الرئيسية / مقالات / أم سعد وأخواتها ـ عن غسان كنفاني ـ

أم سعد وأخواتها ـ عن غسان كنفاني ـ


*خيري منصور

تزامن يتجاوز التراجيديا الى الكبرياء الرّواقي في اقسى وأقصى تجلياته بين تلك الظهيرة البيروتية السوداء التي اضاءتها اشلاء غسان كنفاني ولميس وبين هذا الليل المضاء بسخاء رغم انقطاع الكهرباء في سماء غزّة، فالشهيد لا يختار موعد ولادته او مسقط رأسه او لحظة رحيله لكنه يختار مسقط روحه وموعد قيامته اذا كان ما كتبه هو رهان البقاء ضد ابادة مزدوجة، تستهدف الروح والجسد، والهوية والجغرافيا الرسولية.

كان غسان قد استكمل شهادته لحظة استشهاده وقرع الجرس مرار قبل ان يعاتب ضحايا قائد الحافلة العنّين ابو الخيزران لأنهم لم يدقّوا جدران الخزّان، وقد بدأ من اول العمر واول السطر التبشير بزلزال يعيد سلسلة الجبال الى مواقعها في خرائط مقلوبة، تسلقت فيها القيعان السفوح وعلت العيون على الحواجب لأن الناس يمشون على رؤوسهم. 
وأدرك الفتى السرّ المهرّب من المعادلة فحوّل علّة الجسد الى عافية في الرّوح، وتعلّم من الهجرة غير الموعودة بالعودة والفتح ان الشقاء لا جنسية له وكذلك الاستبداد، فتقمّص باكستانيا كادحا واستنطقه لكن بفصاحة شاهد بليغ وعاد الى ما وراء كل الكواليس التي شغلت جيله ليفتضح مرجعية ايديولوجية تسمم الحبر والوجدان، وكان كتابه في الأدب الصهيوني كشفا للمستور وليس للمستتر، فذلك الأدب كان طيّ التجاهل والتناسي في ثقافة النعامة التي اختلط فيها العدو بطاحونة الهواء، وانتهى الامر الى ان تكسّرت السيوف كلّها…
التقط غسّان بذكاء ومهارة وحدس مبكر جرثومة العطن والاستنقاع في زمن عربي داجن، وكان منذ رجال في الشمس وأرض البرتقال الحزين حتى عائد الى حيفا ومن قَتَل ليلى الحايك يقبض على الجمرة التي طالما تهرّب من القبض عليها آخرون، منهم فلسطينيون تأقلموا مع المنفى، لهذا لم يتردد في اهداء احدى رواياته للراحل احسان عباس بعبارة مشحونة بعدة دلالات هي : الى استاذنا احسان هذه الرواية رغم انها لا تتعلق بالاندلس ! وبعدها بعقود قال توأمه محمود درويش : ندعو لأندلس إن حوصرت حلبُ..! فأية اندلس تلك التي هاجرت من غرناطة الى عكا ومن ثم الى بيروت ؟ وأي جرح مديد في الأرض ذلك الذي ما يزال يبحث عن مصبّ منذ ستة عقود ؟
كان نقد غسان للواقع العربي وما أفرزه في فترة السّبات أقرب الى النقض، فهو راديكالي في ادانة من استخفّوا بالجغرافيا فاستخفّ التاريخ بهم، قال مثلا عن المفاضلة بين خيمة صغيرة بعمود واحد وأخرى بعمودين : خيمة عن خيمة تٍفرٍق، وهذا ما حدث بالفعل، فثمة خيام من رخام يتأرجح على سطحها حبل غسيل يرفرف عليه قمباز او قفطان او كوفية، بدلا من العَلَم مقابل خيام تشعر بالعجز إزاء بعضها كما يشعر الشجر الذي لا يقوى على الحركة، لكن الشجر تعوقه جذوره اما الخيام فيعوقها الموت في عزّ الحياة. 
لم يكن غسّان اديبا بالتعريف التقليدي الذي يحشره في قصة او حتى في رواية، فقد كان بشارة مبكرة لمثقف يتجاوز التصنيف في خانات النقد الكسول، لهذا كتب عن ثورة 1936 والاضراب الاطول في التاريخ كما لم يكتب مؤرخ، وقال ما تردد الاخرون في قوله، وحين كتب «عائد الى حيفا» ادان الوالدين الهاربين بل عذّبهما بالابن المتروك الذي تحوّل الى ضابط اسرائيلي وانكرهما. وكان من آخر مقالاته عن حميدو في الجنوب اللبناني وعن عقاب مفارق للجريمة، لوعيه بأن الكبت افراز تربوي في مجتمعات تعيش ما قبل الدولة وسرعان ما تحيل ادبيات الحزب او الفصيل الى أعراف القبيلة .
هو الذي دقّ الخزانات كلها حتى أدمى قبضته، خزان التخلف بكل ما يعج به من مخلفات رعوية وخزان الاقتصاد الرّيعي، وخزان التواطؤ في النطاق القومي واخيرا خزان سماسرة الدم وكومبرادور الثقافة.
لم تكن ام سعد امثولة بقدر ما اصبحت مثالا ثم ذهبت مثلا في الذاكرة الفلسطينية، ولأنه مثقف ذو وعي مفارق للسائد والمقرر التربوي أطاح بالقلم وليس بالسيف بتلك الحكاية الخرقاء التي تتلخص في أردأ موعظة أفرزها عصر الانحطاط وهي : أُنجُ سعد فقد هلك سعيد… لأنه يدرك ان النجاة مستحيلة في مُتوالية الهلاك التي تشمل شعبا برمته.
* * * * * * *
هذا التزامن بين تلك الظهيرة البيروتية السوداء المضاءة بأشلاء غسان ووميض عيني لميس وبين ليل غزة المضاء بسخاء الفانتوم لا يستوقفنا فحسب، بل يعيد النقاط الضالة الى الحروف، خصوصا اذا كانت نقاطا من دم.
كانت رصاصة واحدة تكفي لقتل جسد نحيل مهدد بالنزيف الفوري بسبب السّكر لكن القاتل كان أدرى من ذوي المقتول بالضحية، لهذا اعدّ لها من الديناميت ما يكفي لكتيبة كُتّاب ثرثارين فكّوا الارتباط والاشتباك بين الكلمة وجسدها وبين كلمة الوطن والوطن، وبين الشجاعة على المجابهة والشجاعة على الفرار.
وهذا ما ادركه الراجل د. يوسف ادريس بحصافة مثقف ذي موقف عندما كتب في مقدمته للاعمال الكاملة لغسان كنفاني انه لم يشعر بالفخر ذات يوم لأنه يكتب القصة او الرواية، لكنه بدأ يشعر بهذا الامتياز لأنه زميل غسان كنفاني ولم ينج الراحل يوسف ادريس من عقاب صامت.
لقد كُتب عن غسان الكثير، ولو اتيح له ان يقرأ معظم ما كُتب عنه لربما أعاد النظر بمهنة الكتابة، ففي عصر الانتهاكات وتدني المعايير اصبح كل شيء متاحا ومباحا لكن لاسباب ارضية غير تلك التي عبّر عنها ديستويفسكي في الاخوة كروموزوف. وما لن اتردد في كتابته رغم انه يخصّني هو ان ابني الذي لم يكن قد وُلد حين استشهد غسان، قال ان غسان يعود الان الى حيفا، لكن بطريقته، تماما كما حاول احمد الزعتر ان يعود من بيروت الى الكرمل بقفزة واحدة اسرع من رصاصة.
الكتابة عن غسان شاهدا وشهيدا ومشهدا تراجيديا، يشترط أصابع عرفت كيف تشهد وتدين وتضغط على الزناد… فليدعه مماليك الثقافة لورثته من سلالة لم يتسلل السمّ الى حِبرِها !
______
*القدس العربي

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *