يغتال فكرة الجمال من أساسها، وينتهك حرمة الإحساس بالأمان، ويلغي مفهوماً إنسانياً بسيطاً وضرورياً، هو الثقة بالحياة والآخرين، والسؤال الذي ينبغي طرحه في هذا السياق: أيهما قد يعتبر التصرف الأمثل في موقف كهذا، هل نرتضي أن نعيش الحياة بأعين مغمضة، مضللين، نعتقد واهمين أن كل شي على ما يرام، في تكرار لسلوك نعامي ساذج، يدفعنا إلى طمر مشاعرنا في رمل الإنكار والتجاهل، مقنعين أنفسنا في غمرة الحرائق المشتعلة حولنا أننا في منأى عن الخطر والأذى، أم ننتصر لكرامتنا الجريحة، ونحدق ملياً في الحياة (بنص عينها)، ونقول لها، بكل شجاعة وصراحة، كم هي عوراء أحياناً، ونتحمل بصبر الجِمال في بطن الصحراء، الخسارات التي تترتب على مواجهةٍ كهذه، ونتحلى بالعزم والجرأة، لمواصلة الأمل والتصدي بحزم لمن تسول له نفسه إيذاءنا، وطرده غير آسفين خارج مساحة أرواحنا التي كانت موطن إقامته الدائم يوماً ما، ونعمل، بكل ما أوتينا من رغبة في الحياة، على الانتصار لذواتنا، فنحتمل آلام الانفصال، ونعض على جراحنا، ونصدق كي ننجو من حرقة الحزن، بحسب المثل الشعبي الأردني (وجع ساعة ولا وجع كل ساعة)، مع ضرورة الإقرار بأن وراء كل حصان خاسر مراهنٌ أحمق بالضرورة. 
_________
*العربي الجديد

شاهد أيضاً

من يقرأ دوستويفسكي اليوم . .؟

(ثقافات) يحيى القيسي * أنتمي إلى الجيل الأدبي الذي ظهر في بداية التسعينات من القرن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *