الرئيسية / خبر رئيسي / منفيون في أوطانهم

منفيون في أوطانهم

*خيري منصور

ما كتب عن ظاهرة الاغتراب التي يعيشها المثقف العربي منذ ستينيات القرن الماضي كان معظمه حذرا ومترددا في مقارباته، خشية من الاتهام بالتعالي والعزلة، ولعبت تيارات ثقافية وسياسية ذات توجه شعبوي متحمس وانفعالي دورا في جعل تلك المقاربات خجولة ومتواطئة إلى حد ما، رغم أن ما كتبه مثقفون عرب من المهاجرين إلى أوروبا والولايات المتحدة ومنهم هشام شرابي وحليم بركات، كان أعلى سقفا وأكثر انعتاقا من المحددات التي تفرضها المناخات السائدة في الواقع العربي، وغالبا ما كانت الأمية بنسبها المتفاوتة لكن المتفاقمة في معظم الأقطار العربية هي المحور الذي تدور حوله، وأحيانا تنطلق منه السجالات حول اختلاف المثقف أو ائتلافه في مجتمعات أوشكت أن تقيم في المسافة بين الماضي الذي لم يمض تماما، والحاضر الذي يراوغ كبندول الساعة بين الأمس والغد، خصوصا بعد أن فرضت النوستالجيا وأدبياتها الرومانسية على المثقف قيودا، بلغت أحيانا حد ارتهانه للماضي باعتباره العصر الذهبي حسب تقسيم هزيود المعدني والشهير للأزمنة، باعتبارها ذهبية وفضية ونحاسية وأخيرا قصديرية يغطيها الصدأ، وقد يكون أفضل مقترب لإعادة فتح هذا الملف هو ما نشر مرارا حول معدل ساعات القراءة بالنسبة للعربي، قياسا إلى متوسط هذه الساعات عالميا.
فالعربي يقرأ في العام ست دقائق قد تكون مكرسة لفواتير الماء والكهرباء والهواتف، والمثقف يقرأ على الأقل ست ساعات في اليوم، فكيف يمكن لنا العثور على أي قاسم مشترك بين الاثنين، وهل هما يعيشان بالفعل زمنا واحدا؟ أم أن أحدهما يقيم في القرن الثامن عشر على أحسن تقدير والآخر يعيش في الألفية الثالثة؟
ومن أطرف ما نسمعه أحيانا ما يقال عن غموض بعض أنواع الكتابة، سواء كانت مقالات أو قصائد، وكأن المطلوب هو باختصار أن يفهم من يقرأ ست ساعات في العام من يقرأ ست ساعات في اليوم، ونحن هنا لا نردد حوارية طالما استشهد بها المثقفون، بين الشاعر أبي تمام ومن نعتوه بالغموض حين قالوا له لماذا تقول ما لا نفهم، فأجابهم لماذا لا تفهمون ما أقول، لأن سجالا كهذا قد لا تكون له نهاية. ولعل ما قاله الشاعر والناقد «إدمان» عن سوء حظ الكاتب قياسا إلى الرسام والموسيقي كان دقيقا، وهو أن قماشته اللغة، أي الكلام الذي يتفاهم به الناس، فالرسام لا يواجه أسئلة حول لوحته إلا إذا جاءت ممن توقفت ثقافتهم عند التصوير الفوتوغرافي، وكذلك الموسيقي. وحين سئل أحد العازفين ذات يوم عن معنى ودلالات معزوفته أجاب من سأله على الفور أن أفضل طريقة لشرحها هي إعادة الإصغاء إليها.
ونذكر أن بواكير شعرنا الحديث شهدت مطارحات حول ما سمي ظاهرة الغموض في الشعر، وحسنا فعل من ترجم كتاب «سبعة أنماط» من الغموض لوليام أمبسون، لأنه يقدم الإجابة، خصوصا في تفريقه بين الغموض والإبهام، فالغموض عمق يتلألأ لشفافيته وقدرته على الإيحاء، بينما الإبهام أشبه بكتلة صماء من الفحم، ومنذ ذلك الوقت والكتابة على اختلاف مجالاتها بانتظار نقد يغربلها ليفرز قمح الغموض عن زؤان الإبهام وشحم الكلام عن ورمه، كما قال المتنبي، وقد لا نحتاج إلى كثير من الشجاعة للقول بأن ما قدمته الكتابة العربية من تنازلات جمالية وفكرية تحت ضغظ التيارات الشعبوية، ربما كان أحد أهم أسباب هذا التردي، سواء تعلق بالأساليب أو التراكيب اللغوية والنحوية، وأحيانا يراودنا الشك في إطروحات المستخفين بالكتابة وشروطها، حين يتذرعون بارتفاع نسبة الأمية، وهناك حادثة رواها الكاتب الراحل مصطفى أمين جديرة بالتأمل في هذا السياق، قال إنه كان يزور إحدى قرى مصر بصحبة السيدة أم كلثوم، وفي الطريق شاهدا فلاحا يجر جاموسة ويغني لها «سلوا قلبي» التي غنتها أم كلثوم، وقد فوجئت بما سمعت، وأعادت النظر بما قاله لها البعض عن صعوبة القصائد المغناة، وبالتالي المفاضلة بينها وبين الأغاني المكتوبة باللهجة العامية. ويضيف مصطفى أمين قائلا إن أم كلثوم تنهدت بعمق وقالت: ليت أحمد شوقي على قيد الحياة والشعر معا، لأروي له ما سمعت.
لقد ساهمت الكتابة فقيرة الدم والمصابة بالأنيميا قدر تعلق الأمر بالجماليات والأفكار في التجهيل والإساءة إلى الذائقة العامة، وأخيرا إبقاء مستوى التلقي في مستوى بدائي
قبل عقود وفي ذروة السجال الأيديولوجي حول المثقفين والشرائح الاجتماعية التي أفرزتهم كانت مقولات منتقاة ومخلوعة من سياقاتها لأنطون غرامشي هي ما يتم الارتكاز عليه لتفسير وتحليل ظاهرة الاغتراب لدى المثقفين، تماما كما استخدمت مقولات أخرى مُنتزعة من سياقاتها وبيئاتها الثقافية، والمثال الذي يحضرني الآن هو العديد من القصائد التي كتبها شعراء عرب في الخمسينيات والستينيات تشكو من المدينة ومن سحقها للفرد على غرار قصائد أليوت وأديث سيتويل وإزرا باوند وآخرين، على الرغم من أن المدن العربية في ذلك الوقت كانت أشبه بقرى عملاقة، وفي ضواحيها تتولى الأبقار والخيول الحراثة ولا تصل إليها الكهرباء!
إنها معادلة بالغة الوضوح، فثمة من يقرأ ست دقائق في العام ويصف من يقرأ ست ساعات في اليوم بالغموض.
_________
*القدس العربي

شاهد أيضاً

عِبَادِ لا عَبْيد

خاص- ثقافات *عبدالجبار الرفاعي صورة الله في علم الكلام القديم، هي صورة السيد المخيف المرعب، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *