الرئيسية / خبر رئيسي / الإنجيـل/ مارغريت دوراس
447

الإنجيـل/ مارغريت دوراس

*ترجمة: إلياس فركوح

كان في العشرين، وهي في الثامنة عشرة. التقاها ذات مساء في كافيه دو ريليه. سان ميشيل. أخبرها بأنه أتى للفور من حِصَّة علم الاجتماع. من جهتها، انتظرَتْ بضعة أيام لتخبره بأنَّها تعملُ بائعةً في محل للأحذيَةِ. ثمّ كان أن ألِفا الالتقاء في الغرفة العُليا الخلفيّة للمقهى. عادةً بين السّاعة السّادسة حتّى العاشرة، بعد أن تنتهِيَ مِنْ عملها في المحلّ. كانت فَرِحَةً بوجوده هناك كلّ ليلة: كان يشكّلُ رِفْقَةً بالنّسبة لها؛ كان مُهذّباً ولذيذاً. كانت فَرِحَةً بأنْ تجدَ شخصاً تستطيع أن تُمضِيَ معه ساعاتِ ما قبل العشاء قبل أن تعودَ إلـى غرفتها. هي لم تكن لتتكلّم كثيراً. كان هو مَن حَدّثها عن الأشياء. حَدّثها عن الإسلام وعن الإنجيل. هذا لم يُفاجئها تحديداً، رغم مُعاودتِهِ للحديث في المسألة نفسِها مرّات ومرّات. هذا لم يُفاجئها، لا شيء يُفاجئها: تلك هي الطّريقةُ التي جُبِلَت عليها؛ لا شيء في الحقيقـة فاجأها.

في الليلة الأولى حَدّثها عن الإسلام. في اليوم التالي نامَ معها وحَدّثها عن الإنجيل. سألها إنْ كانت قرأته. قالت له بأنّها لم تقرأه. وفي اليوم الذي تلاه، أحضرَ معه إنجيلاً وقرأَ لها منه بطَقْسٍ كَنَسيٍّ في الغرفة الخلفيّة للمقهى. قرأَ بصوتٍ عالٍ، يداه فوق أُذنيه، بصوتٍ مُنفعل، مُتّبعاً إيقاعاً ترتيليّاً. كانت مأخوذةً بذلك وتساءلَتْ إنْ كانَ يتّصف بقليلٍ من الجُنون. بعدها؛ سألها عن رأيها في ما سَمِعَتْ. لم تكن قد أنصتَتْ بانتباهٍ كبير بينما كان يقرأ لأنّها كانَتْ مأخوذة تماماً بما يفعل. أخبرته بأنَّ ذلك يبدو مَعْقولاً بالنّسبة لها، بأنَّ ذلك كان جيِّداً. ابتسمَ لتعليقها؛ وفسَّرَ بأنّه كان نَصّاً أساسيّاً ومن الضَّروري تعلُّمُهُ.

لقد شاهدَ مخطوطات البَرْديّ في المتحف البريطاني؛ أخبرها عن ذلك. أمضى عدَّة ساعاتٍ أمامَ الصُّندوقِ الزُّجاجيِّ، ثمَّ عادَ في اليوم التّالي، ولعدَّة أيّام بعد ذلك. لن ينسى تلك اللحظاتِ أبداً. كُلُّ ما تُرِكَ على مخطوطاتِ البَرْديّ كان عبارة عن سطورٍ قليلةٍ من سِفْر الخُروج. حَدّثها عن سِفْر الخُروج. “وأمّا بَنُو إسرائيلَ فأثمروا وتوالدوا ونموا وكثروا كثيراً جدّاً وامتلأت الأرضُ منهم…” (*). حَدّثها عن جميع الأناجيل. التّرجمة اللاتينيّة للكتاب المُقدَّس، والتّرجمة اليونانيّة للعهدِ القديم الذي قام بها 72 عالماً يهوديّاً في 72 يوماً، كما حَدّثها عن ترجمة الفاتيكان، ونسخة سيناء، والتّرجمة العبريَّة، والعربيَّة، واليونانيَّة، والأناجيل اللاتينيَّة.

هو لم يُرِدْ أن يتحدّثَ عنها أبداً، وهو لم يسألها أبداً إذا ما كانت سعيدة بعملها في محلِّ الأحذيَةِ، أو كيف جاءت إلى باريس، أو ماذا تُحِبُّ. مارسا الحُبَّ معاً. أحَبَّتْ هي مُمارسة الحُبِّ. كان ذلك واحداً من الأشياء التي تُحِبُّها. وأثناء مُمارستهما للحُبِّ، لم يكونا يتكلّمان. وحالَ أَنْ انتهى هو؛ طفقَ يتحدَّثُ من جديدٍ عن القدّيس جيروم، الذي أمضى حياته في ترجمة الإنجيل.

كان نحيلاً، بظَهْرٍ مُنْحَنٍ قليلاً. كان شعره مُتموِّجاً أسود، ويملكُ عينين زرقاوتن جميلتين جدّاً، مُحدَّدتَيْن برموشٍ سودٍ سميكة. كان جِلدهُ باهتاً، وفمُهُ مُعَبِّراً للغاية، وشفتاهُ الكامدتان تكادان تمسّان أسنانه. كما كان له أنفٌ مُستدير، وعِظامُ وجنتين بارزة. لم يكن نظيفاً على وجه الدِّقَّةِ. على ردنَيْ قميصِهِ ثمَّةَ شيءٌ ربَّما بقايا حلوى، وكذلك كانت أظافر يديه، التي بَدَتْ ورديَّةً غامقةً ومُدوَّرةً وكبيرةً جدّاً بالمُقارنة مع يديه النَّحيلتين، ممّا يجعلُ من أصابعه تبدو مثل الملاعق المُنبسطة. صدرهُ أجوف. أمضى سنواتِ يفاعته في قراءة النُّصوصِ المُقدَّسةِ للإسلام والمسيحيَّة. تعلّمَ العبريَّة، والعربيَّة، والإنكليزيَّة، والألمانيَّة. وهو ما يزال يدرس العربيَّة في كليَّةِ اللغاتِ الشَّرقيِّةـ رغم أنّه، مع ذلك، يعرفها جيِّداً بحيث أنَّه، بينما كان في سنتِهِ الثّانيَةِ حينما التقيا، يستطيعُ قراءة القرآن بلغته الأصليَّةِ.

أَخَذَها أحياناً لتَناوُلِ العشاء، ولكن دائماً في مطاعم رخيصة. اعترفَ في إحدى الليالي بأنَّه يَدَّخِرُ ليشترِيَ إنجيلاً عِبريّاً يعودُ للقرن السّادس عشر. كان أبوه ثريّاً، لكنّه لم يمنحْهُ سوى القليلِ من المال. ومع ذلك، فإنَّهُ لا يقدِرُ على مُقاومة رغبة شراء هذا الإنجيل؛ فلقد سَدَّدَ حتّى الآن ثُلثَ ثمنِهِ، ولسوف يُسَدِّدُهُ كامِلاً في الشَّهرِ القادم. لقد حَلُمَ بلحظة امتلاكِهِ لذاك الإنجيلِ بين يديه.

رغم مُضِيِّ ثلاثة شهور على تعارفهما؛ إلّا أنَّهُما لم يتحدَّثا عن أيِّ شيءٍ خِلاف الإنجيل والإسلام. ودائماً، يكون هو مُحدِّثَها عن الله، وعن الإيمان الرّوحِيِّ بأنَّ فكرة الله أُرسِلَت للرّجال. وهي، من جهتها، لم تؤمن بالله؛ لم تشعُرْ بحاجتها الماسّة لأن تؤمن بالله. كانت تعرف بوجود أُناسٍ يؤمنون بالله، بأُناسٍ شعروا بالحاجة إلى ذلك. هي لم تؤمن بأنَّها سَتُمْضي بقيّةَ حياتِها في محلِّ الأحذية؛ آمَنَتْ بأنَّها ستتزوَّجُ وتُنْجِبُ أطفالاً. آمَنَتْ بأنَّها مُنِحَتْ فُرصتَها في العالَم. وهذه كانَتْ وسيلَتَها الوحيدة للإيمان بالله.

هو لم يؤمن بالله، بدوره، لكنَّ هذا لم يجلب له أي عَزاءٍ أو مُواساة. لم يكن مبالياً بثروة أبيه، التي كانت هائلة؛ فلقد اكتسبها من خلال عمليات تقسيَةِ مطّاطِ عَجَلاتِ العَرَبات. هو تحدّثَ أحياناً عن بيته في نويلي، وعن المُمْتلكات في هوسيغور. هي عَرَفَتْ بأنَّهُما لن يتزوَّجا أبداً. هو لم يسأل نفسَهُ هذا السُّؤال أصلاً.

هي لم تعرف رجُلاً مثله. هو تحدّثَ عن النَّبيِّ مُحمَّد على نحوِ مَن يتحدّثُ عن أخٍ له. أخبرها عن حياةِ مُحمَّد، عن زواجِهِ بأرملةٍ تاجرة، عن ارتباطه بماريّا القبطيَّة. عَرَفَ حكاياتِ كُلِّ زوجاتِ مُحمَّد الأربع عشرة، مُحمَّد الذي أخذ على عاتِقِهِ مهمَّة توحيد العرب. كانت تلك فكرة عظيمة. دافعَ عنها مُحمَّد بسلاحٍ في يده وبشجاعةٍ إلهيَّة. بدا الأمرُ لها كمشروعٍ غريب، لكنّها لم تقل له شيئاً. كما لم تقل له أنَّهُ يكفيها أحياناً مُساعدة النّاس في تجريب الأحذية طوال اليوم. لا، لقد أبقت على تلك الأفكار لنفسها؛ لم تتخيَّل، في أيّ حالة من الحالات، بأنَّ أفكارها تهمُّ أحداً. ولقد بدا هذا أمراً طبيعيّاً في نظرها. في النِّهاية اعتادَتْ أساليبَهُ، وفي أيِّ وقتٍ أرادَ تلاوةَ سُوَرٍ كامِلَةٍ من القرآن بالعربيَّة، تدعه يفعل ذلك؛ اعتقَدَتْ بأنَّهُ كانَ شخصاً ظريفاً. لقد أسأَمَها.

اشترى لها زوجَ جوارب؛ كان رجلاً لطيفاً. لكنَّها حالَ أنْ صارا ينامان معاً، فَقَدَتْ المُتعة في حياتها. ذات ليلة، أدْرَكَتْ سببَ ذلك. أنا لم أُخلَقْ له، حَدّثتْ نفسَها. بَدَتْ قوّتـها الكاملة، وشبابها، واستمتاعها المَرِح بمباهج الحياة تذبلُ في حضوره؛ ما كان بيدها منع هذا. ومع ذلك؛ كانت تُداهِن وتتملّق. كانت، بمعنىً من المعاني، محظوظةً؛ حدّثَتْ نَفْسَها بأنَّها تعلّمَتْ أشياءَ حين كانت معه. غيرَ أنَّ هذه الأشياء لم تبعث فيها أيَّ مُتعة. كأنّما كانت تعرف تلك الأشياء، وحاجتها لمعرفتها إنّما كانت ضئيلة للغاية. لكنَّها حاولَتْ إسعاده؛ قرأت الأناجيل في الأمسيات، مثلما طلبَ منها أن تفعل. ما قالهُ المَسيحُ لأُمِّهِ جعلها تذهب في نوبة بُكاء. إذ صُلِبَ وهو ما يزال شابّاً صغيراً، وأمام عينَيْ أُمّه، وبدا الأمرُ لها مُغثياً ومقزّزاً للنّفس. لم يكن ذلك خطأها. لم تستطِعْ الذّهابَ إلى ما هو أبعد من حَدٍّ مُعيَّن من الانفعال. هي لم تعتقد بأنَّه كان الله، هذا الرَّجل. اعتقدَتْ بأنّه كان رجلاً يملكُ خططاً في غاية النُّبْلِ؛ وبأنَّ موته أعادَ له إنسانيّته، ممّا يعني أنها ما كانت قادرة على قراءة قصتِهِ دون أن تُفكّرَ بقصّةِ أبيها، الذي ماتَ في السَّنة الماضية، مسحوقاً تحت شاحنةٍ صناعيَّة، قبل سنةٍ واحدةٍ فقط لإحالته على التّقاعُد. كان ضحيّةً لانعدام العدالة التي بدأَتْ مُنذ زمن طويل. لم تكن تلك اللاعدالةُ لتتوقّف أو تنتهي أبداً على الأرض. إنّها تتوالى عبر عصور الإنسان.

عن: The New Yorker, December 25, 2006 
ترجمتها للإنكليزية عن الفرنسيّة ديبورا تريسمن Deborah Treisman

ــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) أُخِذَ الاقتباس كما هو في النسخة العربيّة للكتاب المقدّس، العهد القديم، سِفر الخروج، الإصحاح الأوّل. المترجم.

*ضفة ثالثة.

 

شاهد أيضاً

_1760_u4

المعنى السوسيولوجي للثقافة

*إبراهيم الحيدري عندما نتحدث عن مفهوم الثقافة عموما يجابهنا خلط والتباس لا بد لنا من …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *