الرئيسية / مقالات / تحوّلات (حرمة)

تحوّلات (حرمة)


حاتم الصكر

 
كان اختيار الشاعر والروائي علي المقري مفردة (حُرمة) عنوانا لروايته الأخيرة تلخيصاً ذكيّاً لرؤيةٍ بلورتْها روايتاه السابقتان: (طعم أسود..رائحة سوداء) و(اليهودي الحالي)، وتتركز في اتخاذ المهمّشين مركزا للعمل، لما ينطوون عليه من جاذبية متعددة الأسباب للكاتب والسرد وللقراء. تتواصل سلسلة المهمشين الذين انتشلهم المقري ببراعة من قاع الحياة والقص ليتصدروا الوقائع والرؤى، فتتوقف هذه المرة عند المرأة وحدها لتستأثر بالعمل، بعد أن كانت واحدة من عديد عناصره وموضوعاته وشخوصه. تكتنز مفردة (حرمة) خزينا دلاليا، يتكون بفعل تداولها في مواضع كثيرة، لا تخرج عن إطار المهانة والتهميش. وهو ما يعكس نظرة المجتمع لها، ويكشف خطابه المتّسم بالإقصاء بصدد مكانتها ودورها الاجتماعي، فهي محرّم عليها الفعل والمبادرة، وجزء من مقدس أو حرام يذبّ عنه المهينون انفسهم عندما يتعلق الأمر باختياراتها. لكن سرد المقري يجعلها متنا وفاعلا سرديا ودلاليا، فتختلط المقدرة الممكنة للشخصية كما يرسمها الكاتب، وحلمه بامرأة تكون لها مبادرة وفعل نساء رواياته التي يحرص أن يعرض فيها كثيراً مما في المجتمع من زيف وتناقض، ويكشف رياء مدَّعي التدين وهم يخفون وراء أقنعتهم نفوسا شريرة جاهلة. ويستغرق في البوح بالمسكوت عنه وما تتواطأ الجماعة على إخفائه.

 يلفت في رواية المقري الثالثة أنه جعل المرأة ساردة تتناوب مع أختها النقيض لها مهمة السرد لتعلن ما يعد محظوراً اجتماعيا، ولكن من خلالها هي، لأن أختها تحضر عبر مذكرات صريحة تعثر عليها الساردة في أشرطة كاسيت وتستمع لها لتتابع ما تفعله أختها بحريتها التي انتزعتها من العائلة ومضت فيها حتى نهايتها. والتي ختمتها بما يشبه الانتحار والموت لأنها اختارت التصادم الذي لم يتح لها السرد أن تنتصر فيه حتى بحيلٍ كثيرة لتحقيق رغباتها، فتودي بها إحداها لتنتهي معزولة ومهجورة. تدعها الساردة تحتل مساحة السرد لتنسحب هي ممهدة لتحولات تفاجئ القارئ وتزيد من فانتازيا الوضع الاجتماعي. فالفتاة التي تستمع الآن وهي في الخامسة والعشرين لقصيدة أحمد شوقي (سلوا قلبي..) بصوت أم كثوم كما تستمع فحسب لمذكرات أختها تجعل من الأبيات وقفات تنبهها لما حصل لها ولعائلتها تحت مسمى واحد يستخلصه القارئ وهو التحول الحادّ الذي صار سمةً للرواية الحديثة؛ لأنه يطابق أمنيات الكاتب غالبا وينجز فعلا ورقيا لمقاومة الواقع، يلعب فيه الخيال دورا واضحا، فيرد السؤال عن إمكان وجود ما يحدث، أو تصور حدوث ما يوجد في العمل المكتظ بالأمكنة والأحداث التي تتابع سريعة عبر استرجاعات الذاكرة، تتزوج الساردة شيخا يستعيض عن عجزه الجنسي بالجهاد ويورط الساردة في أسفار عسيرة؛ لتنتهي سجينة ومهجّرة تعود لأسرتها لتجد الجميع قد تحولوا: الأخ الماركسي والأخت المتحررة والحبيب الذي تظل منه نداءات أم كلثوم وسؤال شوقي عن القلب الذي سلا وتاب. لقد صنع المقري إيقاعا شيقا عبر التوازي بين التذكرات والقصيدة فزادت عذوبة السرد رغم عنف وقائعه ومصائر شخصياته.

( الاتحاد الثقافي )

شاهد أيضاً

درويش ناقدا

*خيري منصور يقول الشاعر ت. س. أليوت إن الشاعر هو الناقد في تجلياته التطبيقية، لهذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *