الرئيسية / قراءات / في الحاجَة إلى ريلكه…قِراءَة في” ذكريات مالْت “

في الحاجَة إلى ريلكه…قِراءَة في” ذكريات مالْت “


مصطفى الرادِقي*

( ثقافات )

 

يحفل الكتاب النثري ” ذكريات مالت لوريدس بريج” للشاعرراينرماريا ريلكه بموضوعات أساسية كبرى تَهُم صميم وجود الإنسان،والمبدع منه على وجه الخصوص،كالموت،والمصير،والسفر بمفهومه الوجودي المُشبَع بحس تراجيدي،إضافة إلى موضوعة الطفولة كتفجير للحكي والإبداع والكتابة.ثم يبث ريلكه بعض أفكاره حول الكتابة الشعرية،وكيفية تصوره لها.
ففيما يخص موضوعة الموت يُعيد ريلكه الفكرة الرواقية التي عبّر عنها سلفا مونتين،والتي مؤداها أن الحياة ليست سوى تعليم للموت،لكنه يذهب أبعد من الكاتب الفرنسي عندما يعتبره -أي الموت- ” عملا فذا ” خاصة لَمّا ” يطولُ إنضاجُه “.
الإنتقال التراجيدي عبرالأمكنة،هو التيه عينه الذي عاشه ريلكه طيلة حياته متنقلا بين مدن وبلدان عديدة؛ أي سيرة نفي تجعل من الكتابة الشعرية صدى لها.
التيهُ والموت متلازمان، إذ ينتقل الإنسان في الزمن وعبرالمكان في اتجاه نهايته/ موته الخاص،يقول:” نحملُ الموت بِداخلنا كما تحمل الفاكهة نواتَها.”
وفي خِضَم هذه الحياة المُنفلتة والمتوجهة قسرا نحو فنائها، يربط ريلكه كتابة الشعر بالتجربة الحياتية.فيتصور بأن الشعر ليس أفكارا عاطفية، وإنما تجربة مُعتَصرة قاسية. وكتابة الشعر مبكرا قد لاتُعطي شيئا.وهويحث على الإنتظار،وتكديس المعنى طيلة حياة بِكاملها، حياة طويلة إذا أمكن، وفي النهاية ربما قد نكتب عشرة أبيات جيّدة.لأن الأبيات، خلافا لِما يعتقده الناس،ليست عواطف وإنما هي تجارب.
يقول:” لكتابة بيت شعري واحد، يلزم مشاهدة عدة مدن، وعدة أشخاص، وعدة أشياء؛ يلزم معرفة الحيوانات، ويلزم الإحساس بكيفية طيران العصافير، ومعرفة الحركات التي بفضلها تتفتح الأزهار في الصباح. يلزم تَذكُّر الطرق المُفضيَة إلى وِجْهات مجهولة، تَذكّراللقاءات ومواقف الوداع، وأيام الطفولة الغامضة، والآباء الذين صَدمْناهُم يوما لأنهم حملوا لنا فرحا لم نفهمه، وأمراض الأطفال التي تؤدي إلى تحولات عميقة و خطيرة، والأيام التي قضيناها في غرف صامتة وسرية، والصباحات قرب شاطىء البحر، والبحر،والبِحار،وليالي السفر(…)ولمّا نفكر في كل هذا،فإن ذلك ليس كافيا. إذ يلزم تَذكّر ليالي الحب المتباينة، وصيحات النساء أثناء الوضع، ويلزم أيضا الجلوس بقرب المُحتضِرين، وبقرب الأموات في غرفة ذات نافذة مفتوحة ومُخترَقة بِصداع فجائي.لكن الحصولَ على ذكريات وحدها لايكفي بل يلزم نسيانَها حينما تكون كثيرة، والتحلي بقدر كبيرمن الصبر في انتظارعودَتها.لأن الذكريات في حد ذاتها ليست مهمة. لمّا تتحول أخيرا إلى دم بِداخلنا،إلى نظرة، إلى حركة، أن تصبح بلا إسم، وأن تتمايَز عنّا، عندها فقط، يمكن مِن داخلِها، وفي زمن جد نادر،أن تصعدَ أول كلمة لبيت شعري وتبدأ في المَسير”.
ومن الثيمات الأخرى التي ينهض بها الكتاب، موضوعة الفقر” الفقر الإنساني- الروحي والمادي”،ثم موضوعة الصمت الذي له علاقة وطيدة بطقس الإبداع والكتابة،والإنفتاح على المُدهش أي الدخول إلى المجهول.وفي تعاضد وثيق مع هذه الموضوعة الأخيرة،يعطي ريلكه أهمية خاصة،ومكانة جد أثيرة للعزلة. إذ في نظره أن لا شيء يُعاش ويُمارَس(بالنسبة للفنان) إلا في العزلة. فالمبدع في انفراده وتوحده،يؤكد ريلكه،كأنه يستفزالمجتمع،وبالتالي يُلاقي صُدودا أو سوء فهم،بل قد يلقى معاملات قاسية تحُط من قَدْره وقيمته. لكنه بالمقابل،لابديل له عن خياره الذي هو خياروجودي .
ومع ذلك،فعملية الكتابة ليست عملية عجيبة،وإنما هي صراع وتضاد مع الفقروالكآبة والموت.
ويكتب ريلكه عن المستويات الجوانية في الطبيعة الإنسانية لدى الفرد وهو يُمارس حياته داخل المجتمع. ويحاول كشف طبيعة هذا الفرد التي تتخفّى وراء ستائروحُجُب تَسترحقيقتَها.فالصراع بين الجوّاني والبرّاني هو ما يعكس حقيقة الكائن،مع المَيْل الدائم لِحمل القناع.
من هنا، فحينما يلج ريلكه هذه التجويفات المظلمة، فهو يراهن بالإبداع والكتابة الشعرية على تحريرالإنسان من تَخبّطاته،ويطمح إلى أن يجعله يعيش حقيقته العارية،وعُريَه الحقيقي. وريلكه شخصيا،كإنسان وكمبدع،حاول أن يكون نموذجا لذلك. يقول: ” نكتشف بأننا لانعرف دورَنا، نبحث عن مِرآة،نريد أن نزيل المساحيق،أنْ نطرح كل ما هومزيف فينا،وأن نكون حقيقيين. لكن،يبقى دوما في منطقة ما،بِداخلنا،سِتار من التخفي كثيرا ما نتناساه.حواجِبُنا تحتفظ بشيء من المُبالغة. لا نرى بأن جوانب أفواهِنا تقوم بحركات بهلوانية.وعلى هذه الطريقة نتجوّل،بنصف مُضحك: لاكَذوات حقيقية ولا كمُمَثلين.”
ويتوجه ريلكه، في اهتمامه البالغ بالعديد من الشعراء والمبدعين،إلى جنون هؤلاء المتجه صوب الحقيقة،ومحاولة البحث المُضني عنها،من خلال عيشهِم هُم لِحقيقتهِم الذاتية التي لاتجد،في الغالب،تجاوبا من طرف الآخر.وكأن الأمر يتعلق لدى هؤلاء،بنوع من العنت في التوغل في أصقاع البحث والمغامرة والإكتشاف،مزاوجين رحلة الذهاب والإياب بين قطبيْ الضاهر والباطن( الإحالة على بودلير،سيزان،بيتهوفن…).
الشيء الجميل، المُلفت والمثيرأيضا في الكتاب، هوهذه النبرة التساؤلية ذات العمق الفلسفي حول علاقة الإنسان بالعالم،وحول حقيقة هذه الحياة.
يقول: ” هل حقا إلى الآن لم نرَ شيئا،لم نكتشف شيئا،ولم نَقُل شيئا مُهِمّا ؟هل حقا أمضيْنا ملايين السنين في النظروالتأمل والتفكير دون أن نتوصل إلى شيء ؟
نعم،هذا ممكن”.
” هل ممكن أنه رغم الإختراعات والتقدم،ورغم الثقافة والدين وحكماء العالم، بقينا فوق سطح الحياة ؟ هل ممكن أننا غطيْنا هذا السطحَ ذاتَه ،الذي له بعض القيمة،بِغطاء مضجر يشبه أثاث صالون خلال عطلة صيف ؟
نعم،هذا ممكن.”
” هل ممكن أن كل التاريخ الكوني كان مَثار خلاف وسوء فهم ؟ هل ممكن أن الماضي بِرمته كان خاطئا لأننا تحدثنا عنه دوما كَكُثَل (…)؟
نعم، هذا ممكن.”
” (…) هل ممكن أن الوقائع ليست شيئا لَدى الناس، وأن حيواتِهم التي لاتعني شيئا ولا تربطها بشيء،تتقطر كدقات بندول في صالة فارغة ؟
نعم،هذا ممكن .”
ورغم الإلتباس الأجناسي الذي يَلفّ الكتاب ،وهل يمكن اعتباره أول رواية حداثية في الغرب(1910) نظرا لِخصائصه الشذرية أم قصيدة نثر كبرى ؟ وبين اعتباره فسيفساء أو مُنمنَمَة، كما يرى كلود بورصيل؛ وبين النظر إليه كأوراق مبعثرة لكنها تنطوي على مشروع وجودي لِقوى متحركة في الظلام المادي ،كما يرى ريلكه نفسه؟ فإن الحاجة إلى قراءته،وإلى صاحبه اليوم ،جد ماسة، في عصر لا يَني يهزأ بنا في أتون دهاليز مُعتمَة ومُلتبسَة .


 شاعر و مترجم من المغرب*

شاهد أيضاً

صدر حديثًا.. حكايات من اللجوء الفلسطيني

خاص- ثقافات صدر حديثاً عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية كتاب “11: حكايات من اللجوء الفلسطيني” لمجموعة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *