الرئيسية / قراءات / ولكنه ضحك كالبكا: نمشي في نفق طفولتنا كما لو اننا نذهب الى الموت

ولكنه ضحك كالبكا: نمشي في نفق طفولتنا كما لو اننا نذهب الى الموت


فاروق يوسف

وقلنا لها أين أرض العراق فقالت ونحن بتُربانَ ها ابو الطيب
عثر عليها أبو الطيب. قبلي وقبل كل الفئران التي هربت من السفينة وقبل الطواويس التي لم يمس ريشها دخان البنادق. كان الشاعر العباسي بطلا في اختراقه الجلد المشوه. جلد الفريسة التي ترسم دهشتها خطا على الارض. يرى ويسمع ويشم اللغة هناك. تحت، في البذرة. (ها) وحدها باعتبارها عبارة تكفي. أرض شاسعة لا تكفي. هل تقع السماء مع المطر؟ من يمكنه الحديث مع الشاعر المهموم بأعدائه الذين صاروا يتكاثرون؟ في حرفين اختزلتُ الكون الحائر. متاهة قلبي الذي خرج سليما من الموقد. سنجد الحصى في قلب الموجة والموجة في عيني الاعمى. (وين) يتساءل العراقي بمعنى (أين) الواو محل الألف والالف هو حرف طاغية بحسب بورخيس. نجرؤ على الطغاة. هذه المرة على الأقل. الوطن من تحت دفتر الالغاز المدرسية يبتسم. تحت المخدة أغنية مؤجلة. لن يكتبها عبود الكرخي ولن تغنيها صديقة الملاية. أبحث بين أصبعين سقطا على النبع عن الجمرة. يرقص الأقزام على حبال حنجرتي. ليلي طويل وعباءتي تقصر. هل قلت ‘ها’ ايها الشاعر القتيل؟
أنصت الى دبيب النملة. هناك وشايات كثيرة في طريقها إلى البلد الذي ضاع في حفلة شواء. أدخان أم غبار يعلق بالافئدة؟ (ها) هي الوطن وهي الملجأ والمنفى والغربة والدار الآخرة. في ظل السلم الموسيقي نقع. تقع الايدي ويقع الشعور بالفراغ. الفراغ يقع هناك أيضا. ما من نفع لنا. نحن بلا نفع. هناك من اختزلنا على شكل هيأة مضناة. السلحفاة أنفع. تعيش حياة كاملة. هل يمكن أن نصف الحياة التي نعيشها بأنها كاملة؟ لا ماء. صار العراقيون يستوردون الماء الصالح للشرب من الكويت. لا تراب. ما معنى أن لا تنعم الأرض بخضرة شجرة؟ لا هواء. ذلك البدوي لا يزال مقيما في المستشفى. لا نار. تقول ايران ان النار التي يشعلها زرداشت لم تكن اختراعا الهيا. الجحيم إذن هو اختراع ايراني. بالنسبة للعراقيين على الأقل. نار وقودها العراقيون والحجارة. هناك هاءات كثيرة وما من واحدة منها حقيقية.
يوم انفتحت عينا الشاعر على الساعة، هناك حيث الصق العصفور زقزقته الأخيرة، هل كان الفرات قريبا؟ ‘ألا أيها الليل الطويل’ كان النمل يحفر حدود الخارطة بأقدام مستعارة من جند سليمان. ارساليات ومبشرون وأديرة تقع في اقاصي النشيد. كنا نحث الخطى لنقتفي أثر العنزة في المسافة التي تفصل بين حرفين. نقفز من قارة الى اخرى، متبوعين بالجاموس والمعدان والمشاحيف واسراب البط المندائي واوزة نيلز وادعية بنات الحسن وابراج المطال والسمك الجري والمنتهية صلاحية استعمالهم من البرامكة وزقاقين ضيقين يتقاطعان عند كنيسة اللاتين.
كان علينا ان نُحيد وجعنا. فلكي ينصت المرء الى باخ عليه ان ينسى الثغاء. ولكننا مثلومون، مكلومون، ويتامى ايقاع لا يزال سائبا. الفكرة لا تلبس شكلا وماؤنا عصي على الاناء وصامت دمعنا. لقد خدعتنا القسوة حين محت رأس الذئب وأبقت على خياله، فصارت قطعاننا تركض متبوعة بالشياطين. وصار لكل واحد منا جنيته. مَن يجرؤ على كسر القارورة؟ أرق من خيط حرير وأقوى من شاحنة. لكننا اخترعنا خطوطا حمراء لتمشي بنا الالغام بين حقلين على مائدة عشاء تخيلناه آخر العشاءات. كان مخلصنا ينتظر تحت الدرج. ‘هل نمت طويلا؟’ نضحك لأن سلالنا لا تزال فارغة فيما كانت الفواكة تسقط مدوية على الارض. أيها الحرمان، أأنت عراقي ايضا؟
قلنا ‘النفق الى الجنة طويل ومظلم’ قلنا ‘الحنطة أكلت الشعير، والزيت غزا الماء، والفتنة تعبت من النوم قلنا ‘سنكون عند العتبة كوردا وعلى السرير شيعة وفي المطبخ حنفيين. كان النعمان بن المنذر وهو نصراني يقض مضجعنا بحيرته وهو يهرول بين الخورنق والسدير. قبل الصفا والمروة كانت للعراقيين مسافة سؤال، يؤمها الشعر في نزهته البرية بين الوحوش الكاسرة. خرج جلجامش من باب الحكمة كسير الفؤاد. ‘لقد مات صاحبي’ لا معنى اذن للموت. لا معنى لعراقيتك. كان انكيدو وهو صاحبه الراحل عراقيا هو الآخر. سأكلم الشجرة من أجلك لكي تكف عن أن تكون مجرد خشبة. سأكلم الغيمة من أجلك لكي تخون مطرها. سأكلم البحارة لكي يعودوا ادراجهم فلا تغرق سوق الهنود في البصرة بالتوابل. أنت ميت يا صديقي وهم ميتون. فأهدأ الآن. يظنك الناس نائما. الحسين نائم. وعبد الكريم نائم، لكن على سطح القمر. عائشة هي الأخرى نائمة في محيط الزبير. الملك العربي الذي جُلب من الجزيرة العربية نائم في الاعظمية. فهد نائم في مقبرة الغرباء، ليس بعيدا عن المكان الذي ينام فيه جواد سليم. يبتسم الاسكندر المقدوني في نومه وهو يرى الغرباء يشفق بعضهم على البعض الآخر.
سومريين كنا.
بابليين كنا.
آشوريين كنا.
عربا نصارى ويهودا وصابئة ومن ثم مسلمين كنا. غير ان الالغام لم تكف عن المشي بأقدامنا. بعد قرون صرنا لاجئين. بعد حروب صليبية لم تفرق بين السماوة وبيت لحم اهتدينا الى الحل. أن نكون عبئا على السابلة. بين المطارات ومحطات القطار وانفاق المترو والكنائس وزعنا أولادنا وبناتنا. لسنا شهود يهوه، هذا صحيح وهو خطأ في الوقت نفسه. ما من أحد في إمكانه أن يشهد ليهوه مثلنا. فبعد أن عبرنا خط الحقيقة، صار في إمكاننا أن نستبدل وهما بوهم يفوقه اكتمالا ومثالية. نحن نكذب من اجل الصدق، نزيف من اجل الحقيقة. أليس العالم هواءا؟ هواء من فوق وهواء من تحت بينهما تتلفت الاساطير. ولأننا صناع اولى الاساطير، يحق لنا أن نفتدي الخريف بربيع شُبه لنا بأنه خريف مقنع.
أين أرض العراق فعلا؟
كان الشاعر العباسي محقا حين قال ‘ها’. ففي تلك الـ(ها) كان حتفه. كان حتف السلالات التي تبعته. بعدما مر المغول والفرس والعثمانيون والانجليز الدائرة من حولنا. مَن نحن؟ بخجل، بعياء، بشعور عظيم بالتعاسة، نمنا على جناحي ذلك السؤال وطلبنا من الريح أن ترأف بنا. نحن لا نملك حتى (ها) المتنبي. كان المتنبي رائيا، صبورا، خالقا ومتأنيا في التأمل. خبرته هي نتاج عصور من الذهب اما خبرتنا فقد التهمتها المعادن التي تصدأ. كما لو أنا نعتذر صرنا نسأل ‘أين يقع العراق على الخرائط؟ ألا يزال ممكنا بالنسبة لرسامي تلك الخرائط؟’ نعرف ان الكتب المدرسية مثل الجمعية العامة للام المتحدة، مثل الحوزات الدينية، مثل مرايا الحلاقين تكذب. سنبحث عنه في مكان آخر. في مثلث يرمودا أم في تسونامي؟ شيء من الحقيقة يكمن في كل هذا الافتعال والتماهي مع البعد الرابع. فالعراق اليوم ليس بلدا حيا. هو ميت ولكنهم ميتون. مَن هم؟ سؤاله وسؤالنا وسؤال التاريخ من وراءنا وسؤال الواقع من تحتنا. ‘لقد مات صاحبي’ الجملة المضمرة تقول ‘علي أن اتبعه. أن اكون ميتا مثله’. تحت جلد كل عراقي هناك فكرة عن موت مؤجل. فكرة لا تعارض الغد، غير أنها لا تأبه به كثيرا. تجلبه لكي يصدأ معها، يذوق المرارة والشعور العظيم بالفقدان. إذا كان كل ذلك ما ننتظره، فهل يحق لنا ان نقاوم، أن نقشر البصل في عيني الثور؟
كما ارى فإن الفكرة لم تكن كلها سلبية. ثم هناك خبرة العيش المديد. ‘لقد عشنا’ كما يقول سارتر. وهي خبرة تجعلنا نتمادى على الهزائم والانكسارات والرضوض. لذلك يمكنني القول موضوعيا ان وجود العراق في تلك الـ(ها) المنغمة عروضيا يمكنه ان يبرر وجودنا، بشرا يسخرون من الماضي لانه لم يقل كل شيء ومن المستقبل لانه يرغب ببلاهة ان يقول كل شيء. العراقي يضحك لانه لا يصدق انه لا يزال موجودا

 

 

– عن القدس العربي – لندن

شاهد أيضاً

وول سوينكا كاتباً مسرحياً في «الأسد والجوهرة»

*هند عبد الحليم محفوظ تقع أحداث مسرحية وول سوينكا «الأسد والجوهرة» (المركز القومي المصري للترجمة/ …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *