الرئيسية / نصوص / باب الهَم
5-7-Mohammed-Sami%E2%80%8F

باب الهَم

*زاهرة محمد

بدا له أن لهذا الصباح طعم الموت! أكثر من طعم الحياة! سيما بعد مغادرة النوارس للنهر؛ إذ (كلما حلقت النوارس عالياً تذكر النهر أخطاءه).

ها هو يقف قرب نهر دجلة يرمي ما تبقى من أحزانه على حافة النهر-مكرراً هذه الجملة- نظر إلى الأزقة العابقة بأهازيج النسوة، شاي الظهيرة، براءة الأطفال وضحكاتهم… تركض أقدامه دون وعيٍ مثل هرولة الجند المخذولين؛ حين يتذكر الحروب عصفت به… يذرف دمعةً ثمّ يلوذ بالكتابة عن حمى الحرب: (لا شيء في هذا العالم يضاهي تجربة الحرب والموت)، يسير بأقدامه المتعبة حتى يخيم المساء.

الزقاق الطويل يعلن عن صوت المؤذن، وأجراس الكنائس تخاطب أذنيه: (إنَّه يوم الأحد، إِنَّه يوم حب الحياة). ظل يردد جملته -ساخراً- وهو يدخل الزقاق العتيق، وتتعالى أصوات الأطفال رويداً رويداً في الزقاق وهم يلعبون كرة القدم، تصل الكرة تحت قدمه فيركل باب الهمّ؛ ويتناثر تراب الحرمان حوله فيمسك الكرة بيده ويقدّمها للصبي الذي أمامه متبسماً كطفل صغير، يغادر وهو يتحسس تجاعيد وجهه، يجلس في ركن الزقاق يدخن أيامه مقلباً أوراق العمر، هنا كانت (كاميليا) تفتح له الشباك وهو يسلمها رسالته الأولى: لقد مر العمر سريعاً… ينظر بعينين حنونتين صوب الأطفال وهم يلعبون، في هذا العالم الذي يشهد تجربة الحرب والموت بالنسبة لهم؛ الحياة لوحة خلقها الله لينعموا بألوانها معاً يداً بيد، دون أفكار مسبقة أو أحكام تالية، ويسرح بعيداً متذكراً طفولته ومَن عرف من أصدقائه وكيف غيّرهم الزمن! وكيف نبتت طفولتهم زهورَ فلٍّ ونرجس وأحيانا أُخرى شوكاً وصباراً!

كان يتمنى أن يكبر هؤلاء الأطفال الذين لا يعرفون سوى هذا الزقاق الصغير وحنينهم فقط للعائلة المترابطة بالحبّ، أن لا ينسوا أحضان أمهاتهم أو دموعهن كيلا يتحولوا إلى هؤلاء المتوحشين الذين استطاعوا أن يحولوا رشاشات الماء إلى بنادق دم هوجاء.

عيسى رجل عاش نعومة روحه قبل أن يجلدها القهر في هذا الشارع، يعرفه طابوقةً طابوقة، يعرف الوجوه جميعها، تفاصيل البيوت؛ حنين الأمهات وأصوات العصافير، هو (ذاكرة الحي) كما يطلقون عليه، لأنه كان يرفض أن يغادر محلته الصغيرة لأي مكان آخر، كان يؤمن بأن هذه الشوارع الصغيرة تختصر له الوطن؛ ففيها يولد ويموت ليعود، لا للتراب لكن للجدران القاسية التي اعتبر نفسه عمودها وبنيانها وذاكرتها المؤلمة.

يستمع للإذاعة المزدحمة بمصطلحات جديدة على مسامع أهل الحي البسطاء (حركة انقلاب، ثورة، جماعات إرهابية، نظام جديد، دعوة للإصلاح) ويقلب وجهه بين كفيه وكل ما حوله يتحول يوماً بعد يوم إلى كلمة واحدة لا غير… (خراب). يخيم كليلٍ ثقيل، يهرب من أحزانه كي يشطب يوماً آخر.

يستيقظ في صباحه التالي.. مرهقاً لم ينم ليلتها، هو ابن هذه الحارة ابن هؤلاء النسوة اللواتي يرسلن له الدعوات كل صباح: (الله يفتحها بوجهك يا عيسى) والأولاد الذين يأتون له راكضين حين عودته من عمله محملاً لهم بأكياس مملوءة بأنواع السكاكر ليعطوه شعور الأبوة الذي لم يختبره يومًا.

(أيُعقل أن يصبح لدينا فجأة نظام نعيش عليه كما يحب مجموعة من المرتزقة؟! أيعقل أن يكون لضحكات أطفالنا حد..؟ ووقت..؟ ومحاذير…؟! أيعقل لهؤلاء النسوة اللواتي صرفن ورقة العمر الوحيدة بالإيثار أن يعايشن كل هذا الكم من الحزن كل يوم؟).

مُرهَقاً.. يفتح ألبوم الصور.. تتراقص حوله الذكريات؛ وتطرقُ بقوة على رأسه كمطرقة، عاش يتيماً حين توفيت أمه (ماريا) بتماس كهربائي، بعد قصة حب عظيمة عاشتها مع أبيه العلماني، لتنتقل وتسكن معه -من أراضي اليونان إلى نخيل العراق- وتموت كنهر يترك آثاره وحنينه لكلّ من يمر به، فيتربى عند زوجة أبيه التي وهبته حباً عظيماً، وكانت على الرغم من إسلامها مصرةً أن يتعلم دين أمه، ودين أبيه وأن يتربى على دين الحب والتسامح والإيثار؛ ليكملَ بهم مسيرة حياته في هذا العالم، وكبر (عيسى) وهو محمديّ الروح مريميّ القلب؛ ليعيش حبّ الله بتفاصيل يومه وعطاءٍ أندى من فطرة الخُلق الصحيح.

فتح محلاً صغيراً لبيع الأدوات الكهربائية وتصليحها، كانت الكتابة شغفه الأكبر، كان يعيش بسلام وطمأنينة، إلا أنّ ذاك الصباح كان يقبض على قلبه، وبخطى ضجرة يسحب أقدامه نحو محله.

الشارع يبوح بالكثير، معالم الحزن بادية عليه حتى النباتات الصغيرة التي تنمو بين أحجاره محاولةً أن تكون كأطفال الشارع فرحةً صغيرةً بين كل هذا اليباس.

يقف فجأة أمامه جماعة من الملثمين؛ لا هوية لوجوههم ولا لدينهم، يتكلم من يتقدمهم مهدداً أن يترك الحي أو يقام عليه الحد! ويُقتل.. فلا مكان لجسد يحمل دماً مسيحياً على أرض مسلمة!! للحظة يختفي كل شيء من رأسه.. لا شيء سوى صوت ذلك الرجل الذي يلتمس فيه إحساس طفل -يصرخ بضياعه- وحين يعلو صوته يشعر بكم الخراب الذي احتل روح الملثم الذي كان يوماً طفلاً صغيراً، يركض طالباً حضن أمه واحتواء أبيه وبطانية دافئة في ليالي البرد… يحمل الآن بندقية! -وقد عيّن نفسه خليفة الله على الأرض!- ليجعل الأطفال باردين متألمين من فقد أحضان أحبابهم.

حين تمر على شخص روحه معركةٌ خاسرة لا تتكلم كثيراً، لا تلتفت إلى القتلى، لا تفكر، اتلُ صلاةً أخيرة واغمض عينيك على صورة مَن تحب.

ويحبس الألم نغزة في القلب ويمرُّ وجه أمه، وجه أبيه، وجه أخيه محمد، أطفال الحي، الشوارع، الأغاني، الأمنيات. الملامح حين تصلهم جثته وهم ينوحون كسرب طيور مذبوحة بنيران الحسرة؛ ويكاد (عيسى) يفقد آخر أنفاسه، ليسمع صوت طلقة كافرة غير آمنة.

في تلك اللحظة الحاسمة، التي تسمع فيها دوي الرصاصة وصمت جسدك، يتدافع شلال العمر أمام عينيك، تحاول الهرب من مشاهد لتتمسك بأخرى ولا تستطيع شيئاً، إنه (الفيلم الأخير) الذي تشاهده عنك وحيداً خارجاً حتى من جسدك… في مقهى العالم ترتشف آخر أنفاسك وتتحول الوجوه حولك إلى أوراق لعب مكشوفة في صالة قمار تفضح زيفهم.

تشعر بخفة عظيمة؛ كأنك تحررت من كل شيء أثقلك طويلاً كأنك تمتطي أحلامك للمرة الأولى، وتتنفس للمرة الأولى.. تحيا للمرة الأولى.. أكان يتطلب كل هذا الكم من الحسرات والموت والألم لأفهم الحياة؟! لأغادر الهمَّ وأكشف النقاب عن وجه الحقيقة؟!

ويفتح عينه ليجد الرصاصة قد استقرت في صدر أخيه (محمد) الذي رمى بجسده النحيل ليفدي أخاه، ويتناثر الدم ليختلط بألم الدموع النازفة مع وجهِ حقيقة الحرب العنيدة – الخاسرة بالإدمان..

واااه يا وطن بحضنك دم (محمد) غطته دموع (عيسى) إنها الخطيئة بشيطان الغواية -أبناء قابيل. وشاهدة القبر وطن جريح… لم يطلق صرخة… لم تنزل دمعة؛ فالليل لمْلَم الدم وغاب.
_______
*الاتحاد الثقافي

شاهد أيضاً

يوسف غيشان

حفــل شواء

خاص- ثقافات *يوسف غيشان فور استلامي الثالث عشر ـ وهو راتب إضافي تمنحنا إياه الشركة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *