الرئيسية / إضاءات / القيم المدنية رافعة السلم الأهلي
48084_1

القيم المدنية رافعة السلم الأهلي

خاص- ثقافات

*عدنان الصباح

 

اعتاد الفقهاء على تسمية السلطات في الدولة بأنها ثلاث سلطات هي التشريعية والقضائية والتنفيذية ويضيفون إليها لأهميتها الإعلام كسلطة رابعة لما لها من تأثير في صياغة وتوجيه الرأي العام والتأثير في التوجهات لدى العامة وصناع القرار لجهة اتخاذ القرار أو لجهة تنفيذه وعلى الصعيد المقابل فان أحدا لم يعير اهتمام كبير لجهة عديد السلطات الأخرى في المجتمع الأكثر تأثيرا في المجتمعات الشرقية فالتقسيم الغربي للسلطات يأتي بسبب البنية الاجتماعية الغربية الأكثر حداثة وهذا ليس بالضرورة يمكن أن يكون نسخة مكررة في كل المجتمعات فنحن نعرف أن لدينا سلطات لا حصر لها في مجتمعنا الشرقي بعيدا عن التكوين الرسمي للدولة ويمكن تلخيصها بما يلي:

السلطة العشائرية:

لا يمكن للمهزوم أن يقوم بدور القائد إلا إذا جعل الجميع ينحني وتمكن من إقناعهم أن ما شاهدوه من هزيمة هو في حقيقة الأمر نصر لم يدركوا حقيقته وأبعاده جيدا واستطاع أن يفلت من هزائمه ليجد مظلة له مختلفة ولم تلوث بالهزيمة وهذا هو الحال الفلسطيني فبعد أن وصل الحال الوطني إلى ما وصل إليه وفقدت القوى السياسية الفلسطينية قدرتها على الوقوف على رأس الجماهير كقوى حية منتصرة بعد أن انتهى المطاف بها إلى أوسلو, وبعد أن خرجنا من الانتفاضة الأولى بهذه النتيجة بات الجميع يسعى للتحول عن الأحزاب والفصائل لصالح جهة أخرى ظلت نائمة لعقود طويلة لكنها لم تلغى وهي العشيرة وها نحن بعد نصف قرن من الثورة الفلسطينية نحضر وبتباهي عجيب إلى الانتخابات ونحن نتغطى بوجوه عشائرية متخلين عن دور الأحزاب والقوى وكوادرها لصالح أولئك الذين لم يكونوا يوما في صفوف الثورة بل هم من انتهز فرصة انشغال الجميع بالهم الوطني والسياسي والعام لينشغل هو ببناء ذاته وتطويرها والإفلات من أية انتكاسات عادة ما يسببها الكفاح الوطني ضد المحتلين وباتت صفات المرشح أن يكون منحدرا من عشيرة كبيرة وذات سطوة أو متمولا وقادرا على شراء الذمم وتلك الصفات لم تعد ممكنة لمن قضوا حياتهم في الكفاح خصوصا وان الغالبية المطلقة من هؤلاء هم من أبناء الطبقات الفقيرة.

بعض العشائر ولسنوات طويلة غيرت جلدها لتلبس ثوب الفصائل الوطنية حين كانت هذه الفصائل صاحبة القول الفصل في كل نواحي الحياة الفلسطينية وقد حدثني المرحوم فيصل الحسيني بالحرف انه ذهب ذات يوم إلى إحدى بلدات منطقة القدس لحل نزاع بين فصيلين وفي زيارته للفصيل الأول وأثناء السلام على مستقبليه بدؤوا بتعريف أنفسهم ليكتشف أنهم جميعا ينتمون لعشيرة واحدة وكذا حدث معه حين ذهب إلى الفصيل الآخر وكلا الطرفين أعاد خلافاته مع الطرف الأخر إلى الثلاثينات رغم أن الفصيلين لم يكونا قد وجدا أصلا في تلك الفترة أي أن العشائر نفسها أصبحت فصائل أو أن برامج هذه الفصائل لم تستطع أن تتجاوز العشائرية أو أن العشائرية ظلت أعمق من قدرة الفصائل على التأثير في جمهور منضويها.

نحن عشائريون حتى النخاع فعند محاولة إنهاء أي خلاف بين الدول العربية كالخلاف الذي نشب مع مصر بعد كامب ديفيد تطل علينا البيانات التي تتحدث عن عودة مصر إلى الحظيرة العربية والمعنى المباشر لكلمة حظيرة هي بيت الماشية ولا يخلو بيان لفصيل عن استشهاد أي مناضل فلسطيني بغض النظر عن انتماءه سواء كان إسلاميا أو وطنيا يمينيا أم يساريا إلا وكانت لغة الثأر هي الأساس وكأن صراعنا مع أعداءنا لا يمت للوطن ولا للأيديولوجيات بأي صلة وكل ما في الأمر أن هناك حالة ثار بيننا تشبه تلك الصراعات العشائرية أيام الجاهلية لا أكثر ولا اقل ويبدو خطابنا السياسي هذا وكأنه يحصر الصراع التاريخي باللحظة ويحمل معنى إن قيامنا بالثار سيسقط عنا الواجب العشائري وعدا ذلك لا أهمية له وقد شاع بين أوساط الأسرى الفلسطينيين ولا زال مقولة إنني قمت بواجبي فليفعل الجميع ما فعلت وكان مجرد الاعتقال يعني الانتهاء من الواجب الملقي على عاتقه ونحن نقارن بين العرض والأرض فيصبح القول الشائع الأرض ولا العرض سخيفا يطلقه البعض دون تفكير وهو يدل على شخصية عاجزة تحدد أولوياتها مسبقا لإدراكها أنها مستعدة للتنازل فهذا القول يعني أنك مستعد لأن تتنازل عن أرضك لحماية عرضك والسؤال فيما أذا لم يكتفي عدوك بسلبك أرضه وقرر أن يسلبك عرضك فهل ستتنازل عنه أيضا لصالح سلامة راسك ألا يدل ذلك على شخصية انهزامية تنحصر القيم عندها بالمصلحة المباشرة والمحسوسة, وكلما دار الحديث عن الشرف تبادر إلى الأذهان فقط حظيرة النساء وتغيب كليا عن الذهن شرف المهنة وشرف الوطن وشرف الاستقامة شرف الخلق وما إلى ذلك.

لغة العرض والثأر والحظيرة هي تعبير واضح عن مدى تغلغل العشائرية في تفكيرنا وقد سجلت مصادر الشرطة الفلسطينية 48 حالة قتل في العام 2015 و41 حالة في العام 2014 وهذه الأرقام التي تعود فقط للضفة الغربية سببها الخلافات الداخلية بين العائلات ولأسباب معظمها تعود لأسباب المال أو شرف العائلة وفي جميع الحالات يغيب القانون وتحضر العشيرة بأكثر من شكل فرجال الإصلاح مع أنهم يساهمون في تهدئة الأوضاع إلا أن مكانتهم تستغل لتعطيل القانون وتساهم بدون قصد بالتأكيد من إفلات المجرمين من العقاب القانوني الأكثر ردعا وهو ما يجعل القانون غائبا وغير مفعل ولا يضع عقابا رادعا للمنفلتين أو الخارجين عن القانون وحسب التقارير الشهرية للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان فقد جاءت النتائج على النحو التالي ” في شهر حزيران الماضي رصدت الهيئة 12 حالة وفاة منها، 9 في الضفة، و3 في غزة، بينما رصدت 6 حالات اعتداء على التجمعات السلمية, وفي شهر أيار رصدت الهيئة 20 حالة وفاة، 9 منها في الضفة، و11 حالة في غزة، و 4 حالات اعتداء على المؤسسات العامة والأملاك العامة والخاصة, أما شهر نيسان رصدت 8 حالات وفاة غير طبيعية، و6 حالات اعتداء على التجمعات السلمية, في شهر آذار فقد رصدت الهيئة 9 حالات وفاة غير طبيعية، و6 حالات اعتداء على الأملاك العامة والخاصة جميعها في الضفة, في شهر شباط تم رصد 16 حالة وفاة غير طبيعية في الضفة وغزة، و5 اعتداءات على التجمعات السلمية, وأخيرا وفي شهر كانون الثاني رصدت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان 17 حالة وفاة غير طبيعية، وحالتان اعتداء على الأملاك العامة والخاصة” وقد أورد الكاتب جميل السلحوت تحليلا شافيا لموضوعة الطوشة في العقلية الفلسطينية السائدة وتحدث عن خطورة الفزعة في الطوشات وتقاسم الأضرار المادية مع المجرم وتحول العقلاء بعد الجريمة إلى وسطاء ومدافعين عن المجرم فقط لكونه يحمل اسم العائلة مع إدراكهم التام انه لم يستشرهم في جريمته ولن يأت لهم سوى بالشر والضرر ويقول السلحوت في مقاله ثقافة الطوشة ” ويلاحظ أن ثقافة “الطوشة” التي هي بمثابة سلوك تدعمه الجماعة القبلية، فاجتماعات العائلة أو القبيلة، تعتبر ذوي الرؤوس الحامية الذين يهددون بالويل والثبور دون تقدير عواقب الأمور، “رجالا سباعا من ظهور سباع” في حين تتهم العقلاء بالجبن، وهذه واحدة من مصائبنا، وفي مجتمعات العربان نلاحظ تطورات ثقافة الطوشة لتتناسب وتطورات الحياة، فعلى سبيل المثال هناك طلبة ومن أعمار مختلفة يحملون سكاكين وخناجر في حقائبهم، ويستعملونها ضدّ زملائهم أو مدرسيهم في أيّ خلاف يحصل في المدرسة أو في الطريق إليها ومنها، وهناك في المرحلة الجامعية من يحمل أسلحة نارية كالمسدسات وغيرها، وقد سقط جراء استعمالها ضحايا في الحرم الجامعي، بل إن هناك من استعمل السلاح الناري في مجلس النواب-البرلمان- في إحدى الدول العربية، ومما يشجع استمرارية “الطوشات” كثقافة وكسلوك هو عدم وجود قوانين رادعة، وعدم استقلالية القضاء، والخضوع للأعراف العشائرية التي تنتهي بتقبيل الّلحى، والإشادة بكرم ذوي الضحايا، “لأن الجاهل يعمل الشر والعاقل يصلح بعده” ونظرا لسيادة عقلية القبيلة، فانه وفي حالة فرض خسارة مادية على المعتدي وذويه، فإنهم يتقاسمونها بتوزيعها على أبناء القبيلة الذكور، لنجد من يستغل ذلك بالتهديد بقتل الآخرين وهو يردد”سأقتلك ورأس مالك معروف فلن أخسر أكثر من بضعة قروش” أو في استغلال حالات التسامح بقوله”كل رأس مالك فنجان قهوة”. والإغراق في عقلية القبيلة ليس حكرا على أبناء العشائر والقبائل، بل يتعدّاها إلى فئات اجتماعية تدّعي أنها متحررة من العقلية العشائرية، فعلى سبيل المثال، في الانتخابات التي تجري سواء كانت لهيئات إدارية لمؤسسات، أو مجالس محلية أو للبرلمان، فان الترشيح والانتخاب يتم على أسس عائلية وعشائرية، وليس بناء على الكفاءة، وتتساوق القوى المنظمة كالأحزاب وغيرها مع هذه العقلية، لذا فإنهم عند ترشيح أحد أتباعهم لمؤسسة ما فإنهم غالبا ما يبنون خيارهم على عدد من سينتخبونه عشائريا….وهكذا ” خلال مراحل المد الثوري وتصاعد مكانة الثورة الفلسطينية تراجع دور العشيرة حد الصفر بينما عادت العشائرية الفلسطينية لتطل برأسها بعد اتفاقيات أوسلو وقيام السلطة وكذا حدث في العراق على سبيل المثال فقد غابت العشائر كليا عن المشهد لصالح الدولة لكنها استعادت كل مكانتها وبسرعة خارقة لمجرد غياب الدولة وبشكل فوري لافت للانتباه والغريب في كلا الحالتين انه ظهر جليا أن العشائرية لم تغب ولم تنتهي وإنما تنازلت عن دورها مؤقتا من باب الرضوخ لا القبول والسبب ببساطة ان السلطة السياسية في المجتمعات الشرقية تتحول نفسها إلى قبيلة حاكمة فهي تلغي ادوار الآخرين ولا تسعى لخلق مجتمع مدني ويحكم الرئيس في كثير من الأحيان كشيخ عشيرة لا يجوز مناقشته ولا زال ظاهرا للعيان طريقة الرئيس المصري أنور السادات في إدارة الحكم في مصر والذي حاول الدمج بين النظام العشائري وأخلاق القرية كما اسماها والنظام الديمقراطي الحديث بأسلوب ترقيعي ولد قانونا عجيبا مثلا كقانون العيب فالدولة هنا لم تكن دولة الشعب بل دولة عشيرة الحكم ولم يغب بعد عن الذاكرة مكانة أبناء وحاشية الرئيس الراحل صدام حسين وما أنتج من ظلم فادح وقع على جموع الشعب العراقي وحتى أن الرئيس العراقي استخدم العشيرة في الفترة الأخيرة للتخلص من زوج ابنته حين عارضه وفر إلى الخارج فهو إذن نفسه لم يكن قد غادر العقلية العشائرية والرئيس القذافي في آخر أيامه خاطب العشائر وسعى للاستعانة بها وكذا فعل العديد من الحكام العرب والمشرق بشكل عام والحقيقة المؤسفة جدا ان ما يجري حاليا في حقيقة الأمر هو غياب العشيرة وحضور العشائرية فالعشيرة تاريخيا حين كانت ضرورة قبل هذا الكم الهائل من التطورات كان لها دور ايجابي وبنية حقيقية وقيم نبيلة والتزام خلقي وهذا جميعه غاب في عصرنا فالغالبية العظمى من أبناء العشائر الكبيرة انتقلوا بحياتهم إلى المدينة أو هاجروا أو أكملوا تعليمهم الجامعي ولم يعد يعنيهم من القبيلة إلا دور الإسناد عند الضرورة في الانتخابات أو في الصراعات واستعراض القوة وبمعنى أن أولئك القادرين على إدارة دفة الأمور بحكمة ومكانة الشيخ الحكيم قد خلت كليا اليوم واستفرد بدور القيادة البلطجية والذين لا يعرفون سوى لغة القوة في فرض إرادتهم وبقي المتنورين خارج الصورة وان كانوا ابقوا على دورهم الانتهازي البشع في علاقتهم مع العشيرة لاستخدامها عند الضرورة فظلوا حماة للمارقين والبلطجية بشكل أو بآخر وإلا ما معنى انه في الانتخابات مثلا أن لا تتفق العشيرة على مرشح واحد بل نجد أكثر من مرشح في أكثر من قائمة لكنهم جميعا يتوحدون عند مواجهة عشيرة أخرى بالصراع أو الاحتراب أو الاختلاف وهذا يدل على أن مكانة العشيرة غابت وتم الاحتفاظ بأسوأ ما بها لحين اللزوم, مرشح العشيرة يلازم عشيرته طوال فترة الانتخابات وبعد نجاحه يغادرها ولا يلتقي عشيرته هالا عن ضرورة استعراض القوة أو حاجة ( زلم ) النائب أو الوزير لحمايته القانونية فيهب لنجدتهم والدفاع عنهم ضاربا بكل القيم والقوانين والمبادئ والمواطنة والمجتمع المدني الذي قد يكون هو شخصيا احد أساتذته الذين يعلمونه في الجامعة أو يدافع عنه كوزير في مؤتمر صحفي أو ندوة وعند الضرورة يحضر العقلية العشائرية وتغيب نخوة العشيرة الايجابية ويضرب بكل شيء عرض الحائط فنائب العشيرة الذي يفوز باسمه وبعشيرته ملزم بدفع الثمن للعشيرة وأزلامها لا للوطن والمجتمع ولذا فان غياب نظام المواطنة العصري لمجتمع مدني حديث هو الذي  يبقي مساحة للعقلية العشائرية لتعبث بالوطن وناسه دون تردد.

العشيرة ليست حكرا على الشرق فقد كانت العشائرية أيضا مسيطرة في أوروبا وأمريكا فعشيرة كينيدي الشهيرة لا زالت قصصها ماثلة للعيان وروكفلر وبوش وبرلسكوني فالعائلة والأسرة والعشيرة موجودة بمعنى النسب الاجتماعي والأخلاقي والتربية لكنها بالمطلق غير موجودة في مجتمع المواطنة المدني الذي يحتكم إلى القانون ولو أن العشائرية قائمة في أمريكا لما وصل اوباما إلى الحكم وهو ابن رجل إفريقي مسلم تركه مع أمه وعاد إلى وطنه, نجاح رجل مسلم من أصل باكستاني كعمدة لمدينة لندن لم يأت بسبب زعران العشيرة بل بسبب بنية المجتمع التي تسعى للإتيان بالرجل المناسب للمكان المناسب وهو أي الفائز غير مدان لعائلة أو جماعة بنجاحه بل لكل المجتمع ولذا نجده يبذل كل جهد مستطاع لصالح الجميع لان مصلحته مع الجميع وهذا ما يثبت دعائم الحكم المدني والحياة المدنية بأي مجتمع

العقلية العشائرية لا تؤمن أبدا بالانتماء الواعي بل بالانتماء للسطوة ولذا تسود في المجتمع العشائري حكم وأمثال تدل على ذلك كنموذج ” إن غاب القط العب يا فار ” ” الطبخة إن كثروا طباخينها بتشيط ” وهذا تمجيد للدور الفردي أو دور زعيم العشيرة ” اكبر منك بيوم افهم منك بسنة ” وتمجيد الأنانية الفردية ” اهتزي يا ارض ما عليكي غيري ” أو بالتراتبية بالمنفعة والعلاقة العشائرية الغير قائمة على أسس صحيحة ” أنا واخوي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب ” فابن العم هنا لا مكان له إذا كان المقصود أخي أي أن التراتبية تبدأ من ذاتي والمجتمع والجماعة لا قيمة لهما من بعدي وتسود في العقلية العشائرية نظرية الثار والانتقام ” البدوي بعد أربعين سنة أخد بتارة وقال استعجلت ” ” العين بالعين والسن بالسن ” ” ما بغسل الدم الا الدم ” ومع ان الجميع يقر نظريا ان الثار عادة جاهلية وان الإسلام نهى عنها إلا أن ذلك يتم تجاهله علنا بل ويصبح الإيمان بتعاليم الله عيبا فالله سبحانه يقول ” ولا تزر وازرة وزر أخرى ” في حين لا زلنا نطبق النظام العشائري في الثار والذي يضع كل العشيرة وأبنائها في دائرة الانتقام وأحيانا يتم اختيار أفضل أبناء العشيرة كبديل حتى لو لم تربطه علاقة مباشرة بالأمر وحتى لو كان ضد الثار وضد الجريمة فهو ملزم بتحمل التبعات رغما عن انفه, والعقلية العشائرية ترفض التعلم والتعليم ” بعد ما شاب ودوه على الكتاب ” والحط من مكانة المرأة ” ترباية حرمة ” وتقال للتقليل من قدرة المرأة على التربية ولا تذكر للناجح على انه أيضا متن تربية امرأة بل تذكر المرأة عند الحط من شأنها والتقليل من قيمة المرأة ظاهرة فيقال عند ذكر النساء ” الحرمة أجلكم الله ” ” الحرمة ضلع قاصر ” ” البنت يا جيزتها يا جنازتها ” هم البنات للممات ” ” شاورها وخالفها ” ” دلل ابنك بغنيك ودلل بنتك بتخزيك ” ” موت البنات من المكرمات ” ” ان ماتت أختك انستر عرضك ” والعشيرة متحركة حسب المصلحة ” جارك القريب ولا أخوك البعيد ” ” ابعد عن الشر وغني له ” أي احمي نفسك هو الأهم حتى لو أججت الشر عند الآخرين بالغناء له فأنت الأهم والمهم ” إلي بعاشر القوم أربعين يوم بصير منهم ” وتسود المصلحة المادية الفجة والمباشرة بكل شيء ” جوع كلبك بلحقك ” ” إلي بحتاج الكلب بقوله يا عمي ” إلي بحتاج الكلب ببوس ايده ” وهي أيضا عقلية غير طموحة ” حط راسك بين هالروس وقول يا قطاع الروس ” ” إلي بوخد أمي هو عمي ” إلي بتطلع لفوق بتنكسر رقبته ” والاعتماد على الصدفة والحظ ” إلي ما اله بخت لا يتعب ولا يشقى ” والتقييم المادي البحت للبشر ” إلي معه قرش بيسوى قرش ” المساواة بين العشيرة والقطيع ” الابو سايس ” بمعنى ان الأب كقائد الخيول وتقليل لقيمة العقل والفكر ” إلي ما بقلل عقله ما بفرح ” ” نيال إلي رأسه فاضي ” ” سلطان من لا يعرف السلطان ” عند اختلاف الدول امسك راسك بين ايديك ”

” إن القبيلة هي المانع الأكبر في قيام دولة القانون ” هذا ما يقوله فرانسيس فوكو ياما ولان العقلية القبلية سائدة لدى الجميع فنحن لسنا أمام قبيلة واحدة تعارض دولة القانون بل أمام مجموع القبائل الذي ظلت تشكل لحمة المجتمع متوحدة رغم صراعاتها على اتفاق واحد وهو أن لا مجال للدولة التي ستلغي وجودي وبالتالي غير مسموح لها أن تلغي أعدائي من القبائل الأخرى فالدفاع عن حق القبيلة هنا ليس دفاعا منفصلا عن مفهوم القبيلة بل بالعكس هو انخراط قوي موحد من قبل كل الأعداء على معاداة الدولة والقانون وبالتالي منع وجودها أو سيطرتها وان تمكنت من فعل ذلك فالقبيلة لا تغادر ولا تختفي وإنما تتلون بلون الدولة دون ان تتنازل عن العقلية والذهنية العشائرية المتحكمة والمسيطرة, وأحيانا تصبح الدولة ممكنة حين تصبح السلطة ملك القبيلة الأكبر أو الأقوى فتسعى لفرض سيطرتها على القبائل الأخرى بالحديد والنار ومثال العراق كما أسلفنا هو الأبرز فبعد مائة عام من ميلاد الدولة الحديثة عادت دولة القبائل للظهور بكل قوتها وخلال يوم واحد من احتلال العراق من قبل أمريكا وحلفائها.

العشيرة والعشائرية:

فرق شاسع بين مدلولات العشيرة والعشائرية فالعشيرة مجموعة اجتماعية تشكلت وفق أصول تاريخية سواء في المجتمع الأمومي أو المجتمع الأبوي وهي تطور طبعي للأسرة كنواة جنينية للمجتمع الأكبر والى جانب ذلك فهي أيضا مقدمة أو خطوة على طريق الدولة كمجتمع اكبر وفق أسس مختلفة أو توافقات مختلفة فكما رضيت الأسرة الصغيرة بالتنازل عن دورها لصالح العشيرة لما في ذلك من مصلحة حقيقية لها في التطور والثبات والقدرة على الصمود والاستقواء بالجسم الأكبر لصالح خطوة إلى الأمام فقد استطاعت العشيرة الغربية من التنازل عن دورها مدنيا لصالح الدولة عبر توحيد العشائر كمؤسسة للعشيرة الأكبر وهي الدولة كما فعلت الأسر بتوحيد نفسها كمؤسسة للأسرة الأكبر وهي العشيرة وبالتالي فان هناك فرق شاسع بين العشيرة كمكون للجماعة أو لبنة من لبنات المجتمع من المكون من عديد الأسر النووية أو البسيطة المترابطة بالدم والذي وجد أهمية ترابطه في مقومات الحياة والحاجة للإنتاج واستخدام أدواته وخلق آلياته لمواصلة الحياة والتي وجدت في العشيرة أيضا وسيلة للانتقال إلى الشكل الأحدث والأكبر للإنتاج من خلال تطور أدواته وأساليبه ومخرجاته وبالتالي فان الانتقال من العشيرة إلى ما هو أرقى لا يمكن له أن يتم بعيدا عن الانتقال الاقتصادي نحو شكل لا تصبح فيه العشيرة هي المظلة الأفضل بل المجتمع الاقتصادي أو الكيان الاقتصادي والعلاقات الإنتاجية الجديدة فما دامت العلاقات الإنتاجية قائمة على الأسس الأسرية والعشائرية في اقتصاد عائلي صغير ومغلق ستبقى العشيرة هي الأساس ومن يرى الفرق في العلاقات بين المدن الكبيرة المختلطة والقرى او البلدات أو حتى المدن الريفية الصغيرة يدرك لماذا تتأصل العلاقات العشائرية في المجتمع الريفي وتغيب في الاقتصاد الصناعي والتجاري وحتى الخدماتي فالريفي وأسرته يزرعون ويحصدون ويسوقون إنتاجهم بأيديهم وعلاقتهم بالمستهلك علاقة موسمية بوجود المنتج ولا تربطهم به علاقات دائمة يمكن أن تؤسس لمصالح مختلفة تنتقل من البيع والشراء إلى علاقات لا بد أن تحكمها أسس وقوانين وهو ما يدعو إلى وجود نظام أرقى من العشيرة أو الأسرة وهو الدولة القانونية بشكلها العام والتي تكرس المدنية عبر تقاليد تفرضها السنوات والظروف والانصهار الجماعي في العملية الإنتاجية بكل مراحلها فالتاجر والصانع لا علاقة موسمية له مع مستهلكيه ومنتجه واضح ومحدد وله اسم وصفة وهو حريص على اللحاق به إلى أي مكان بعكس الريفي أو المزارع الذي ينتج سلعة بلا اسم ولا صفة سوى الاسم العام والصفة العامة بما يضمن انفكاكه من سلعته لحظة وصولها إلى السوق وبذا يصح ما قاله ماركس ” إن تطور المجتمعات البشرية يحصل خارج وعي الإنسان وان قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج وصراعهما هي القوى المحركة للتاريخ والتحولات الاجتماعية ” فالرغبة وحدها لن تنقلنا إلى الدولة المدنية ولن ترسخ مفهوم المواطنة ما لم تقم علاقات إنتاج تستدعي ذلك فالدول الفقيرة أو الطفيلية والتي تعتاش على تقديم الخدمة للآخر تظل اقرب إلى الأسرة الجنينية وهي لا تحتاج للدولة المدنية كعائق أمام قدرة الأسرة الحاكمة على التسلط على ثروات البلد والتصرف بها ويصبح دور الكمبرادوري أو وكيل الغير في البلد بحاجة لتغييب الدولة المدنية لصالح النظام العشائري ليستقوي بعشيرته ضد صحوة الشعب من الفقراء والمضطهدين أو المتنورين القادرين على إثارة الثورة ضد سلوك العشيرة المسيطرة أيا كانت.   

الدولة الخادمة في الشرق هي دولة اقتصاد قائم على الوظيفة والتي تصبح فيها الدولة هي البقرة الحلوب للفرد بدون الأرض أو الآلة وبالتالي يغيب دور الفرد بغياب مكانته وتحتل الدولة مكان مجمل العملية الإنتاجية وكما أشرت في مقالات سابقة أن الدولة في الشرق هي مصدر الثروة وفي الغرب الثروة هي مصدر الدولة فهناك فرق كبير لان الدولة في الشرق ونحن منهم تلعب دور المغيب للفعل الإنتاجي لصالح الدور الاستهلاكي للفرد وتشجع ذلك وحين غيب نظام القذافي مثلا الدور الإنتاجي لشباب ليبيا جعل منهم مجموعة من الأفراد بلا مكانة ولا دور وترك العشائرية مرتعا يعيش في الفراغ والفوضى حتى وصل الأمر به لان يكون ضحية فعلته تلك بنفس الأدوات التي سعى لتحييدها عبر توظيفها بلا معنى عملي فجاء المردود سلبا مع السنوات وعادت العشيرة التي أبقى عليها كحافظ لحالة الفراغ والفعل الهامشي لمجتمع لديه المال بدون عمل ليصبح ذلك رصاصة بيد العشيرة التي لا بد لها من أن تأخذ مكان الدولة الراغبة بذلك حماية لمصالح عشيرتها إن جاز التعبير.

وهذا أيضا ما عاشته بلادنا بعد تأسيس السلطة فمن عمال وفعلة ومناضلين وانشغال وطني تحول جميعه ارتجاليا وبقرار ودون أن يتغير الواقع فعليا بين ليلة وضحاها إلى موظفين برواتب ورتب رمزية في معظم أحوالها مما يسمى بالبطالة المقنعة والتي تفتح شهية الفكر المتخلف على الظهور من جديد فتغيب القيم الجماعية المدنية ومعاني المواطنة لصالح الفردية الباحثة عن مكان تصب فيه حاجتها للجماعة فتجد في العشيرة بيئة خصبة لذلك وحتى ينجح فلا بد له من تغييب القانون والقيم المدنية وقيم المواطنة لصالح العشائرية وذهنيتها ليتمكن من إقامة حصنه الذي يحمي به مكانته ووظيفته التي يدرك قبل غيره أنها بلا هدف وبلا سبب وبلا مبرر كجزء من منظومة لذا يندفع بحاسة الخوف للاحتماء بما قد يجده وسيلة لمواجهة من قد يسائله فالموظف الذي حصل على وظيفته بواسطة النسب بحاجة هو للدفاع حتى الموت عن هذه الواسطة وفكرها وهذا ما جعل دور السلطة والأحزاب والفصائل يتراجع لصالح ذهنية العشيرة قبل العشيرة فنحن نجد ذلك بتجليات عجيبة فليس النسب وحده أساس الواسطة بقدر المكانة في هذا النسب والدور المرجو من الشخص مما يفكك كليا كل الروابط سوى رابطة الخوف والهيبة القائمة على القوة والارضاخ.

العشائرية السياسية:

في المناسبات الانتخابية والمفصلية في الأحداث السياسية الفلسطينية كتشكيل الحكومة مثلا أو الانتخابات التشريعية تطفوا على السطح حكاية عجيبة غريبة فتسعى الفصائل جميعها وبلا استثناء من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار للبحث عن مرشحين يملكون القدرة على الفوز وعادة ما تلجأ هذه الفصائل إلى خارج أطرها إما بين العشائر أو حتى بين الأفراد الذين تعتقد أن لهم حظا بين الجمهور وهي كثيرا ما تبتعد عن قوائم عضويتها وحين يدور الحديث عن تشكيل حكومات جديدة تظهر حكاية حكومة الكفاءات الوطنية وتصبح العضوية الفصائلية أيضا خارج السباق وهذا السلوك يعتبر اعترافا مباشرا من قبل هذه الفصائل والقوى بان من في عضويتها ليسوا الكفاءات القادرة ولا الأفراد الجماهيريين الذين من المفترض بهم أن يكونوا قادة جماهيريين مناضلين ومضحين ويعترف الجمهور بأفضليتهم بسبب من نضالهم أو كفاءتهم أو إخلاصهم وإذا كان ذلك غير موجود في الفصائل فما مبرر وجودها إذن بهذا الإصرار سوى أنها نفسها تحولت إلى عشيرة لمن لا عشيرة له أو أنها عشيرة للاستقواء على الواقع عبر استخدام اسم الفصيل غطاء لاسم العشيرة فنجد العطاءات والمنح والمناصب لا تذهب للعشيرة السياسية بل بغطائها للعشيرة الأبوية لهذا القائد أو ذاك فكل قائد ومتنفذ تجد من يحملون اسم عائلته هم بطانته الأقرب وهم قادة مؤسسته ألا يعني ذلك أن المؤسسة الفصائلية الفلسطينية ساهمت في تعميق الذهنية العشائرية بين الناس وكرست مفاهيمها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية.

العشائرية متفشية أصلا في الفصائل الفلسطينية قبل قيام السلطة الفلسطينية فغياب الديمقراطية وتداول السلطة في الفصائل نفسها وبقاء قادة هذه الفصائل على رأسها حتى القبر وفي ما عدا المرحوم الدكتور جورج حبش وحزب فدا فان أيا من قادة الفصائل الفلسطينية المنضوية تحت لواء منظمة التحرير الفلسطينية لم تجر أي تعديل أو تغيير في قياداتها ولم يتم حتى التفكير بتداول السلطة في المراكز القيادية لهذه الفصائل رغم غياب العمل السري لصالح العلني بعد اتفاقيات أوسلو مما حول هذه الفصائل إلى شركات مساهمة خاصة وعشائر بكل ما تحمل الكلمة من معنى وأصبح النظام الأبوي المفترض انه عشائري نمط حياة الفصائل السياسية بما فيها اليساري والعلماني وبذا فان الذهنية العشائرية تتأصل أكثر فأكثر ما دام أصحاب المصلحة في هذه الذهنية هم طلائعي وقادة هذا الشعب المفترضين.

السلطة الدينية:

لقد جاءت كل الأديان في الأصل بدعوة الخير وبذورها وحتى ما قبل الأديان السماوية ولا يوجد في جميع الأديان والمعتقدات على الإطلاق من عبد الشر أو صلى له بل إن جميع الأديان والمعتقدات سعت دوما في الأصل إلى محاربة الشر وقد سؤل كونفوشيوس عن الحب فأجاب ” حبك للبشر هو الحب فسُئل : كيف ؟ قال كونفوشيوس : الاعتزاز بالجهد أكثر من الاعتزاز بالثمرة يمكن أن يُسمى الحب. إنه مجرد استمتاع بعمل شئ دون نظر إلى ثمرة هذا العمل التي يمكن الحصول عليها في النهاية .. هذا هو الحب .. وعمل الخير دون نظر إلى مكافئة في هذه الحياة أو في حياة أخرى مستقبلية .. ولكن لمجرد الاستمتاع بعمل الخير.. هذا هو الحب .. فالحب ثمرة نفسه، والحب يجعل الأشياء تبدو جميلة.. والحب يخلق السلام ..وفكر كونفوشيوس برهة ثم قال: “إن القلب الذي يعمر بالحب لا يُخطئ” ومع ذلك فان جماعة ” أوم شنريكيو ”  أو جماعة الحقيقة المطلقة قامت ببث غاز السارين السام في مترو طوكيو مما أدى إلى مقتل 12 شخص وإصابة 6000 آخرين في العام 1995م  ومن أقوال كريشنا المقدسة عند الهندوس ” الكراهية والشهوة لهما جذور في طبيعة الإنسان السفلية يجب أن لا يقع المرء تحت تأثيرهما لأنهما عدوان لدودان لسعادته ” ويقول كذلك ” القيام بالأعمال الخيرة هو حكمة, وما يبلغه الحكيم يحققه أيضا فاعل الخير ”  ويقول كريشنا أيضا ” وإذ يغمرهم الحب الكوني تتساوى نظرتهم لكل الناس والمخلوقات دون استثناء ” ويصل كريشنا قمة السمو الإنساني بقوله ” إن من بلغ مرتفعات الروح وامتلك السلام الباطني ينظر نظرة واحدة إلى القريب والغريب, إلى العدو والصديق, إذ ينعم بسلام الروح تصبح نظرته متساوية لمحبيه ومبغضيه, للمنصفين بحقه والمجحفين ”  ومع ذلك ومع إيمانهم بالمفترض بما جاء في أقوال كريشنا فهم يمارسون أبشع أنواع الإرهاب والتطرف ضد غيرهم كما يحدث مع المسلمين في الهند ومن أقوال بوذا ” لا تبالغ في ذكر محاسن ما لديك ولا تحسد الآخرين على ما لديهم … فالحسودين يفقدون راحة البال ”  ” الكراهية لا تنتهي بالكراهية , بل بالمحبة وهذه قاعدة سرمدية ” ” من يحب خمسين إنسانا يكون له خمسين عهدا , ومن لا يحب احد فلا عهد له ” وأيضا فان الخوف والرعب يطارد المسلمين من أتباع صاحب هذا الكلام والذي من المفترض أيضا أنهم يؤمنون به.

 وحتى أصنام العرب قبل الإسلام فلم يكن بينها من كان تعبيرا عن الشر والأذى فالله عند العرب قبل الإسلام كان هو الإله الحق الواحد الأحد، فهو الخالق والرازق ومنزل المطر وكانت العرب تتقرب إليه بطلب الوساطة من الآلهة الأدنى وكان اللات هو اله الخصوبة, وقد وصف العماليق آلهتهم من الأصنام لعمرو ابن لحي حين زار الشام وسألهم عنها قائلين ” هؤلاء يعينوننا إذا ظلمنا ويطعموننا إذا جعنا ويسقوننا الماء وينصروننا ويقربونا إلى الله زلفى , فتعجب عمرو ابن لحي من هذا وساغ له الأمر فقال: أعطونا واحدا منهم فنحن نحتاج من يعيننا. فنحن نحتاج إلى الماء في مكة فأعطوه صنما يقال له هبل وكان أول صنم يدخل الجزيرة العربية ” ولعل حكاية اساف ونائلة في التاريخ العربي وما آلت إليه مكانتهما عند العرب لدليل على سعي الناس لتقديس الحب والخير بكل حالاتهما وفي كل العصور, وقد ذكرت كلمة حب 76 مرة في القرآن الكريم ” إن الله لا يحب المعتدين ” البقرة (190) ” إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ” البقرة (222) ” والله لا يحب الظالمين ” آل عمران (140) ” إن الله يحب المحسنين ” المائدة (13) ” إن الله يحب المقسطين ” المائدة (42)  “ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخورلقمان (18) يا أيها الذين امنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم    “الحجرات (12) كما أن الأحاديث النبوية التي تتحدث عن الخير والحب لا تحصى ولعل أشهرها ” لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ” ” والذي نفسي بيده, لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا, ولا تؤمنوا حتى تحابوا ”  ” أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم منه مجلسا إمام عادل وابغض الناس إلى الله وأبعدهم مجلسا إمام جائر ” وينبغي أن ننتبه إلى أن الحديث الشريف تحدث عن الناس لا عن المسلمين فقط ولا عن المؤمنين بمعنى إن العادل من الناس كل الناس هو الأقرب إلى الله سبحانه, ومع ذلك فان الحركات التكفيرية لا تولي أدنى اهتمام لكل معاني الحب والخير للناس والأصيلة في الدين الإسلامي, وفي الديانتين المسيحية واليهودية أيضا فقد ورد في رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهالي كورنثوس ” المحبة لا تسقط أبدا ” وفي رسالة يوحنا الرسول الأولى ” الله محبة “وفي رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية ” كونوا كارهين للشر, ملتصقين بالخير ” وهي نص حرفي من العهد القديم ومن الكتاب المقدس – العهدين القديم والجديد –  نقتبس ” البغضة تهيج خصومات والمحبة تستر كل الذنوب ” ” المحبة لا تصنع شرا للقريب, المحبة هي تكميل الناموس ” ” ماذا تريدون أبعصا آتي إليكم أم بالمحبة وروح الوداعة ” ” مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة والسيول لا تغمرها ” ومع ذلك نرى ما فعل الصليبيون بغيرهم بل وما فعلت الكنيسة بأهلها وما افعل اليهود بالشعب الفلسطيني ولا زالوا يفعلون  ومع أن الديانات جميعا لها نفس الهدف والغاية في الأصل إلا أن الإمعان في الاحتكار طال ما هو ابعد من ذلك فتأصل الصراع بين الديانات السماوية الثلاث برفض الديانة السابقة للاحقة مع اعتراف اللاحقة بما سبق  بل والإيمان به إلى أن وصلنا إلى ما هو اخطر من صراع أتباع الديانات نفسها إلى صراع أتباع المذاهب وتم تقزيم الدين ليصل إلى مستوى المذهب الذي بات هو الدين الحقيقي وبات الصراع بين المذاهب هو الأخطر وفي جميع الديانات, وبذا باتت الطائفة بديلا للدين ثم انتقل ذلك من تقديس الدين إلى تقديس الطائفة إلى تقديس رجال الدين ونحن نرى اليوم أن رجال الدين هم الأشخاص الذين لا تجوز مجادلتهم علما بأنهم بشر مثلنا ويكفي لك أن ترتدي اللباس الكهنوتي المتشابه عند رجال جميع الأديان وتطلق ذقنك ثم تتمتم ببعض الكلمات المقدسة بهذا الدين أو ذاك لتصبح لا تنطق عن الهوى لدى العامة وعادة ما يقف رجل الدين خطيبا في الناس ثم لا يجوز لأحد مقاطعته أو مجادلته أو الاعتراض على ما يقول وكأنه بات نبيا لا ينطق عن الهوى وهو ما قادنا إلى ويلات لا حصر لها.

لم تمت العشيرة بولادة الدين ولم يتمكن الإسلام حتى عصرنا من وأد المفهوم العشائري في العربي بل والشرقي عموما وظلت العقلية العشائرية مسيطرة وحتى حين يظهر التناقض بين موقف العشيرة وموقف الدين كانت العشيرة هي التي تنتصر وحتى لقب الشيخ الذي نستخدمه اليوم للتعريف برجال الدين هو في الأصل لقب عشائري وهو يطغى على تعبير الإمام الذي لا يستخدم إلا للتعبير عن قيادة الصلاة فقط.

وحتى لا نغرق في نقاشات عامة سأورد نموذجين ينكرهما الدين بالمطلق وهم الثأر وقتل النساء بحجة الشرف فالثار في الإسلام بمعنى الانتقام وتحميل تبعية القتل لكل العشيرة أو الأسرة أو العائلة هو أمر مرفوض دينيا ” ولا تزروا وازرة وزر أخرى ” ومع ذلك فلا احد يناقش أو يعلن أو يتحدث عن رفض الانتقام وتجريمه وعلى العكس من ذلك فالمجتمع العشائري ينبذ ويسخف مكانة من لا يأخذ بثأره ويمجد ويعظم مكانة اخذ الثار وكلما كان اخذ الثار أقسى وأصعب كلما كان تمجيد منفذه أرقى وأعظم, كما أن قتل النساء بحجة الشرف او غسل العار هو أمر لا علاقة له بالدين الذي يقرر بمنع وتحريم ” قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ” والحق هنا الذي قد يجيز القتل وهو لم يفعل حدد أسس لذلك وحدد نظم ومظاهر وشواهد وشهود للزنا كما انه قرر حدود وقواعد وعقوبات تطال الزاني والزانية معا وبنفس الدرجة, قال تعالى ” الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ”  ومع ذلك لا احد يلتفت للأمر الإلهي الواضح والشائع هو قتل المرأة حتى بدون توفر شروط الزنا التي حددها القرآن بقوله تعالى ” واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم “. بل أن القران الكريم قرر معاقبة من يدعي على أحد بقوله تعالى ” والذين يرمون المحصنات ثم لا يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ”  والحقيقة ان واقع الحال مخالف كليا للأمر الإلهي الواضح فالزاني لا يقتل هذا إذا كنا قبلنا بالقتل على الشبهة وبدون الشروط التي وردت نصا في القرآن الكريم فلماذا إذن نجيز للعشيرة الخروج عن الدين علنا ونقبل بشهادة ووجود قاذفي المحصنات ولا يجلدون علنا ولماذا إذا كنا نصر على تنفيذ العقاب على أساس الشبهة لا ننفذ ذلك بالزاني الرجل والأسئلة كثيرة لكن جوابها واضح أن القبيلة والعشيرة لم تخرج من حياتنا منذ الجاهلية ونحن انتقائيين في قبولنا بأحكام الدين وشرائعه والأخطر أن المجتمع العشائري الذي يشجع فكرة غسل العار بالقتل للنساء لا يغفر أبدا حتى بعد هذا الغسل بل يبقى حافظا ورافضا للحدث وأهله فلا الفتاة أو المرأة تسلم ولا أهلها حتى بعد قتلها فالعار هذا لا يغسل أبدا ومع ذلك تجري ممارسته علنا فتخسر العائلة الصغيرة كل شيء حتى بعد أن تنفذ حكم العشيرة بقتل المرأة فتصبح الأسرة بكاملها منبوذة ومرفوضة ولا يتم الاقتراب منها أو مصاهرتها أو مشاركتها أو التضامن معها في مصابها وهنا أيضا يظهر مدى الاستفحال في قبول رأي العشيرة دون تمحيص أو تفكير مع كل التناقض الكامن فيه فإذا كنتم تطلبون القتل كعقاب فلم إذن لا تقبلون به كحل ولماذا يستمر التجريم لكل من اقترب من صاحب الفعل بصلة النسب رغم رفضهم للفعل بل وتنفيذ عقاب العشيرة بصاحبه ولماذا يواصل الزاني حياته كأن شيئا لم يكن ولا يخضع لأي عقوبة مع أن القرآن الكريم يساوي بينهما في العقوبة والإجابة قطعا أن العشيرة وأحكامها وقانونها هنا لا تقبل علنا بالأحكام الدينية حتى الواضح منها بلا لبس حين يساوي بين الزاني والزانية مثلا.

حالة تناقض عجيبة ومستفحلة تعيشها الذهنية العشائرية في الوطن العربي بأكمله فالشعر الجاهلي الذي تنتمي إليه هذه الذهنية مثلا يمجد الحب ويتغنى به وماثلا في أذهاننا بكل الاحترام والتبجيل قيس وليلى وعنترة وعبلة وحتى كل أشعار المجون ومع ذلك فحين يتحول هذا الحب الممجد بالشعر والأغنية إلى حقيقة ملموسة وحية يتحول إلى جريمة تستحق العقاب والمعروف مسبقا وهو الموت بدون تردد أو رحمة وحتى بدون التأكد من صحة الحدث حتى لو سلمنا بأنه جريمة تستحق العقاب والجرم هنا موحد فالكلمة والاتصال اللفظي هو نفسه التلامس والفعل الجنسي الكامل فلا فرق بينها فهي جريمة واحدة وعقابها واحد في حين تصمت هذه الذهنية عن جريمة القتل من اجل المال او لخلاف سخيف وتصمت عن جريمة أكل مال اليتيم والسرقة والنهب والفساد بل وتعتبره أحيانا عملا فهوليا تمجده وتسرد حوله الحكايات الجاذبة والممجدة دون إدانة او تجريم حتى لو ظهرت هذه الإدانة فهي تتحدث عن شخص ذكي وفهلوي وناجح في انجاز جريمته والفوز بها والقاتل والفاسد واللص غير منبوذ في مجتمع مجد ما بين فخذي المرأة أكثر من الوطن ” الأرض ولا العرض ” فهو إذن بكل اختصار مجتمع حيواني شهواني لا يمت للحضارة بصلة لا من قريب ولا من بعيد فهو يختصر كل الشرف بفتحة بول المرأة.

المجتمع العشائري يتعامل مع الدين بشكل انتقائي وبكل صلافة فيقبل ما يناسبه ويرفض ما لا يناسبه كقضية الثأر وقتل النساء كما أسلفت وفي السياسة بشكل أسوأ وأكثر إيغالا في الابتعاد عن أحكام الدين وفلسفته فحين يدور الحديث عن الظلم والجبروت بذكر فرعون مثلا الظالم لموسى والذي يحاول تشويه صورته تمهيدا لقتله بقوله تعالى واصفا موقف فرعون ” إني أخاف أن يبدل دينكم وأن يظهر في الأرض الفساد ” ورفض القرآن الكريم أسلوب فرعون في التسلط والإلغاء الفكري للآخر أيا كان عداه حين يقول تعالى ” قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ” وهنا يسعى فرعون للإلوهية ويصف القران الكريم ذلك بقوله تعالى ” اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ” فالإسلام ناكر مطلق للتسلط والهيمنة والديكتاتورية كيف لا والله يخاطب رسوله نفسه قبل غيره قائلا ” فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر ” ومع ذلك يتجاهل كل موظفي السلطان اليوم كل ذلك ولا يعتبرون ذلك قاصدا سلاطينهم وهم يذهبون للبحث عن اسم فرعون المقصود في القرآن وينفون عنه وعن أحكامه الإطلاق ولا يقدسون النص بل يجعلون له تفسيرات من بناة أفكارهم مدافعين عن تسلط وجبروت سلاطينهم الذين يدفعون لهم الأجر او شيوخ عشائرهم القادرين على قبولهم او نبذهم إن خالفوا إرادة العشيرة وشيخها.

الدين إذن مغيب وقد استقدم العرب معهم عقليتهم العشائرية ولم يتنازلوا عنها إلا باللغة لا أكثر بينما ظل سلوكهم وأفعالهم القائم على العقلية العشائرية ناظما لكل حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والدينية والسياسية بكل التلاوين والأنماط والأشكال وعبر التاريخ نقل العرب عشيرتهم إلى الدين للسيطرة عليه ومنذ انتهاء الخلافة الراشدية أو بالأحرى منذ انتهاء خلافة عمر بن الخطاب دبت الخلافات القبلية والعشائرية في النظام الإسلامي برمته حتى تمكن بنو أمية من امتلاك السلطة كقبيلة باتت خلافة المسلمين حقا وراثيا لهم دون أن يعترض احد, ولا زلنا ليومنا هذا نمجد ذلك رغم تعارضه المطلق مع الدين ورغم ما ورد من أفعال معادية للدين حتى من خلفاء بنو أمية أنفسهم وبعد أن انتقلت الخلافة إلى بنو عباس انتقل الولاء إليهم بلا خجل ومنذ أن انهارت الدولة العباسية انهار الولاء للدين وأصبح الولاء القبلي علني وتم توحيد الدين بالقبيلة وللأسف لصالح القبيلة.

أصبح حكم القبيلة هو العنوان العام والمصلحة الفردية هي الأساس والسيطرة على الحكم هدفها وصار الديني خادم للسياسي او للعشائري فقد قتل من خلفاء الأمويين كل من الوليد الثاني بن يزيد الثاني وإبراهيم بن الوليد الأول ومروان الثاني بن محمد الذي لقب ب ” مروان الحمار ” وفي عهد الخلافة العباسية قتل المأمون أخيه الأمين وقتل المتوكل بالله على يد ابنه وفي الخلافة العباسية الثانية 847-1248م قتل تسعة خلفاء من أصل 29 خليفة وخلع 5خلفاء ثم جاءت خلافة الادارسة في المغرب والطولونيون في مصر وسوريا والحمدانيون في الجزيرة وسوريا والفاطميون في شمال إفريقيا والإخشيديون والمزيديون والعقيليون والمرادسيون والمرابطون وهم قبيلة ” صنهاجية ” لان اسمهم يظهر كان لا علاقة لهم بالقبائلية والموحدون والأيوبيون والمرينيون والوطاسيون والحفصيون والمماليك البحيرية ذات النظام الوراثي في الحكم والبرجية التي وضعت نظاما غير وراثي لاختيار السلطان, إلى أن وصلنا إلى خلافة آل عثمان ومع ذلك ظلت فكرة الخلافة هي الناظم لكل العشائر المسيطرة أو الحلم الذي يتمنونه كون هذا الحكم سيستند إلى المبرر الديني – حسب التفسير العشائري للدين –  الذي لا تجوز مقاومته وهي موجودة وان بشكل خفي في أذهان البعض حتى اليوم بما في ذلك حركات دينية لا زالت حتى يومنا تدافع حتى عن عودة الخلافة العثمانية ولو باسمها التركي وكل ما تقدم كان الهدف منه تأكيد أن الدين خضع للقبيلة التي استخدمت الحق الإلهي أو الديني مبررا لسلطتها وهي لم تأخذ من الدين إلا لقب الخلافة الذي لم يرد له ذكر في نص قرآني إلا مرتين لا علاقة لهما بالتوريث أو بالآليات التي اعتمدت بعد الخلفاء الراشدين مطلقا.

حتى عام 2013 كان عدد المدارس في فلسطين 2753 مدرسة وروضة أطفال وحضانة مابين عام وخاص ووكالة بينما كان هناك 2815 مسجد تابعة لوزارة الأوقاف وفي كلا الحالتين أي في المدرسة والمسجد لا توجد رؤيا موحدة لما نرغب بان نكون عليه فالإمام الذي يعطيه الدين الحق بالتكلم دون مقاطعة يقول ما يريد وكيفما يريد وأحيانا دون مراجعة أو مناقشة أو مساءلة اللهم إلا إذا حاد عن رغبة صاحب السلطان السياسية وفيما عدا ذلك فالأمر مقبول وبالتالي يخضع المتلقي لإرادة وعقلية الملقن أي الشيخ وقد تمتد خطبة الجمعة لساعة مثلا عليك خلالها أن تنصت وان لا تناقش ولذلك تأثير كبير على العامة ولا يجوز النقاش ولا المقاطعة ولا الاستفسار حتى إلا بعد الانتهاء إن كان ذلك ممكنا ومقبولا من الإمام نفسه فيكفي أن يسخف إمام مسجد ما من رأي أو سؤال البعض حتى يصبح مرفوضا وعادة ما يقبل الناس رأي الإمام ولو كان ضعيفا وفي موضوع لا علم له به بينما ترفض العامة رأي العالم بشيء ما دام ليس رجل دين فلرجال الدين إذن سطوة عجيبة لرأيهم قوة ما بعدها قوة ولا يستطيع احد قهرها خصوصا وان العشيرة عادة ما تقبل بها إذا أدركنا أن في العادة يكون إمام المسجد هو شيخ البلد أو الحارة أو العائلة التي يسكن أبنائها حول المسجد بالتالي فهو إمام عشيرته أو جهته وهنا يتوحد رجل الدين مع رجل العشيرة إما كواحد بمعنى الكلمة أو كوحدة موقف ومصلحة فيحمي الواحد منهم الآخر وإلا ما معنى أن يقوم إمام المسجد في معظم البلدان الإسلامية بالدعاء للزعيم السياسي من على منبر الجمعة دون مبرر ويعطي له صكوك غفران عن الإيمان والاستقامة دون مبرر إلا مبرر المصلحة والوظيفة منذ أصبحت الإمامة وظيفة رغم أن الجميع يعرف أن لا وظيفة للإمامة في الإسلام.

باختصار شديد فان قيم مثل الشرف والعدل والحق في الإسلام مغيبة بالمطلق لصالح ما تراه العشيرة وبدون أدنى إحساس بالتناقض او الخروج عن الدين فقد تقف بلد بأسرها ضد رجل شرب الخمر مرة او امرأة شوهدت في مكان ما صدفة مع رجل ولا ينبس احد ببنت شفة عن من يقذف المحصنات الغافلات او عن الكاذب او عن الحاكم الظالم او عن الزاني فأي انتهاك  إجرامي للدين لصالح العشيرة علنا وبلا وجل او خجل او خوف من مخالفة تعاليم السماء فتعاليم العشيرة إذن هي الأكثر قدرة على القبول والثبات والناس إذن يخافون حقا من عقاب العشيرة العاجل لا من عقاب الله سبحانه الآجل, وحين يصبح من مصلحتهم استخدام القران للدفاع عن انتهاكاتهم له يستخدمون ما يون منه مجزوءا كان يستخدموا الآية الكريمة ” ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ” للدفاع عن فكرة الثأر وسلوكه علما بان الآية بعيدة كل البعد عن فكرة الثار الفردي أو الشخصي وحين يطالبونك بإطاعة الحاكم يستقدمون وبلا خجل النص القرآني ” يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ” والبعض يستخدمها للدعوة لطاعة الحاكم والبعض يستخدمها للدعوة لطاعة العالم الديني وقطعا لنصل بالنتيجة إلى طاعة الحاكم الذي يستخدم العالم الديني كموظف لديه “

 

السلطة السياسية:

لا يتفق الباحثين أبدا على تحديد أول دولة في التاريخ فبعيدا عن أول نظام حكم او وجود حاكم والذي يعود أصله للفراعنة هناك خلاف بين دول مثل الصين واليابان وسان مارينو على لقب أول دولة في التاريخ فكل منهم يدعي انه الأولى بهذا اللقب وبعيدا عن الدراسات العلمية والبحث في المعنى العصري للدولة فان نظام الأسرة والقبيلة والعشيرة هي أول أنظمة التاريخ ومنها انبثقت الأنظمة السياسية والاجتماعية الأخرى بما فيها الأشكال المختلفة للدولة وصولا إلى الدولة الحديثة ولا زالت دول عصرية كبريطانيا والسويد والدنمارك وغيرها تحافظ على دور الأسرة الحاكمة التاريخي ويتحمل دافعي الضرائب هذا العبء دون مبرر أخلاقي أو حتى عقلاني مقبول وتكلف الأسرة الحاكمة في بريطانيا صندوق الدولة أكثر من 50 مليون يورو سنويا بينما تقول المجلة الفرنسية ” وجهة نظر ” أن القصر الملكي في المغرب يكلف خزينة الدولة أكثر من ربع مليار دولار سنويا وحسب رويترز بناء على تقارير ويكليكس فان العائلة المالكة في السعودية تكلف ميزانية الدولة رسميا فقط 2 مليار دولار سنويا وان الأمراء تخصص لهم رواتب من ميزانية الدولة منذ ولادتهم لكونهم فقط من نسل هذه العشيرة وبالتالي فان انضباط العشيرة في الغرب واختبائها خلف جدران قصورها العالية أراح المواطن الغربي من فسادهم وإفسادهم اضعف الإيمان وهذا لا يوجد على الإطلاق في الشرق ودوله فأنت لا يمكنك أن تعرف حجم الدمار الذي تلحقه هذه العشائر الكبيرة العدد كما هو الحال في السعودية بالدولة واقتصادها خارج الميزانية الرسمية مما دفع ببعض الجمهوريات إلى التحول إلى ملكيات رسميا وحتى بعض الدول التي تتغنى بالثورية ككوريا الشمالية صار الحكم بها للأسرة أبشع من الحكم الوراثي الملكي وأكثر إيغالا في الوحشية وبالتالي فان العشيرة لا زالت مختبئة بين ثنايا البدلات الحديثة وربطات عنق الحكام العصريين وهم لا يتورعون حتى اليوم عن اللجوء إلى العشائر وتقويتها كلما ألمت بهم مصيبة أو أزمة أو احتاجوا للدعم والإسناد الشعبي فلا يتوجهون مثلا للنقابات ولا للاتحادات التي يحاربونها بل يعودون إلى العشائر التي ينتمون لها فعلا وفكرا لإدراكهم الأكيد بوجود المصلحة المشتركة بينهم وبين العشيرة في واقع الحال.

نحن إذن أسرى العشيرة أكان ذلك في الدين أو السياسة واسري هنا بالمعنى الذهني لا العملي فحتى لو انزوت العشيرة رسميا بعيدا عن المسجد وقصر الحكم إلا أن ذهنيتها تظل حاضرة في كل سلوك ويظل قانونها الغائب شكلا حاضر ليطل برأسه كلما تعارض معه رأي أو سلوك حتى لو كان ذلك دينيا أو سياسيا فلا يستطيع الحاكم المستند إلى أسرته وعشيرته أن يهدم حائطه بيديه وهذا يندرج على من هم تحت إمرة الحاكم ففي الشرق يلجأ الحاكم أيا كان موقعه إلى أسرته ليجلب إليه منها موظفيه الأقرب والأكثر إخلاصا له لا للبلد ويطلق أيديهم طبعا ليفعلوا ما يفعلوا بسطوة اسمه وسلطته وقربهم منه دون أن يتمكن احد من لجمهم أو وقفهم عند حدهم ويغيب الدين والقانون أو يطوعون بالقوة لإرضاء العشيرة وذهنيتها وفي سبيل ذلك يصبح الحرام دينيا حلالا إن أرادت الذهنية العشائرية ذلك والحلال حرام ويصبح الخروج عن القانون بطولة والرضوخ له أو القبول به جبن وضعف.

في الشرق تتدخل العشيرة قبل القانون بل ويقبل القانون بقرار العشيرة ولعل ظاهرة جاهات الإصلاح هي الأخطر في بلادنا فبدل التقاضي أمام القانون تطلق الدولة العنان لرجال العشائر والوجهاء للقيام بدور الحامي للمجرم والذين يكرسون كل وقتهم لحمايته من العقاب القانوني تحت حجج واهية تتحدث عن السلم الأهلي والاجتماعي وحماية المجتمع وصون الدم وما إلى ذلك والحقيقة أنهم ينتصرون للظالم ضد المظلوم الذي لا يجد مفرا من القبول إما لضعف أو حاجة أو عدم القدرة على مقاومة الضغوط وغني عن القول طبعا أن الظالم أو من يملك القدرة على الظلم هو ابن العشيرة الأكبر أو الأغنى وهو بالتالي يدرك مصدر قوته قبل قيامه بجريمته والمعتدى عليه بالضرورة هو الأضعف أصلا حتى تم الاعتداء عليه أو على أي من حقوقه وبذلك يسهل إجباره على السكوت وقبول الحل العشائري الذي يجعل المجرم يفلت من العقاب فما الذي يحدث هنا.

مجرم لا يدفع ثمن جريمته بل على العكس تساهم كل العشيرة بالدفاع عنه ومعها المجتمع العشائري بأسره ممن ينكرون على الضحية تعنتها أو رفضها للتنازل وبالتالي فنحن نشجع هذا المجرم ومن هم على شاكلته على مواصلة جرائمهم وبشكل أبشع حين يسود شعار ” إلي بتعرف ديته اقتله ” وبالمقابل فان المظلوم قد وقع عليه الظلم ثلاث مرات, الأولى من المجرم نفسه حين قام بجريمته, والثانية من المجتمع حين اجبره على التنازل, والثالثة من القانون ومؤسساته الذي تنازل عن دوره لصالح العشيرة, فنحن إذن أمام صورة سريالية عجيبة لمكونات مجتمع تقبل به وتتعايش معه وتستخدمه ولكنها لا تؤمن به فالمجرم يقبل بقانون ضعيف بل ويصر عليه حتى يبقي يديه طليقتان ليفعل ما يشاء والمظلوم يقبل ضعفا ولكن لا يؤمن أبدا بما يقبل به لأنه لم ينصفه وأدوات مجرمة على كل الجهات فأين هي إذن المادة الخام التي سنبني بها مجتمعا مدنيا بقيم المواطنة المدنية وإنسانية الإنسان بعيدا عن اسمه أو صفته أو جنسه أو لونه أو دينه أو طائفته أو عشيرته, فالوزراء يصبحون معا عشيرة يدافعون عن الظالم قبل المظلوم منهم حماية لأدوارهم ومصالحهم ضد الجمهور, وأصحاب المهنة عشيرة ضد من يطلبون مهنتهم فيتوحدون على السعر العالي وعلى شروط وحقوق مهنتهم ولا يلتفتون إلى شروط وحقوق المستهلك أو مشتري الخدمة, والنساء عشيرة في مواجهة ظلم الرجال, والرجال عشيرة في الحفاظ على مكانتهم المسيطرة, والطائفة عشيرة في مواجهة الطوائف الأخرى, وكذا الأديان إذا تعددت في بلد ما, وطبعا تظل العشيرة نفسها هي الأساس فالطبيب الذي ينتمي لعشيرة الأطباء لا يمكنه أن يتنكر لعشيرة عائلته, وحتى رجل القانون الذي ينتمي لعشيرة النظام أو الدولة لا يمكنه أن يهرب من سطوة عشيرته, فهو سيكون ضعيفا أو متواطئا حين يكون ملزما مثلا بتنفيذ القانون ضد احد أفراد تلك العشيرة التي ينتمي إليها.

ذهنية العشيرة في الشرق لا زالت مسيطرة وأحيانا بغباء مطلق فحين انتخب البريطانيون عمدة لندن من أصول باكستانية مسلمة ضج المسلمون كعشيرة واحدة وغنى الفلسطينيون له بكل جنون وكان الرجل انتخب لكل منهم في بلده علما بأنه واحد ممن هربوا من كارثية العشيرة في الشرق وهو قطعا سيعمل على خدمة ناخبه اللندني ولن تعنيه باكستان او غيرها بشيء إلا بحجم فائدتها لبلده التي ينتمي إليها ” لندن ” وحين اختير ” ميشال تامر ” نائبا لرئيسة البرازيل ثم رئيسا ضجت قرية أصوله في لبنان بكل الأفراح دون أن يكونوا يدركون مثلا أن الحياة السياسية والرئاسية والنيابية في بلادهم أنفسهم معطلة وحين حصل العالم احمد زويل على جائزة نوبل أقيمت الأفراح لدى عشائر العرب رغم أن علمه وجائزته لم يكونا للعرب ولا على ارض العرب, عضو البرلمان الاسباني من أصول مصرية ” نجوى جويلي ” كتب عنها والدها على مواقع التواصل الاجتماعي ” أنها ابنة ثورة 25 يناير ” هكذا وببساطة أعاد ابنة مدريد إلى الثورة المصرية رغم أن لا علاقة لها لا بمصر ولا بثورتها بل إن والدها ظل أسيرا لعشيرته مصر حين أصبح بلا عشيرة هناك بينما تمكنت ابنته من كسر لجام العشيرة لتنتمي لبلد هي اسبانيا التي قبلتها أيضا ببساطة حضورها الوطني بعيدا عن اسمها وشجرة العشيرة فلا عشائر هناك سوى العشيرة الاسبانية, ” خديجة عريب ” التي انتخبت رئيسة لمجلس الشيوخ الهولندي وتفخر بها العشائر العربية وخصوصا المغربية قالت عن نفسها أنها ”  تشعر أنها هولندية الانتماء وأن السبب الوحيد وراء احتفاظها بالجنسية المغربية هو أن المملكة لا تسمح لرعاياها بالتخلي عن هويتهم ” أفلا يكفي رأيها لنعرف الحقيقة, عمر كريم شحاده نائب رئيس جمهورية البيرو لا احد كان سيعرف اسمه لو كان في رام الله.

يقول هشام شرابي في ( العهد الأبوي ) ص 47 ” تكمن الدينامية البارزة للبينة القبلية في العصبية, وهذا منحى سلبي إذ تقوم بادئ ذي بدء بالفصل بين الأنا والآخرين, ثم وعلى مستوى أعلى, تقسم العالم إلى نصفين متعارضين, القرابة واللا قرابة, العشيرة والعشيرة المعادية لها, والإسلام واللا إسلام, وهكذا منطلقين من المبدأ الأخطر والشائع بين الناس ” أنا وأخوي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب ” لاحظوا أن القول لم يشمل الآخر في الخطوة الثانية ولم يقترب من الأنا في الأصل لان الحقيقة المرة أنني على أخي أولا إذا تعارضت مصالحنا فالعشيرة في القرابة هنا قائمة أصلا على العلاقة مع الأنا التي هي الأصل, فالأصل في القرابة مع الأنا, لا في قرابة المجموع مع المجموع, فأنا مع العشيرة لأنها توفر للأنا مظلة عند الحاجة وإذا تعارضت القبيلة مع الأنا لسبب ما فالأنا هي الأساس وكل العلاقات منطلقة من نقطة الصفر ولا مكان إذن للجماعية ما دام الفرد هو المقرر حسب المصلحة او تعارض المصلحة بقانون التناقض والتطابق في المصالح من منظور فردي مهما علت تلك المصالح او سخفت تناقضاتها. وبالتالي فلا حياة مع المواطنة بظل الأنانية المتأصلة والمفرطة في الإغراق بالذاتية المقيتة والفردية.

على هذه القاعدة نجد اللجوء للهجرة منتشر في أوساط الشباب وغير الشباب في العالم العربي فهو حين لا يصبح قادرا على احتمال سطوة العشيرة كمكون للأفراد أصلا يلجأ للهروب كليا وتراه هناك يقبل بكينونة جديدة ما أن يغادرها حتى يعود ليقبل بحضن العشيرة كملاذ لا بديل عنه فحين تحضر الدولة في الغرب يقبل العشائري بالتنازل عن عشيرته الغائبة وحين تغيب الدولة في الشرق يعود لعشيرته حتى لو غاب عنها نصف قرن إلا في حالات نادرة, ولا تأخذ العشيرة قراراتها ولا تصنع قيمها بالتشارك بل بإرادة النخب المسيطرة القادرة على فرض نظام حديدي لا يتيح للفرد أن يمارس ذاته بل أن يخفيها بأقنعة كاذبة تطل برأسها أحيانا هنا وهناك بأدبيات وشعارات مغلفة بغطاء عشائري كمفهوم ” أنا واخوي على ابن عمي …. ” فهذا غطاء للفردية يكذب باسم الجماعة ليرضيها بان يتنازل عن الأنا وحدها لصالح الدرجة الأقرب وحتى مع تطور العصر وظهور عالم الانترنت والعالم الافتراضي كما يسميه البعض نجد ظاهرة الجماعات والتحكم بالرأي فيها فأكثر من مجموعة على صفحات التواصل الاجتماعي لا تقبل الآخر وعليك أن تلتزم بقواعد يضعها أصحاب الصفحة او أن تنشيء صفحتك لجماعتك بما يبشر بتعصب اخطر من كل أنواع التعصب الحي والمباشر على الأرض ليغزو التعصب كذهنية متأصلة حتى للفكر عن بعد فلا تعد تقبل الفكرة من غيرك إن خالفت جماعتك مهما كانت بعيدة عنك علما أن من الممكن لمثل هذه المواقع أن تسهل تلاقح الأفكار والقدرة على التمرن على قبول الآخر بدءا من الآخر البعيد وانتهاء بالآخر القريب على قواعد المتفق عليه في الحياة قبل المختلف عليه وبذا يصبح قبول الاختلاف على قاعدة أهمية المختلف من اجله وهو الموضوع لا الذات, فحين تدرك أهمية الموضوع المشترك والذي من اجله جاء الاختلاف وان كلا الطرفين او الأطراف يسعون للخير لنفس الموضوع كل من طرفه وحسب رؤيته تغيب الذات الأنا كفرد أو الأنا كفئة, كجماعة, كطائفة, كلون, كجنس, أيا كانت هذه الأنا لصالح الذات الموضوع والتي لا يمكن لها أن تصلح إلا بتكاتف كل الأطراف المكونة للمجموع المعني بالموضوع نفسه.

الاختلاف في الذهنية العشائرية لا يقف عند حده بل يتجاوز إلى النهاية مطالبا بإلغاء الآخر او تكفيره او تخوينه وما حدث مثلا بين مصر والجزائر في مباراة رياضية جر البلدين بل ومعهم الشعوب العربية إلى مناكفات واتهامات طالت كل شيء رغم أن الأمر لم يكن أكثر من خلاف على كرة قدم لا أكثر ولا اقل من المفترض أن يكون الموقف هو من نوع اللعب لا من اللاعبين أنفسهم والجميع يعرف أن حجم الاهتمام والنجاح في كرة القدم في الغرب اكبر بما لا يقاس من حجمها عند الشرقيين والعرب تحديدا ومع ذلك ترى الاقتتال حتى على الفرق الغربية نفسها والجميع يعرف حجم الصراعات والمناكفات التي تدور في فلسطين بين مؤيدي برشلونة ومدريد دون أن يدري كلا الفريقين بما يعني ذلك أبدا ولو قدر لهم أن يروا جلسة مناكفات فلسطينية عنهم لاعتزلوا اللعب من أساسه او لقرروا أن يحرمونا من مشاهدتهم.

في إحدى جلسات مجلس الشعب السوري في بداية الأزمة وحين ظهر الرئيس السوري ليلقي خطابه أمام المجلس ارتفعت الهتافات من أعضاء البرلمان – والذين من المفترض بهم أنهم هم من يساءلون الرئيس – ليهتفوا بصوت واحد كالطلبة ” بالروح بالدم نفديك يا بشار ” فما كان من الرئيس نفسه إلا أن صحح لهم هتافهم قائلا ” بالروح بالدم نفديكي يا سوريا ” فأمنوا وراحوا يرددون من بعده ألا يعني هذا تسخيف للوطن لم يقبله حتى الشخص نفسه واعتبره مخجلا له وللهاتفين معا ليجد نفسه مضطرا لتصويبهم.

على اثر ما سمي بالربيع العربي وبعد احتلال العراق وجد الشاب العربي نفسه أمام حقائق كادت أن تغيب عن باله بدءا من الطائفية والعرقية في العراق والجهورية والقبائلية في ليبيا والانقسام العشائري والطائفي التاريخي في اليمن وحتى الجهوية والطائفية في مصر مما اثبت أن كل هذه الانقسامات كانت حية وان حاولت الاختباء ولا زالت سوريا تعاني كل مآسي الذهنية العشائرية على أكثر من صعيد رغم أنها ولقرن تقريبا ظلت تعتبر دولة علمانية دون أن تتمكن من أن تصنع مجتمعا مدنيا يصعب كسره وتفتيت وحدته لو انه كان حقيقيا, ولا زال العمق العشائري للرئيس اليمني المخلوع علي عبدالله صالح يشكل قاعدة قوية له لا يمكن تجاهلها وقد وجد مصالحه مع الحوثيين الذين كانوا ألد أعداءه في الماضي القريب لنرى أن التحالفات تبنى على مصالح الأنا العشائرية قبل الأنا الوطنية او القومية او الدينية وان الدولة والدين والطائفة جميعها تغيب قسرا إذا تعارضت مع أنا العشيرة والمتنفذين فيها.

إبان الاعتقال في معتقلات الاحتلال الصهيوني وكنت في العشرينات من عمري وخلال نقاش سياسي لي مع احد الزملاء وكان في نهاية الخمسينات من عمره ومر ذكر احد القادة محاول وميلي انتقاد تصريح له فجن جنوني إذ كيف يجرؤ هذا الرجل على نقد زعيم بهذا الحجم ومن هو حتى ينقد أقوال الزعيم وقلت له بالحرف على ما اذكر ” لو قال هذا الزعيم أن الشمس تشرق من الغرب فهو على حق ونحن فقط لم ندرك بعد كيف يكون ذلك ” بكل بساطة وبشدة أطلقت تصريحي الذي لا زلت وسأبقى اخجل منه ما حييت وليس لذلك إلا معنى واحد أن هذا الزعيم كان برأيي زعيم عشيرتي والانتقاص من مكانته انتقاص من مكانة العشيرة والسؤال اليوم وشبابنا يعيشون نفس الحالة هو أين دور هذه القيادة المدركة لخطورة مثل هذه الذهنية على مستقبل الوطن والشعب والقضية لدرجة وصل الأمر بنا إلى أن يصبح التناقض مع الفصائل أهم من التناقض مع الاحتلال وصار انقسام الوطن عملا ثوريا ووجود الاحتلال ليس ذي أهمية مقابل انتصار الفصيل وقيادته ومشروعه العشائري.

لا يمكن للدولة المدنية أن تعيش ولا لسلطتها ونظامها أن يكونا لا في الأحزاب ولا في الدول إن لم تغيب الأنا العشائرية وتغيب عبادة الصنم الشخص ومن خلفه الحزب تماما كما هي العشيرة فمن يعيش في نظام يكرس تأليه القائد وعبادته ويجعل من الوطن أو الحزب دكانا له سيجعل من كل الوطن كذلك فأنت أمام القائد عبده وأمام مرؤوسيك اله كما إلهك فمن إذن ذاك الذي سيصوغ واقعا مدنيا بقيم تحمي هذا الواقع وتؤسس لدولة المواطنة وقيمها المدنية والديمقراطية الحامية لمصالح الجميع كأفراد وجماعات حين يصير الوطن لهم وهم أصحابه لا لصاحب فرد وجماعته وهم عبيد له ولهم.

ذات مرة استمعت لحوار ساخن بين عضوين من فصيلين متناحرين فقال احدهم للثاني أن جماعتك فاسدين ففاجأتني الإجابة وحجم الصراخ بها عن حجم فساد الجماعة الأخرى بالأسماء والأرقام والغريب أن كلاهما لم يخجل من قول الآخر بفساد جماعته ولم يحاول نفي التهمة بل وظف كل ما كان لديه من قوة ومعرفة ومعلومات لإثبات أن الآخرين فاسدين وكان الفساد أمر طبيعي والمهم من هو الفاسد أكثر, فأي كارثية هذه في قبول الأسوأ والدفاع عنه ما دام اسم العشيرة هو العنوان دون خجل, وكيف يمكن بناء مجتمع مدني ودولة للمواطنة بمثل هذه الذهنية المسلوبة الإرادة كليا لصالح عشيرتها التي تكاد تصبح وطنا بدل الوطن الحقيقي.

السلطة الثقافية ( السلطة الرابعة )

نحن بحاجة إذن إلى إشاعة القيم المدنية في مجتمعنا قبل كل شيء حتى نتمكن من النهوض بذواتنا والانطلاق إلى الأمام مشاركين في صياغة الفعل الحضاري الإنساني كشركاء في الفعل والإنتاج الحضاري لا كمتلقين بلهاء لا حول لنا ولا قوة وفي سبيل ذلك لا بد من وضع أسس لذهنية جديدة تقوم على أساس إشاعة العقل النقدي لكل ما هو حولنا وفي المقدمة الذهنية العشائرية وليست العشيرة كنواة بناء مجتمعي بالضرورة والعقل الديني وليس الدين بالضرورة وهناك فرق شاسع بين العشيرة والعشائرية والدين والتدين وإذا لم نطلق لعقولنا القدرة على نقد ما يقدم لنا من مؤسسات سياسية أو عشائرية أو دينية تعطي لنفسها الحق الإلهي المطلق أو الوطني أو الجمعي بمنع اعتراضها او مناقشتها فهي ستبقى قادرة على فرض ذاتها وذهنيتها وأدواتها على حياتنا بلا توقف مما يجعلنا نكرر ماضويتنا بنا سلوكا ونتائج على الأرض ويعزلنا في قمقم الماضي بعيدا عن حضارة البشر وتجلياتها

إن حالة التناقض اليومي التي نعيشها بين ما ندرك وما نرى وما نقرا وبين ما هو متأصل في عقولنا من قيم وعادات وتقاليد لا فكاك منها فنحن أمام عصر تكنولوجي متطور جدا ومنفتح على بعضه فقد أزاحت ثورة التكنولوجيا كليا السدود والحدود بين الدول والحضارات والأفكار فلم تعد أمريكا ابعد من مخدة النوم بوجود الانترنت وبالتالي فان الشاب الشرقي والعربي والفلسطيني جزء من ذلك بالتالي وهو يعيش الحياة بكل تلاوينها بعيدا عن أعين الرقابة المتواصلة للمؤسسة الأبوية في البيت والشارع والمدرسة والحي والقرية في حين يجد نفسه مضطرا لمجاراتهم وبالتالي يصبح رغما عن نفسه شخصين متناقضين بداخله في آن معا فهو عمليا يعرف حقيقة حضارة الآخرين ويتفاعل معها ولكنه في العلن يشتمها ويزدريها وبالتالي فنحن إذن أمام شخص غير مقتنع بسلوكه العلني وهو من داخله نفسه ناقم على كل ما اجبره على فعل ذلك وقد لا يتورع إن واتته الفرصة على إيذاء هذا المجتمع او احد أفراده لسبب او لآخر وهو ناقم على من اجبروه على ممارسة الكذب العلني وعلى عدم قدرته على التصالح العلني مع نفسه فتراه إذن يرفض الآخر الموجود ويصبح أكثر عنفا واستعدادا وميلا لأعمال العنف بناء على ذلك فهو يتلقى تعليمه وفكره وثقافته وقيمه اليومية بشكل متواصل وبتأثير حاد من الأفلام والانترنت وما سواها وهي لا تتوقف عن التأثر بما يتلقاه بينما هو ملزم بدون تفسير ولا إقناع ولا وسائل إيضاح لإعلان إيمانه بمعتقدات محيطه حتى دون السعي لإقناعه بها سوى بقوة الجماعة وقدرتها على القبول به او لفظه ورفضه مما يجعله مضطرا للرضوخ ليتمكن من مواصلة حياته بهدوء معهم مع إدراكه بعدم القبول بهذا ومعرفته اليقينية بأنه كاذب من الطراز الأول فأي فرد هذا الذي يمكنه أن يبني مجتمعا وفي قرارة نفسه يعيش شخصية مزورة كاذبة لا علاقة لها بالصورة المرئية علنا أمام ناسه ومجتمعه وهذه الشخصية تتكرر في كل واحد خصوصا من الشباب الأسهل وصولا لوسائل الاتصال والتواصل الحديثة مع العالم وناسه.

يوميا يتلقى شبابنا سيلا هائلا من أفلام الفيديو والعاب الانترنت والصور والأفكار التي تمجد وتسوق للفكر الغربي وحضارته ونمط حياته وهي بالتالي مؤثرة ومقنعة للشاب الذي لا يجد بديلا عنها ليملأ فراغه مما يخلق ويكرس الشرخ القائم بداخله بين شخص مؤمن بما يرى ويسمع ويقرا عبر الانترنت والفيديو والتلفاز طوال اليوم وحتى في الشارع المليء بالمواد الدعائية والأنماط الغربية للسلوك والحياة وبين عدم قدرته الفردية على التصريح بذلك وقبوله العلني بنمط وذهنية وحياة حظيرته العشائرية مما يجعل منه شخصين متناقضين الأول غربي حتى النخاع وهو يكاد يقترب حتى من فكر عدوه فتراه يسمع الأغاني الغربية وحتى العبرية ويتحدث قدر ما استطاع وبدون مبرر أحيانا اللغات الغربية بما في ذلك العبرية عند الفلسطينيين بدون أدنى خجل ويصل الأمر بالبعض إلى البحث عن السبل التي تمكنه من الحصول على جنسية عدوه ويقلده في كل شيء بما في ذلك تفضيل منتج العدو على المنتج الوطني وقد بات ذلك يقترب من العلنية دون وجل او خجل لسبب بسيط أن العشيرة لا تؤمن بالثورة أصلا لما للثورة من تأثير على وجودها فهي تقبل بابنها هذا وترفض الثوري الذي يرفض واقعه السياسي خشية الانتقال المنطقي والتلقائي إلى رفض واقعه الاجتماعي والاقتصادي والثورة عليه تمهيدا لتحقيق نصره الوطني والسياسي الذي يريد.

نحن بحاجة إلى عقل جمعي يصل حد القناعة بان الفردية المطلقة القائمة على الأنانية لا يمكن لها أن تعيش إلا عبر الأنا الجمعية فلم يعد بإمكان الفلاح مثلا أن يزرع ويحصد ويخبز ويأكل في آن معا فهو بات ملزم على أن يسلم جزءا من عمله ومن احتياجاته لأيدي الآخرين على قاعدة أن الكل الفردي حين يتوحد يصبح مشتلا ضروريا لإنبات الأنا الكلية دون تناقض, فحين نؤسس معا كذوات حالة جمعية تلغي الذوات الفردية المنفلتة نكون قد وضعنا اللبنة في مكانها الصحيح في صرح المواطنة والمجتمع المدني القابل بها, ذلك أن قبول الذوات المنفردة الانضواء الإرادي الحر بالجماعة عبر رؤى مصاغة بشكل مشترك ستسهل إعادة إنتاج الأنا الجديدة ولكن على قاعدة الكلية كأساس ومرجعية بحيث تصبح الأنا الكلية ممثل للذوات الجمعية على هيئة ذات جمعية بصورة أفرادها القادرين والمؤمنين بأن لأناهم الفردية ادوار مهمة وضرورية ينبغي لها أن تخدم الحالة الجمعية المعبرة عن صفاتهم الفردية المتلاقية والقابلة للتمايزات لما فيها من مصلحة عليا لمجموع الذوات المتلاقية جمعا في الفعل العام والمتمايز كأنا فردية في الفعل اليومي والخاص بحيث يتطابق العام مع الخاص عمليا وذهنيا وتغيب حالة الانفصام كليا ولا يصبح الفرد سن صغير وتافه في آلة لا يملكها اسمها ذات العشيرة الوهمي, وهي في الحقيقة ذات نخبتها وأفكارهم ومصالحهم فلا مواطنة ولا مجتمع مدني إذن دون ذات جمعية تخلق جمعا موحدا حيا وفاعلا تتطابق فيه المصالح بين مجموع الذوات المتوحدة بإرادتها بالذات الجمعية والانا المنطلقة كجزء فاعل من كل غير مفروض وغير غريب لا عن فكر الأنا الفردية ولا عن مصالحها ولا عن سلوكها عند ذلك نكون قد أسسنا لمجتمع مدني صانع لفكره وسلوكه وحضارته باني لدولة المواطنة الحقة الرافض لاستلاب ذوات الأفراد او الجماعات أيا كانت اختلافاتها ما دمنا قد اتفقنا بإرادتنا على قواعدنا المشتركة على قدم المساواة أفرادا وجماعات.

إن ذلك يتطلب خلق نظام حكم رشيد قائم على العدالة نقيضا للظلم والمشاركة نقيضا للتحكم وإلغاء الآخر وتداول السلطة بإرادة الذات الجمعية بمكوناتها الفردية نقيضا لاحتكار السلطة والانتفاع العام العادل بالثروة نقيضا لسرقتها والشفافية والنزاهة نقيضا للفساد والجمع الإبداعي بين مبداي التنمية بالإنسان والتنمية من اجل الإنسان كمطلق نقيضا للتنمية بالإنسان لصالح محتكري الثروة وسارقي جهد المجموع, ومن هنا فان العدالة والمشاركة وتداول السلطة والانتفاع العادل بالثروة والتنمية بالإنسان للإنسان هي الأسس الكفيلة بإقامة مجتمع  عادل أيا كان بما في ذلك المجتمع العشائري نفسه او الطائفي او الاثني او المختلط إذا كان الأمر كذلك دون أن يفقد الأفراد او الجماعات صفاتهم وميزاتهم الخاصة بمعنى أن لا يذوب الجزء بالمجموع بل أن يزدهر ويعيش كمكون للتلوين العام الجمعي وناهض به وله.

ذكر تقرير صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بمناسبة اليوم العالمي للشباب ان24% من الشباب الفلسطيني في الأعمار ما بين 15- 29 سنة لديهم الرغبة بالهجرة الدائمة من فلسطين وان هذه النسبة تصل في قطاع غزة إلى 37% و15% في الضفة الغربية بينما لا يفكر 63% منهم بالهجرة الدائمة 73% في الضفة الغربية و56% في قطاع غزة بمعنى أن الذين لا يفكرون في الهجرة مطلقا هم 13% موزعين على 7% في قطاع غزة فقط و 9% في الضفة الغربية وهي نتائج كارثية فمن يعيش من الشباب بحالة سعي دائم للهجرة يصبح الوطن بلا معنى له ويفقد قدرته على الانتماء إليه ويتحول ذلك إلى ضعف قدرته على الفعل في سبيل المكان وناسه ويعيش حالة اغتراب دائمة عن الناس والمكان فهو مهاجر حتى وهو موجود فالهجرة في الفكر هي اخطر أنواع الهجرة لأنها تصيب صاحبها بالشلل التام عن المشاركة الايجابية بواقعه وتحوله إلى عالة على المكان وناسه بل وقد يتحول عجزه عن تحقيق الهجرة عمليا إلى ناقم ومعادي للمكان وناسه وقضاياه.

تجدر الإشارة إلى أن جيل الشباب من 15 – 29 يشكلون 30% من السكان وهذا رقم كبير إذا اعتبرنا أن الأمر بدأ بهذه الحالة منذ سنوات كثيرة قد تعني أن 30% أخرى انتقلوا إلى الجيل التالي من 30 – 44 سنة وبذا يصبح بعد ثلاثين سنة مثلا كل المجتمع إما مهاجر او ينتظر الهجرة او يائس وناقم على انه لم يتمكن من تحقيقها فأي مجتمع إذن سنكون أمامه في هذه الحالة.

يجب أن نعترف بأن احد اخطر الأسباب التي أدت إلى ذلك هو السبب السياسي وحالة الإحباط والهزائم المتلاحقة التي منينا بها على مر العقود وانسداد الأفق والقمع الاحتلالي المتواصل لجيل الشباب وهو ما قاد بهم إلى ما سمي بثورة السكاكين وغياب القيادة الفاعلة والمشروع الوطني الفاعل واستمرار سيطرة النظام الأبوي الرافض والقامع لكل ما هو متطور وجديد والبطالة والفساد والصراعات العشائرية والفصائلية مما جعل الاحتفاظ بالوطن قنبلة موقوته في عقول شبابنا غير قادرين على التخلص منها ولا الانفجار بها رضوخا لرغبة وقناعات الجماعة المعلنة فهم أي شبابنا توقفوا عن الثورة بقرار ولا زال خطاب الثورة اللغوي حيا في الخطاب الاجتماعي والسياسي اليومي ولا زال هناك أجسام وقوى تتحدث عن تحرير فلسطين وتحرض عليه دون أن تفعل شيئا مما جعل شبابنا يجدون أنفسهم عراة في الحقل أمام نار الأعداء بلا قائد وبلا ساتر اللهم إلا قيادة الأغاني والشعارات والتبجيل.

الفراغ اليوم يشل حياة شبابنا العربي والفلسطيني وهم يجدون أنفسهم نهبا لثقافة وفكر الغير المنتشر كالنار في الهشيم في كل تفاصيل حياتنا وعلى سبيل المثال

  • عدد القنوات الفضائية في العالم حوالي 12000 قناة

  • عدد القنوات الموجهة للجمهور العربي حوالي 1400 قناة

  • القنوات باللغة العربية التي تقدم مواد إباحية 112 قناة

  • عدد وإمكانيات الفضائيات التي تبث بلا توقف مواد فيلمية غربية مترجمة للعربية تقدم الثقافة الغربية وصور الحياة والنمط الغربي للعيش بشكل متواصل وغياب ذلك كليا عن تقديم مواد عربية مترجمة وموجهة للغرب وكأننا نقر أن لا شيء لدينا لنقدمه للغير بما يعني الإقرار من قبلنا أن ثقافة الغير قادرة على الوصول إلى أبناءنا أكثر من ثقافتنا وفي دراسة بعنوان اتجاهات طلبة الجامعات الفلسطينية نحو مشاهدة المسلسلات الهندية المدبلجة على قناة Zee Alwan الفضائية، عرض نتائجها الباحث ادهم حسونة، أكد أن الدراسة كشفت أن نسبة الذين يشاهدون المسلسلات بصورة منتظمة أو غير منتظمة 86.7 %. .

  • وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الانترنت الغربية بما فيها الإسرائيلية الموجهة للشباب الفلسطيني تحديدا والتي تبث مواقع إباحية لا حدود لها

  • المواد الفيلمية الموجودة على مواقع الانترنت بكل تلاوينها تكاد المشاركة العربية الموجهة فيها لا تذكر على الإطلاق مقابل ما تحوي من مواد مصنوعة خصيصا لصالح ترويج وتسويق الفكر الغربي والرأسمالي تحديدا بشكل ممنهج.

  • كثرة المواد الدعائية التي تبث بوسائل الإعلام والاتصال المختلفة بما في ذلك أدوات الاتصال البصري والسمعي المنتشرة في كل مكان.

  • الدور الذي باتت تقوم به أجهزة الهاتف النقال من وصل الشاب بشكل متواصل مع العالم بلا توقف

  • ظهور أمراض العالم الافتراضي ومن بينها الإدمان على الانترنت والاغتراب والانزواء والرغبة بالهجرة والهروب من الواقع نحو الصورة الأجمل التي تقدمها وسائل الاتصال والتواصل الحديثة والمباشرة والمتواصلة بلا توقف.

قالت لي والدتي رحمها الله أن والدي رحمه الله قد قرأ الأذان في أذني بصوت مسموع لحظة ولادتي وحين سألته لماذا فعل ذلك أجابني ببساطة حتى تسمع كلام الحق وتميزه عن غيره من الكلام وبعد سنين طويلة سألت احد رجال الدين عن ما فعله والدي فأجابني حتى لا تسمع إلا كلام الله سبحانه ولست أشك أن والدي أراد بكلمة الحق اسم الله سبحانه كما أراد رجل الدين ذاك لكن الفارق كبير بين التعبيرين فإرادة التمييز بين الحق وغيره هي إرادة طيبة ومنطقية ولا تلغي عقلك بل على العكس من ذلك هي تعطيك القدرة على الفرز بين القمح والزوان مما تأكل ثقافة أو خبزا بينما أراد رجل الدين أن يلغي عقلك الذي أراده الله لك ليعمل وينتج لا لتجمده داخل جلدة راسك بلا نفع ومن هنا تبدأ سلطة الثقافة التي ترافقك منذ كونك متلقيا مطلقا إلى أن يصبح بإمكانك أن تكون مشاركا, لتقع بين دورين للثقافة دور يدعو إلى الانفتاح والإبداع والتجديد بهدف الوصول إلى الحق عبر الفعل وتطويره ودور يلغي عقلك لصالح ما يقول مكتفيا بالادعاء أن قوله هو الحق وانه وحده من يملك الحق بادعاء النطق باسم الحق وتفسير ذاك النطق, فالثقافة ليست حذلقات لغة ولا كلاميات ولسانيات بل هي منتج بكل ما تعني الكلمة المادية من معنى بل هي أساس المنتج الذي تمهد له الفكرة لكي نشتري البذور مثلا وهذا السلوك منذ بدء التفكير بالشراء حى سلوكه كان علينا أن نكون فكرة واضحة عن أي بذور نريد وما هي مواصفاتها ومن أين سنشتري ومن الذي سيشتري إلى تخزين البذور وطريقة ذلك وأين ومتى وكيف ومن إلى أن نصل إلى زراعة البذور لنجد أنفسنا نكون ثقافة وذهنية أيضا جديدة ومتطورة عما قبل وتجيب من جديد عن نفس التساؤلات. من الذي سيزرع اليد أم الآلة؟, وهل هي الآلة التي استخدمناها فيما سبق أم أن هناك آلة جديدة وإذا كان هناك آلة جديدة فمن تعلم على استخدامها وما هي الاحتياجات التي علينا توفيرها لها لتقوم بمهمتها وما مدى نجاحها وما الفائدة المرجوة منها وهكذا إلى أن نعود للبذرة من جديد ونكرر الفعل في العام القادم بطريقة أفضل أو أسوا وذلك مرهون بكيفية إشغال فكرنا مع فعلنا وعلاقتهما معا.

منتج الثقافة الحقيقي إذن هو منتج السلعة الضرورية لحياتنا دون أن يدعي ذلك أو حتى دون أن تعنيه صناعة الثقافة في الأصل بقدر صناعة السلعة بينما يقوم المثقف بقراءة الفعل الثقافي المادي على الأرض وتحويله إلى صورة أو كلمة أو رسم أو حركة أو خطة أو رؤيا أو اختراع جديد ليقدمها للمنتج نفسه وسيلة لتطوير أداءه على الأرض بهدف تطوير سلعته ليعاود إنتاج الثقافة من جديد ليقرأها المثقف من جديد ويعاود صياغتها مرة جديدة بحلة جديدة متجنبا ما كان ينقصها قبل دخوله مختبر المنتج الحقيقي للفعل الثقافي, وهكذا فدور ومكانة المثقف ليس حكرا على ذلك المتحذلق باللغة بل هي أوسع بكثير لتشمل كل الفاعلين بإنتاج وسائل وأدوات العيش أيا كانت إلى أن وصلنا اليوم إلى اقتصاد المعرفة الأكثر رواجا بعد الثورة الرقمية وعصر الانترنت وتحويل الأرض إلى شاشة هاتف محمول يشاركك غرفة نومك مما يجعل المنتج الثقافي يلغي إلى حد بعيد المنتج المادي بل ويسبقه ويتقدم عليه إلى أن أصبح اقتصاد المعرفة الأكثر ربحية ورواجا في عصرنا هذا ليتبين لنا حجم ومدى سلطة الثقافة على العقل البشري وفعله في آن معا.

لا احد إذن يمكنه الانفراد الآن بفعل الحياة وبالتالي لا احد يملك الحق بالسيطرة عليها وعلى مكوناتها وفي مقدمتهم صناعها أي البشر وهو ما يعني أن لا بديل إذن عن الحياة المدنية والمجتمع المدني ودولة المواطنة ولا بديل عن تكريس وتفعيل القيم المدنية والثقافة المدنية القائمة على تشريع كل الأبواب والشبابيك وفصل الغث عن السمين مما قد تحمله ريح الدنيا لبيتك ممتزجا بما يتفاعل أصلا في داخل هذا البيت فتطوير إلى ما لا يلغيها بل يحسنها ويجعلها أكثر فاعلية وقدرة على التطور والمواصلة بينما إبقاءها على حاله سيلغيها مع مرور الزمن ويحولها كالزائدة الدودية في جسم الإنسان لا أهمية تذكر لوجودها ويمكن التنازل عنها بأقل ضرر ممكن عند الحاجة دون أسف.

 

صحيح أن محمد أركون ومحمد عابد الجابري وهشام شرابي وآخرون قالوا بان التخلف الحضاري هو أساس الحالة التي نعيشها كعرب إلا أن الحقيقة تكمن في ما امسك بنا عن اللحاق بركب الحضارة وصاغ تخلفنا عن الركب وهو الذهنية العشائرية المسيطرة والنظام الأبوي الذي لم ننفك منه حتى يومنا فنحن لا زلنا نوغل في جاهلية العصبية القبلية رغم الحرب الضروس التي خاضها الإسلام ضد هذه العصبية ولا زلنا نعبد أصنامنا التي نصنعها بأيدينا كما فعل أجدادنا القدماء وبالتالي لم نأخذ الدين الحقيقي إلا لتزيين هذه العصبية المقيتة التي تصبح فيه القبيلة كل شيء وشيخ القبيلة ولي نعمة أبناءها والآمر الناهي الذي لا يرد له قول أو فصل ولا يناقش ولا يحاسب وبالتالي انتقلت صورة شيخ القبيلة إلى صورة الزعيم الرئيس أو الملك أو الأمير بدون أدنى تغيير اللهم في المظهر واللغة والتسميات ومنذ لحظة جلوس الزعيم على كرسيه تنهال عليه ألقاب لا حصر لها ولا حدود لخيالها اقلها انه القائد الذي لا يموت والملهم والمانح والمعطي وحتى أن الشعب يباشر فورا مهنة التسول منه وكان خزينة الدولة وثروة البلد تركة له من ارث والده وأجداده وان ما يعطيه للناس هو منحة شخصية منه ومن جيبه وبالتالي فان مثل هذه الصورة تستحيل معها أية معايير للمواطنة والمدنية والديمقراطية وما يسمى بالحكم الرشيد هي الذهنية العشائرية المقيتة إذن والتي لا زالت تعشعش في جيوب عقولنا جميعا بلا استثناء أيا كانت طوائفنا أو اتجاهاتنا أو أحزابنا أو عقائدنا دينية أو دنيوية وفي هذا يقول هشام شرابي إن التخلف الذي نجابهه هو من نوع آخر، إنه يكمن في أعماق الحضارة الأبوية(والأبوية المستحدثة)، ويسري في كل أطراف بنية المجتمع والفرد، وينتـقل من جيل إلى آخر كالمرض العضال. وهو أيضا مرض لا تكشف عنه الفحوص والإحصاءات, إنه حضور لا يغيب لحظة واحدة عن حياتنا الاجتماعية، نـتـقبله من غير وعي ونتعايش معه كما نـتـقبل الموت نهاية لا مهرب منها، نرفضها ونتـناساها في آن(هشام شرابي.. النقد الحضاري للمجتمع العربي ص 14)  ومع أن الحضارة الأبوية تعبير غير دقيق إلا لجهة حضارة التخلف او حضارة عصور التخلف واعتبارنا ظهور الأسرة أساس البنية الحضارية للإنسان لكونها فقدت في عصرنا قيمتها وتأثيرها وأصبحت عائقا أمام أي فعل حضاري حديث, ويتابع الأستاذ هشام شرابي قائلا وعلى الصعيد النفسي – الاجتماعي، ومستوى النظرية والممارسة يتخذ هذا التخلف أشكالا عدة تتميز عن بعضها بعضا بصفتين مترابطتين: اللاعقلانية والعجز؛ اللاعقلانية في التدبير والممارسة، والعجز في التوصل إلى الأهداف, اللاعقلانية في التحليل والتنظير والتنظيم، والعجز عن الوقوف في وجه التحديات والتغلب عليها, إنه التخلف المتمثل في شلل المجتمع العربي ككل: تراجعاته المستمرة، في انكساراته المتكررة، في انهياره الداخلي (المصدر السابق نفس الصفحة)

ويعاني المجتمع العربي من قادة حتى الموت أو التوريث أو حتى الانتخابات المشكوك في نزاهتها وينحصر دور المواطن في الطاعة التي تصل إلى تقديس الشخص حتى لو خارج تعاليم الدين أحيانا وخارج مصالح الوطن والشعب ويتم علنا تغييب القوانين والدساتير وانعدام أسس المساواة بين الناس وتظهر المراتبية المقيتة القائمة على مدى الاقتراب من كرسي الحكم والسلطة ولا يبقى للقانون دور إلا كونه سكينا مسلطا على رقاب الفقراء والضعفاء وبالتالي يتراجع العرب في كل شيء ولو قارنا مشاركة العرب بناتج الثروة البشرية لوجدنا أن العرب مجتمعين والذين يفوق عددهم عدد سكان الولايات المتحدة يبلغ حجم إنتاجهم فقط 7% من إنتاج الولايات المتحدة الأمريكية وحدها

ما العمل إذن:

ينبغي لنا أن ندرك مشاكلنا ومعضلاتنا التي تتسبب في غياب منظومة السلم الأهلي والقائمة على غياب المشاركة العملية والاسهامية الحقة بالفعل الإنساني الملموس وبالتالي غياب العلاقة الجلية بين السلوك والفكر من حيث علاقة السلعة المنتجة والمتداولة بالمستهلك او المنتج فنحن أمام كم هائل من السلع الواردة إلينا ليس بمضمونها المحسوس بل وبتجلياتها الذهنية التي تنتقل إلينا حتما بانتقال السلعة ذاتها ولقد سبق ووضحت في أكثر من مقال بان الفكر هو وعي الفعل وان الذي ينتج السلعة ينتج فكرها والذي يستهلك السلعة يستهلك فكرها فلا وجود لسلعة متجردة من فكر صاحبها أو منفضة لذهنيته بل هي نتاج طبيعي لتلك الذهنية فالكمبيوتر والتلفاز وجهاز التكييف والغسالة والسيارة والهاتف وغيرها الكثير الكثير أنتجتها حضارة غربية متفاعلة ومتطورة وناظمة للعلاقة بين الفعل والفكر وبالعكس وهو ما لا نملكه نحن ولا بأي حال من الأحوال وبناء على ذلك فلكي نشفى من أمراض الفصام والاغتراب وما ينتج عنهما فلا بد لنا من أن ننخرط عمليا وفعليا في حضارة البشر كحضارة واحدة موحدة لناسها عبر فعلهم وفكرهم وان كان ذلك لا يمنع من وجود أية خصوصية او ميزات متباينة مع هذا او ذاك من مكونات هذه الحضارة الواحدة وحتى نتمكن من تحقيق ذلك فلا بد لنا شئنا أم أبينا من أن ننجز ما يلي:

  • قراءة الغير بضوء فعله لا بضوء فكره البحت فلا أفكار ولا بديهيات نظرية لا تجد مدعمات لها على الأرض.

  • نقل ثقافات الآخرين لغة حية بترجمات محكمة وموحدة الرؤى والمصطلحات لخلق قاموس معجمي عربي وقاموس مصطلحات عربية يواكب تطور العصر ومنجزاته باعتبارنا جزء منه لا عالة عليه وبهذا الخصوص تأخذ الترجمة الدور الأهم للوصول إلى ذلك الهدف, وفي سبيل ذلك لا بد أن تكون العملية تبادلية أي الترجمة من والى حتى تصل صورتنا الحقيقية للآخر الذي حشرنا في صندوق فصله هو ورسم صورتنا على الهيئة التي يريد في ظل غيابنا الكلي عن المشهد وعدم وجود سعي عربي جاد لتقيم صورة متماسكة حية وواضحة للآخر البعيد برغبته فنحن على سبيل المثال لم نقدم للغرب صورة الشرق العربي الحاضن للديانات السماوية الثلاث ومهد هذه الديانات وبالتالي فان أهل الشرق والشرق العربي تحديدا لهم شرف الريادة في رفعة البشرية وانتقالها من الجاهلية إلى النور وان كنا تخلفنا فيما بعد عن ركب الحضارة لأننا وقفنا هناك وقيدنا أنفسنا بأبعد لحظة انتمينا إليها معتقدين أن الثبات هنا هو صدق انتماء متناسين أن التطور هو الأساس الأسمى لكل حياة.

  • إشاعة ثقافة قبول الآخر والاستعداد لتبادل الأدوار والقدرة على الشعور بإمكانية الحلول عند الضرورة والمصلحة الجماعية العامة بمعنى استعدادي لقبول انجازات الآخر محليا وعالميا على قاعدة أن لا فرق بين إنسان وإنسان لجانب التطور البشري بغض النظر عن الاختلافات الذهنية وتجلياتها وبهذا نتصالح مع أنفسنا أولا ومع الآخرين ثانيا فقبول الآخر الذات بغض النظر عن الاختلافات هو ضرورة لقبول الآخر البعيد فكرا او منتجا او حضور حضاري باعتبار الحضارة نفسها منتج يمكن استهلاكها وفق المصالح والسمات الخاصة بالمستهلك لا مجرد متلقي فارغ من أي تأثير فحتى السلع التي نستوردها أو نجمعها هي سلع يمكن لها أن تحمل صفاتنا إن أردنا وهناك عديد البلدان اليوم التي باتت تؤثر في الفعل الإنساني من خلال مشاركتها في إنتاج الثروة البشرية برمتها خارج حدود بلدانها كالصين وغيرها وكذا يمكن لذلك أن ينتقل إلى الفكر الإنساني إن وجد الأساس العملي للحضور وبالتالي الانتقال.

  • العمل على نقل العلم الإنساني إلينا والتوقف عن ظاهرة الذهاب إليه لحد الانخراط بلغته وثقافته وناسه ومجتمعه والانسلاخ كليا عن واقعنا العربي كما يحدث مع سائر المبدعين العرب والطاقات العربية الخلاقة في كل المجالات ويدرك العرب العدد الكبير من أبنائهم المبدعين المنخرطين بصناعة الحضارة الإنسانية بما فيها حضارة الموت الرأسمالية وصناعة الأسلحة وأدوات الموت, وليس بالضرورة هنا أن نكتفي بالنقل الحرفي بعيدا عن أي إبداع أو تطوير بل يجب أن نطلق كل الطاقات الإبداعية والاكتشافات العلمية ونحفز كل العقول على النقد والإبداع والتفكير الخلاق غير المقيد والقادر بالتأكيد إن وجدت البيئة الإبداعية في المجتمع أن يضيف إضافات نوعية خلاقة للإبداع الإنساني وان يصنع إبداعات تقترب من إبداعات الثورة الرقمية ومن الاختراعات الأولى التي لا زالت تؤسس لمستقبل الإنسان فاختراع السيارة واكتشاف الوقود قد لا يكونا نهاية الكون فنحن لا زلنا بحاجة لوسائل نقل وستبقى البشرية بحاجة للطاقة ولا زال هناك من يكتشف مصادر جديدة للطاقة فلم لا نكون نحن السباقين لذلك لنعود مخترعين للطاقة لا مخازن بترول لغيرنا فقط.

  • التوقف عن حالة الرضا الغبي عن الذات والغناء على أطلال الماضي وهو ما تحاول الذهنية العشائرية تكريسه لصالح بقاء سلطتها وسلطة ناسها فالحضارة والانطلاق إليها هي بالضرورة كسر ثوري لقيود الذهنية العشائرية وإلغاء محتم لها وهو ما لا تريده بالتأكيد ولا يريده أعداء الشعوب السعداء بتكيسنا الدائم بماضي لم يعد له أدني قيمة عملية حتى في أوساطنا فنحن نغني عن الماضي في مايكات غربية ونكتب عنه على أجهزة حاسوب غربية فأي أمجاد هذه عن صلاج الدين الأيوبي وحالة الانتظار الغبية له لعله يعود في زمن بات فيه كل الوطن العربي محتل ومداس وبلاد صلاح الدين نفسه لم تعد أصلا موجودة بل تمزقت لدرجة نسي أصحابها حقهم في الاستقلال الوطني.

  • إشاعة الفكر النقدي والفكر المقارن والتفكير بضوء العلم لا بضوء الخرافات والوهم الراسخين في ذهن العشيرة المصلحي بالتخلف حتى نتمكن من التأسيس لغد ناهض متطور مدني بدولة المواطنة والحكم الرشيد وحتى في الحال الفلسطيني فان فكر المواطنة والحكم الرشيد ممكن حتى في الثورات ومسيرات الكفاح الوطني أينما كانت؟.

  • التشبع بثقافة القيم المدنية وتعميمها بها بضوء المصلحة الجمعية وعلى الأسس المدنية والمواطنة وهذا يتطلب حراك عملي ونشاط تثقيفي من خلال الفعل لا القول وبكل الوسائل العملية والفكرية المتاحة بكل مكونات المجتمع في البيت والحي والمدرسة والجامعة وأماكن العمل ومعتركات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية فكرا وسلوك.

  • إشاعة التفكير العلمي في أوساط الأجيال القادمة واعتماد المنطق الرياضي أساسا للتفكير العلمي بعيدا عن تشوهات الماضي والإغراق في التجذر والالتصاق بما عفا عليه الزمن من خرافات وأوهام وجاهلية بحتة فالرياضيات التي يعتبرها العالم أساس العلوم وقاعدة التفكير المنطقي فالرياضيات هي اختزال الفعل الإنساني بكل محسوساته إلى مجموعة من الأرقام والخطوط تسهل على الإنسان القدرة على التفكير والتحليل والاختراع عبر تحويل الأرقام ذهنيا إلى صور ثم نقل الصور إلى الواقع فأنت إذن تجرد الأشياء من حدودها المطلقة حين ترسمها أمامك على الورق أرقاما وخطوط ويغيب عن عقلك شرط القبول بالقائم لصالح ابتكار الأفضل وبالتالي فلا يمكن لأمة لا تسود الرياضيات فكرها أن تتقدم بوصة واحدة إلى الأمام.

  • الثورة التربوية التي لا بديل عنها للتحرر من قيود الجمود والتعليم بالتلقين ولا بد في سبيل ذلك من قلب العملية التعليمية برمتها بدءا من شكل الصف ومكانه وطريقة الجلوس فيه وانتهاء بطريقة التخرج من المدرسة او الجامعة مرورا بشكل واليات قياس مستوى الطلاب التي تعتمد على آليات امتحان عقيمة جامدة لا تحتاج سوى حالة تذكر وخزن للمعلومة دون التفكير فيها أو تمحيصها وزيادة الاهتمام بالعلوم الرياضية وإطلاق القدرة على التفكير والتخصص المبكر للطلاب بدل الحكم عليهم بالفشل لأننا نلزمهم بالمرور بدراسات وامتحانات لمواد لا تتطابق مع قدراتهم ولا تنشط ما لديهم من مخزون إبداعي كامن في جانب ما ودون أن نحترم عدم قدرة طالب على الإبداع في الرسم إن كان مبدعا في الحاسوب أو عدم قدرته على حفظ النصوص الشعرية إن كان مبدعا بمادة عملية وقادر على التحليل والخروج بنتائج خلال قراءته لمادة أمامه لا محفوظة غصبا في دماغه فعلم حشو المعلومات ينتج لنا خزائن وأرشيف للعلوم لا مخترعين وعلماء وفاعلين حقيقيين في الحياة.

  

( قيمة الحياة )

 

إن أهم القيم التي ينبغي علينا الالتفات إليها هي قيمة الإنسان نفسه وبدون أن نعي أهمية هذه القمة سيبقى مستحيلا علينا تجاوز حالة الانغلاق والتقوقع التي نعيشها وقد فرض الاستعمار أولا ومن ثم الاحتلال على شعبنا مزيدا من الرغبة بالانغلاق على الذات بأقصى حد ممكن ولان الانغلاق بطبيعته يحتاج لمكونات للعيش حقيقية لم نعطي لها أية أهمية مما جعلنا بدراية أو بدون دراية نقبل بموجودات الآخر ( الاحتلال ) ومعطياته كوسائل للمواصلة رغم إعلاننا المتواصل عن رفض هذه المعطيات نظريا ولقد سعى الاحتلال منذ نشوء فكرته إلى محاربة الإنسان فينا لتمكينه من الانفراد بالأرض لصالح إنسانه الذي يعتقد انه الأفضل والأحق منا بالعيش الكريم فقد كانت نظرية الاحتلال الصهيوني تقوم على فكرة وجود ارض بلا شعب هي فلسطين بدون شعبها فهو إذن ألغى الإنسان أولا واعتبره غير موجود ولم يقدم في سبيل ذلك نظريات أو فلسلفات غريبة عن ناسه بل هو سعى لإيجاد المحفزات الرئيسية لصالح ناسه لدفعهم لقبول الوطن فالصهيوني جاء إلى ارض السمن والعسل أو ارض الميعاد حسب التعريف الصهيوني لفلسطين لدفع اليهود للقدوم إليها من سائر أنحاء العالم, بينما أداروا معنا معركة بعيدة عن واقع ما يجري تدور حول الحقوق التاريخية على هذه الأرض ناسخة أي مسوغ أخلاقي أو قيمي لحقيقة أن الناس اليوم على هذه الأرض هم أصحابها وبدل أن ندير معركة حول الحق بالحياة أدرنا معركة كلامية حول الحق بالتاريخ مما سهل عليهم إبعاد صورة الإنسان الحي عن الصراع الدائر وأعادونا إلى مربع الماضي الذي نحب أصلا وظهرت سجالات عن من  هو الأقدم وبات البعض منا يغرق في التفاصيل ليصل بهم القول مثلا كما أورد الدكتور محسن صالح في كتابه الحقائق الأربعون عن في القضية الفلسطينية وما أورده الدكتور صالح حسين الرقب في بحثه بعنوان ” ليس لليهود حق ديني ” كل ذلك جعل الصهيونية تنتصر بجرنا إلى مربعها بإغفال الحياة الحقيقية للإنسان لدينا لصالح حقائق الماضي حتى لم يعد احد يناقش موضوعة حقنا بالحياة بل انجررنا خلف تفاهاتهم لنناقش حقنا في التاريخ مقابل ادعاءهم وهو نقاش لا طائل ولا معنى للإغراق في تفاصيله التي تعطي للجميع حق الاجتهاد والتزوير والارتكان إلى تحاليل لا إلى حقائق مطلقة كحقيقة وجودنا على الأرض فعلا وحقيقة ارتهاننا بوعد بلفور الذي لا يحتاج إلى تحليلات لتصنيفه وحقيقة تهجير الفلسطينيين عن أرضهم واحتلال بيوتهم وقتلهم وسجنهم وارتكاب أبشع المجازر بحقهم حتى بات الكفاح الفلسطيني كفاح من اجل التاريخ لا من اجل الحياة وذهبنا إلى ابعد من ذلك بكثير حد تتفيه حياة الإنسان لصالح إثبات وجهة نظر عبر التاريخ وهو ما جعل الأمر ينعكس تلقائيا على نمط العيش والحياة المجتمعية لشعبنا وقد يكون هذا واقعا منسوخا في كل الوطن العربي الذي جعل الوقوف في وجه الاستعمار دفاعا عن الوطن يلغي فكرة أن الوطن لنا لأننا نعيش عليه وان الأصل حقنا في الحياة ولان الحياة لا يمكن لها أن تستوي بلا وطن فان وطننا هو مكون الوجود الملموس لحياة الإنسان وقدرته لتحويل العيش إلى فعل ونتائج.

نموت … نموت ويحيا الوطن شعار نكرره بلا أدنى تفكير ودون أن نسال أنفسنا كيف يمكن للوطن الأرض أن تعيش إذا كرر ناسه فعل الموت بلا توقف وأي معنى للوطن دون ناسه وهل الموت هو الفعل المرادف للحياة ثم من هو المقدس الحياة أو الموت ولماذا تغيب عن أدبياتنا قيمة الحياة بدل قيمة الموت التي إن شاعت فهي لا تلغي الحياة أمام أعداء الوطن فقط بل تسهل فكرة إلغاء كل موضوعة الحياة إلى أن تصل إلى استسهال إلغائها حتى في المجتمع نفسه ما دامت تكرست لديه فكرة أن لا قيمة لها من أصله فسيصبح الموت انجاز ومطلب وهو ما يرغب به أعداؤنا فقط لتصبح الأرض لهم ليس بمعنى الذاكرة بل بمعنى الحياة فهم يلغون وجودنا لصالح وجودهم بحيث أن التاريخ بالنسبة لهم لا يعني شيء مقابل رفاهية حياتهم التي يسعون لها بكل ما أوتوا من قوة وبكل الوسائل ويبدو جليا كيف يبنون الملاجئ ويقيمون السواتر ويؤسسون للحماية للإنسان لا للموت ونحن نرى حجم الاهتمام الهائل بأسراهم حتى بجثث أسراهم مما يعطي للإنسان قيمة حقيقية ويجعل الاحتفاظ بالوطن هو سعي للاحتفاظ بالحياة.

هناك من مات سعيا خلف لقمة الخبز وكان السعي ضروريا من اجل الحياة ولو أنه لم يفعل لمات أصلا بدونها وهنا تتساوى قيمة الحياة مع قيمة الموت لان الأمر في الحالتين حاصل إلا أن احتمالية الحياة تبقى قائمة في حالة السعي بينما تنعدم في حالة الركون إلى الانتظار وهذه فلسفة غائبة عن تفكيرنا بمعنى أن السعي هنا جاء من اجل الحياة وحين يكون السعي بكل تجلياته بما فيها القتال والثورة تهدف إلى الحياة فهي حتما ستقود إلى النصر أما حين تصبح قيمة الهدف غائبة عن قيمة الإنسان فالأمر يصبح مجرد أحلام تلغي وجود الإنسان كقيمة أولى كرمتها الأديان السماوية كما فعلت سائر الفلسفات والأديان عبر التاريخ وإلا لماذا سخر الله سبحانه كل شيء على الأرض لصالح الإنسان إلا لقيمته بقوله تعالى في سورة لقمان آية (20) ” أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ” وقوله سبحانه في سورة إبراهيم ” اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) ” وفي الإنجيل المقدس يقول الرب ” السبت أنما جعل لأجل الإنسان لا الإنسان لأجل السبت ”  وهذا يبين بجلاء كبير القيمة العظمى للإنسان كما أرادها له الله سبحانه.

المطلوب إذن تعظيم قيمة الحياة بالمعنى الإنساني الملموس للفرد والجماعة باعتبارها القيمة الأولى التي يجب الحفاظ عليها بكل المعاني وفي مقدمتها المعاني الدينية وإلغاء ظاهرة قبول الموت كأمر مسلم به بعيدا عن دافع الحياة فالعشيرة تعظم ذاتها بعيدا عن ذوات أفرادها وهي تقيم جدار فاصل مطلق بين قيمة العشيرة وقيمة الفرد مما يسهل عليها القبول بالموت إذا كان لصالح رفعة العشيرة لا لصالح رفعة ورفاهية وحياة أبناءها وبالتالي فان تقديس الذات المثالية هنا تعيد الإنسان إلى الحضيض فأنت عليك أن تموت إذا كانت مصلحة القبيلة واسمها ورفعتها وشرفها هو المطلوب ولا احد يتحدث عن الموت في سبيل الحياة أي عن السعي للحياة بكل الطرق الممكنة حتى لو أدت إلى الموت بمعنى أن التقديس إذا كان للحياة جاءت الأدوات والوسائل لتسهل ذلك ولتجعل من الحياة ما دامت أمرا جميلا إلى أن يأتي الموت في الطريق لا الموت كمطلب في حين أن فكرة تقديس الموت ستجعل كل الحياة بلا قيمة ما دامت قائمة أصلا على انتظار الموت.

الأساس في العشيرة أنها مكون لجميع أفرادها وهي بدونهم لا شيء في حين أن التطور التنظيمي للعشيرة يحولها إلى إقطاعية لشيخها وبالتالي يصبح الأفراد كمجموع هم أدوات الشيخ فكما هي الحال في الحضارة الهندية القديمة التي تعتبر الزوج مالكا لزوجته وأبناءه فان مثل هذه الفلسفة موجودة بشكل أو بآخر في النظام العشائري أينما حل ويصبح أبناء العشيرة ملزمين بالموت دفاعا عن شيخهم وأسرته لا عن عشيرتهم هم وتصبح العشيرة حاملة لاسمه وقد انتقل ذلك في الشرق إلى الأحزاب التي أصبح زعيم الحزب شيخا للعشيرة وبات تقديس الزعيم نموذجا لتقدير الحزب وهكذا إلى الدولة التي باتت تحمل اسم زعيمها بمعنى أن العشيرة والحزب والوطن تتقزم جميعا بناسها لتصبح عبيدا للزعيم القائد المطلق الذي يجوز للجميع أن يموت دفاعا عن حق الزعيم في الحياة لا دفاعا عن حق أفراد المجتمع بالحياة ككل وهو ما يلغي مكانة الوطن الحقيقية ويحوله إلى وهم في أذهان أفراده إلى أن يصل الأمر بكل هؤلاء الدهاة لان يفقدوا الوطن والناس معا ففي لحظة الاحتدام وحين تتعارض مصالح الزعيم مع جموع ناسه ولا يعد قادرا على مواجهة أعداءه لن يجد قطعا من يموت في سبيل وطن لا يملكه وبالتالي تكون النتيجة ليس ضياع الحكم وحاكمه بل ضياع الوطن برمته وهذا ما نشهده في التاريخ العربي فالحزب يموت بموت الزعيم الملهم لأنه أصلا تم تفصيله على مقاسه وفي الأدبيات العربية ترى الأغاني والأهازيج والأشعار والشعارات توحد بين القائد والوطن حد انعدام التفريق وهو ما يلغي أي قيمة لحياة الإنسان العادي الذي يفقد تلقائيا إحساسه بقيمة حياته وقيمة حياة الآخرين لدرجه يصبح معها انعدام القدرة على إدراك قيمة السلم الأهلي وضرورته للذات والجماعة ما دامت القدرة على التنعم به ليست واردة إن لم تكن تلك رغبة الزعيم ومصلحته ويبدو ذلك جليا في السعي المحموم لدى الأجيال الشابة للهجرة إلى الغرب والتحول إلى قوميات أخرى متنكرين لوطنهم وهويتهم فلو كان لدى الشاب العربي إحساسا بان الوطن هو بيته هو لا مزرعة الزعيم وان الناس هم ناسه لا أدوات الزعيم لما فضل عنه بيتا غريبا آخر.

وسأورد هنا مجموعة من السلوكيات العجيبة والغربية التي سلكها القادة الطغاة عبر التاريخ وهو ما يبين مدى استخفافهم بقيمة الإنسان وحياته ومكانته وما هو متاح جرائم السفاحين في الغرب كنموذج أن التخلص منهم في شرقنا ممكن كما فعل الغرب بسفاحيه وطغاته:

الإمبراطور كاليجولا

 

كان الإمبراطور كاليجولا أحد أبرز الحكام الرومانيين الذين على الرغم من أنهم غير مشهورين إلا أنه كان في غاية الجنون الذي لا يصدقه عقل فمن يصدق أن إمبراطور الدولة الرومانية قد عين حصانه المفضل ليكون القس وكبير قناصلة روما.

 

الامبراطورة آنا

 

الإمبراطورة آنا، إمبراطورة روسيا جلبت السخرية لشرفها الإمبراطوري، حيث أجبرت أحد أفراد حاشيتها على الزواج منها، كما أنها كانت تجبر الآخرين على ارتداء ملابس المهرجين من أجل إسعادها

 


الملك نيرون

 

الملك نيرون هو أحد أشهر الملوك الرومان الذي قام بإحراق الآلاف من المسيحيين المتحولين كما أنه قام بقتل زوجته

 

ايفان الرهيب

 

ايفان الرهيب أو ايفان الرابع تولى الحكم وهو صغير وقد لاقي الذل من طبقة النبلاء الأمر الذي انعكس على تصرفاته، حيث أنه كان يقدم افراد من شعبه للكلاب الجائعة كطعام لها، وذلك خلال الاضطرابات التي سادت دولته لتخويفهم

عيدي أمين

كان عيدي أمين رئيس أوغندا الثالث، وتميز حكمه بالوحشية وانتهاك حقوق الإنسان والإضطهاد، حتى أن لُقِّب بـ”جزار أوغندا” فالعديد من خصومه تعرضوا للتعذيب الوحشي قبل وفاتهم، ويعتقد الخبراء أن عيدي أمين كان مسئولا عن مقتل من 100000 إلى 500000 حالة وفاة، وتراوحت طرق القتل بين قطع الأطراف والأعضاء التناسلية أو سلخ الجلد وهم على قيد الحياة، وتوفي أمين يوم 16 أغسطس لعام 2003.

التاريخ العربي حافل قديمه وحديثه بكل المظالم ومنها من يصل أقصى حالات البشاعة ولعل الحجاج ابرز مثال يمكن أن يقدمه التاريخ عن أمثاله قبل وبعد وبهذا سعيت للقول أن ترسيخ وإشاعة فكرة إنسانية الإنسان وحياته كقيمة هي حجر الأساس في سعينا للتأسيس لسلم أهلي قائم على أسس المواطنة والمجتمع المدني الذي يصون حياة الإنسان وكرامته ويجعلها القيمة الأسمى في الحياة بينما يقدس الموت إذا كان في سبيلها كقيمة لا في سبيل أشخاص ومصالحهم ويصبح الوطن قيمته بناسه جميعا كوحدة واحدة تحمي جمعها بحماية أفرادها مما يقدس من يموت في سبيل حياتهم جميعا لا يقدس الموت في سبيل مصلحة فردية أو فئوية لا تمت للمجتمع ووطن المجتمع بصلة وذلك لن يكون الا حين يصبح الوطن للجميع لا إقطاعية للزعيم هو وناسه مما يدفع بالجميع للكفر بالوطن نكاية بصاحبه كونه المستفيد الوحيد منه ومن يملك حق المنح والحجب عن الآخرين حد منح الحياة وحجبها.

في سبيل ذلك فان علينا أن نقوم بعمل جبار وهائل يطال حياتنا بكل مراحلها ونواحيها بما يطال كل التفاصيل وعبر المراحل والتنوع التالي:

البيت:فلا يمكن أن نمتلك جيلا يدرك قيمة حياته كجزء من القيمة الجمعية للحياة إن جعلناه يعيش حالة من التفريق الجنسي بين الأب والأم وبين الابن والبنت فان لم نقدم نموذج المساواة لقيمة حياة الذكر والأنثى على نفس الدرجة فنحن مسبقا نكون قد قدمنا نموذجا مشوها للحياة والمجتمع.

الشارع: هذا سيطال الألعاب وأنواعها وشكلها وعلاقة الطفل بلعبته وكيفية اختيارها فالأطفال الذين يلعبون الحرب سيدمنون اللعبة والذين يجدون ألعابا للأطفال الذكور لا يسمح للعبها للإناث أو العكس سيصعب عليهم بعد ذلك إدراك القيمة المتساوية لكل منهم, كما أن إتاحة اللعب للأغنياء من الأطفال دون الفقراء وجعل إمكانيات الاستمتاع بالطفولة حكرا على أبناء الطبقات الغنية سيجعل الطفل غير قادر على إدراك أن لهم وطنا واحد وفرص متساوية في الحياة, وهذا ينسحب على الكبار فاعتبار الشارع والخروج إليه بقصد العمل أو التنزه أو زيارة المقهى أو النادي أمرا متاحا فقط للذكور سيجعل من المرأة حبيسة جدران بيتها الأربعة وهو ما يعزلها عن المساهمة الجدية في الفعل الجمعي ويقلل درجة انتمائها وولائها للمجتمع وبالتالي للوطن الذي تنتمي إليه صوريا وبدور محصور ومحدد كتابع ومكون ضروري لتأسيس الجيل القادم من الذكور للفعل ومن الإناث من جنسها لخدمة الذكور فقط.

ما تقدم من مثالين ينسحب أيضا على الجامعة والإعلام ودوائر الدولة ومكونات الوطن الرسمية ومراكز الإدارة والحكم بكل مراحلها وأقسامها ومؤسساتها وفي مقدمتها أهمية الدور الذي تلعبه المؤسسة الدينية لتحقيق ذلك وسائر السلطات الأخرى وأماكن العمل وتساوي الفرص ليرى الإنسان ذاته من خلال مجتمعه ووطنه كقيمة واحدة تستحق الحياة كما تستحق الموت في سبيلها إن فرض الواقع ذلك كالكفاح في سبيل تحرير الوطن كما هو الحال في القضية الوطنية الفلسطينية ليحيا الجميع حياة أفضل لا لتسرقه عصابة الحاكمين من أهله وممن ماتوا في سبيله.

  

( قيمة الآخر )

 

فيما تقدم تحدثنا بإسهاب عن قيمة الحياة كقيمة إنسانية أساسية لا يمكن الاستغناء عنها لصالح بناء مجتمع متماسك مواطنة ومدنية بأبهى صورها وبالتالي فان الاعتقاد بذلك سيقودنا تلقائيا للاقتناع بان الحق بالحياة لا يمكن له أن يكون حكرا على احد دون الآخر ونحن نقبل الآخر كوجود حي وحق فان علينا أن ندرك أن هذا الوجود سينتج عنه فعل أو رأي لان الحق في الحياة لا يمكن له أن يقتصر على الحق بالمأكل والملبس والمشرب والنوم بل الحق بالانتقال والحق بالعمل والحق بالتفكير والرأي والاعتقاد وبالضرورة فان اختلاف الناس يوجب اختلاف الآراء واختلاف الثقافات والرؤى لذا فان قبول حق الآخر بالحياة يوجب القبول بثقافة الاختلاف كأساس للعيش المشترك بين الناس.

  • حين تجلس لتفكر وحدك بأمر ما فأنت بالتأكيد ستجد نفسك مضطرا لاستخدام نظريات علم الرياضيات كالتفاضل والتكامل والأبعاد والزوايا والمنحنيات والمخرجات وقطعا لست أنت من اكتشفت هذه النظريات ولا من وضع أصولها وحين تستخدم النظرية النسبية بأي درجة فأنت تدرك أنها من اكتشاف عالم مختلف عنك ومع ذلك تستخدمها, وحين تجد نفسك ملزما بكتابة أفكارك أو مخرجات التفكير التي توصلت إليها فأنت ستستخدم قلما وورقه صنعها آخر وأنت هنا تقبله إذن وتقبل منتجه مهما كانت مسبباته لوجود هذا المنتج وأيا كانت الوسائل التي استخدمها لإنتاجه فقط هي الحاجة هنا من ألزمتك باحترام هذا المنتج واستخدامه بغض النظر عن موقف الآخر كمنتج له وبغض النظر عن رأيه أيضا فهو هنا شكل قيمة مادية حقيقة لك وفائدة لم يعد بإمكانك الاستغناء عنها.

  • أنت تلبس وتأكل وتنام وتسافر وتفعل كل ما تحتاج بأدوات الآخر وهذا الآخر المنتج أو المكتشف أو المخترع بالتأكيد له آراء وهذه الآراء واعتقادها والتفكير بها من قبله قادته إلى إنتاج ما هو بين أيدينا ولو منعناه لمنعنا أنفسنا عن الحصول على انجازه الذي نحتاج فنحن إذن قادرين على أن نختلف بالمعنى الإنساني وان ندع الآخرين يختلفون معنا مطلقين الإبداعات للجميع لصالح الجميع.

  • الاختلاف الايجابي يختلف بالمطلق عن الاختلاف السلبي أو العدواني فحين يصبح الاختلاف مع الآخر على حقك بالحياة أو الوطن فانك ملزم بالدفاع عن هذا الحق بكل ما أوتيت من قوة وأدوات ووسائل فالاختلاف المقبول هو الاختلاف من اجل الحياة لا عليها وبالتالي فالاحتلال والاستعمار وسارقي ثروات الشعوب لا يمكن أن يندرجوا تحت بند الآخر وقبوله أو تحت بند ثقافة الاختلاف فهم لا يملكون سوى ثقافة الموت والنهب والتدمير التي ينبغي كل الثقافات والأفكار الايجابية أن تتوحد ضدهم وفي محاربتهم والتخلص منهم فمن يسلب الآخرين حقهم بالحياة هو من أعدائها ورافضيها ولا يجوز اعتبارهم آخر ولا رأي آخر.

  • وجود الآخر المختلف معك حول الوسيلة أو الطريقة أو الأسلوب للوصول إلى الغايات الإنسانية الأسمى بالحياة والنمو والرفاهية هو ضروري لك فأنتما معا مكملان لبعضكما وهو بمجرد اختلافه معك سيدفعك لتحسين رأيك أو موقفك حتى تتمكن من هزيمة رأيه وبالتالي فان الاختلاف سبب رئيسي لرفع مستوى الوعي والإدراك والتطور وتنمية مفاهيم وثقافات البشر عبر تفاعل الأفكار والآراء والثقافات المختلفة لتنصهر جميعا في حضارة إنسانية عادلة لصالح البشرية على الأرض التي أرادها الله سبحانه شعوبا وقبائل لتعارفوا لا ليقتتلوا ولا ليسلب احدهم الآخر حقه بالحياة.

والسؤال هنا ما هي الأدوات والوسائل الممكنة لترسيخ ثقافة قبول الآخر ومن المفيد مثلا اعتبار الجامعة نموذجا للفعل العملي بين الطلبة لإشاعة ثقافة الاختلاف عبر وسائل بسيطة ولكنها  أساسية ويمكن اعتبارها أسس النظام التربوي في الجامعة وسأورد هنا نماذج لذلك وهي على سبيل المثال لا الحصر:

  • يعتمد نظام الأبحاث المشتركة ويختار الشرف الطلبة في مجموعات من جهات مختلفة كان يكون في المجموعة الواحدة طلاب من قرية ومخيم ومدينة وبنفس الوقت من أكثر من اتجاه سياسي أو رأي ودفعهم للعمل معا كمجموعة واحدة لتحقيق هدف واحد وهو الفوز بعلامة متقدمة لهم جميعهم عن هذا البحث مما سيجعلهم مجبرين على الالتقاء والعمل معا واكتشاف قدرات بعضهم وتسخيرها لخدمة الجماعة المختلفة وخلال ذلك سيكتشف كل منهم ايجابيات الآخر وسيجدون وقتا كافيا للتعرف على الصفات الايجابية في كل منهم وقد يجدوا أنفسهم فيما بعد أصدقاء حقيقيين يصعب الفصل بينهم أو زجهم في صراعات شخصية عنيفة وسيجدون فرصة لمناقشة ما يختلفون عليه بشكل هاديء ورزين وبعيدا عن أي انفعال.

  • الفرق الرياضية والمسابقات الرياضية يمكن أيضا أن يتم تشكيلها بنفس الطريقة بحيث يجد اللاعبين المختلفين في الرؤية والفكر والاعتقاد ملزمين على التعاون معا وتحقيق الفوز معا عبر قيام كل فرد بالمجموعة بتسخير كل إمكانياته للنجاح الجمعي بغض النظر عن الاختلاف وهو تكريس لمفهوم أن في الاختلاف مصلحة فالمهارات التي يملكها ابن الريف قد تختلف عن مهارات ابن المدينة وكذا ستختلف ثقافة وقدرات ومهارات من تربى بحزب محافظ عن آخر تربى بحزب ليبرالي أو يساري وسيجد الجميع أنفسهم وقد اكتشفوا أهمية تجميع قدراتهم لصالح هدف واحد, هذه الايجابية ستنتقل تلقائيا لجمهور المشجعين فكلا الفريقين تم تشكيلهم بنظام الخلط بين كل ما هو مختلف وبالتالي فان المشجع لن يستطيع تشجيع جهة أو حزب بل سيجد نفسه مضطرا لتشجيع النجاح والفعل الجيد والأداء الجيد في الملعب.

  • تفعيل ثقافة الاختلاف على الرأي لا على الشخوص كأن تقام مناظرة حول موضوعة الانقسام بين فتح وحماس على أن يلعب ممثل حماس دور فتح ويلعب ممثل فتح دور حماس وبذا سيجد كل منهم نفسه مضطرا للدفاع عن موقف الآخر بينما لن يتمكن المشاهدين من تشجيع الشخوص أو التصفيق لهم بل تشجيع الرأي السليم والتحليل الصحيح فقد يتمكن ابن فتح من تقديم دفاع أفضل عن موقف حماس مما قد يدفع ممثلي حماس من الجمهور للتصفيق له والعكس صحيح وهنا تغيب الذات ويحضر الرأي فقط فالمتحدثين والجمهور جميعا سيجدون أنفسهم مترفعين عن الشتائم والسباب على الشخوص والرموز وغيرها لان حقيقة كل منهم انه يحترم أصلا ما يدافع عنه الآخر.

 أنت واحد وكل ما عداك أكثر بكثير ولا يمكنك بأي حال من الأحوال أن تكون بديلا لكل الآخرين فالتنوع واحد من أسس الحياة ومكون رئيس من مكونات التنمية والمجتمعات المتنوعة هي الأكثر قدرة  من بين الأمم على إحداث نقلات نوعية مهمة ومفارقة في مسيرة الإنسانية ونرى اليوم كيف لا زالت تتمكن الولايات المتحدة من الإمساك بزمام السيطرة على العالم وخصوصا في مجالات الاختراعات والتطورات النوعية ولا أكثر دلالة على ذلك من مركز السيطرة على كل منابع ومصادر الانترنت في العالم مملوكة لها بالمطلق, فالذي يعتقد انه البديل عن الجميع يقترف إثما  خطيرا وهو حتما لم يدرك أهمية الآية الكريمة ” وخلقناكم شعوبا وقبائل ” ولا تفسيرها الأعمق عن أهمية ذلك وما له من ايجابيات على حياة البشر.

قبول الآخر الايجابي لا يعني بالتأكيد إلغاء الذات لصالح الآخر بل القبول بحقه بالعيش والتعبير والعمل ما دام ذلك يصب في مصلحة المجموع ولصالح التقدم والنمو وإعطاء الآخرين الحق بالعمل والعيش والتنقل والاعتقاد وحفظ كرامة الناس وحقوقهم متلازما مع التزامهم بواجباتهم لا يعني أبدا أننا سلمنا بمعتقد أيا منهم أكان المعتقد سياسيا وبالتالي فهي في مجتمع المواطنة المدني سوف يحصد ما قدمه عبر اعتقاده وفعله في صناديق الاقتراع سلبا أو إيجابا وفي حال كان الاعتقاد دينيا فهو حتما سيحصد ما قدمه في حياته أمام الله صاحب الحق الوحيد في محاسبة البشر على افعالهم ومعتقداتهم الدينية وخلاف ذلك فان القوانين والأنظمة كفيلة بإيجاد انتظام في حياة الناس في دولة المواطنة والحياة المدنية.

علينا دائما ان نتذكر ان الآخر والأنا مسألتان غير ثابتتان بل هن قابلات للتداول باستمرار فحيث اكون أنا سيكون هناك آخر بالنسبة لي وحين تكون أنا الآخر سأكون أناي بالتأكيد هي الآخر بالنسبة لأناه هو فلا فضل لآنا ما على الأنا الاخرى بأي شكل من الأشكال ومن يعتقد ان كل آخر ينتظر قبوله هو فهو يملك حدا من الغباء لا حدود له فكل دعوة لقبول الآخر تعني بالضرورة قبول كل أنا أيا كانت من قبل أنا الآخرين بما فيهم أناي والاعتقاد بان القبول هو بالضرورة تماهي مع الآخر ايا كان يفقد الامر معناه وجوهره, فالدعوة للقبول قائمة على المساواة لا على قبول الادنى للأعلى وهي ابدا لا تجعل من اعداء الشعوب وسارقي حريته آخر ينبغي قبوله ولا بأي حال من الأحوال.

  

( قيمة الشرف )

ينبغي لنا أولا وقبل كل شيء أن ندرك مكمن القوة في الإنسان ومحركه الأساس وان نعطي الإنسان مكانته الحقيقية من خلال إدراكنا لمكوناته وقد اتفق العلم والعلماء على أن الدماغ هو مصدر القدرة على العيش للإنسان وانه هيئة أركان الجسد بكل ما تعني الكلمة من معنى وبالتالي فان الاحتفاظ بالعقل هو أساس الاحتفاظ بالحياة هذا إذا استثنينا أي تفسير آخر عن الوعي والمادة أو الروح والمادة ليس نكرانا أو انتقاصا وإنما بحثا عن الحقائق الملموسة والمثبتة علميا تاركين ما لله لله بمعنى أن قبولنا بكون العقل مصدر الفعل أي فعل لا ينتقص من اعتقادنا أن الروح منبع الحياة ولا بأي شكل من الأشكال ولأننا لا نستطيع مناقشة الروح فبالتالي علينا الاكتفاء بمناقشة الملموس دوره ومكانته فالذي يدير حياتنا هو المصدر الذي علينا الاهتمام به وقد ثبت علميا أن غياب أي جزء من الجسم لن يلغي الحياة إلا بقدر اتصاله بالدماغ فلو قطعت يد أو رجل أو أي جزء لن تنتهي الحياة حتى القلب فلو توقف عن الخفقان فان الموت سيحدث لان الدم توقف عن الوصول إلى الدماغ وتقول الحقيقة العلمية أن الدماغ قادر على الصمود بدون دم عشرة ثواني وقادر على الصمود بدون أوكسجين ستة دقائق وبالتالي فان توقف الدماغ عن العمل يعني سقوط هيئة أركان الجسد وسقوط كل الجسد أي الموت.

تلك المقدمة الهدف منها القول أن كل القيم تبدأ إذن وتنتهي هناك في الدماغ وان قيمة الشرف لا تنتفي عن اليد التي سرقت بل عن الدماغ الذي اصدر الأمر بالسرقة وهكذا تتوالى المسائل لكل فعل أيا كان مصدره وتعميم الشرف ليطال الإنسان كانسان يعني أن تكون قيمة الشرف بمستوى رقيها لتبدأ من الدماغ المصدر الرئيسي لأفعال الإنسان جميعا وكلما نزل مستوى الشرف مكانا نزلت قيمته فبانحصاره بجزء من الجسم يعني السماح لباقي الأجزاء بالتنازل عنه وبالتالي فان انحطاط قيمة الشرف من مكانتها الأسمى وهي الدماغ إلى مكانتها الأدنى وهي ما بين الساقين يعني إعطاء الحق لباقي أعضاء الجسم بممارسة الجريمة أو الرذيلة أيا كان مصدرها فالكذب والفساد والقتل والإيذاء والدسيسة والنميمة لا تنتقص من شرف من يمارسها إذا صان ما بين ساقيه أو بالأحرى ساقيها فللرجل حق التنازل عن ذلك دون أدنى حرج بل وأحيانا يصل الأمر حد التفاخر بذلك بينما تصبح جريمة لا يمكن السكوت عنها إذا طالت المرأة والأمم التي تعتقل شرفها بين سيقان نسائها لا يمكن لها أن تعرف طريقا للتقدم إلى الأمام ما دامت عقوبة السرقة والفساد والظلم بل وحتى الخيانة الوطنية تعتبر جرائم اقل من جريمة الزنا إن وجدت.

الرجل الذي يعتبر ظهور شعر المرأة جريمة ويتحدث عن الذئاب التي تأكل لحم النساء بعيونها لا يدري وهو يفعل ذلك انه ينتقص كليا من قيمة نفسه مقرا بالفعل بأنه وأبناء جنسه من أكلة لحوم البشر بإقراره بضرورة حجب المرأة عن عيون الذئاب أي الرجال والذي هو شخصيا احدهم, تدني وضع المجتمع قائم بتدني قيمه وبانحصار شرفه بعيدا عن فعل الحياة ومسيرتها وقدرة الأمة على النهوض بنفسها والتقدم, ولا يمكن لذلك أن يكون ما دام نصف هذه الأمة محشور في أقبية الظلمة بعيدا عن النور ويتم التعامل معه كقطعة لحم نية والتعامل مع النصف الآخر كحيوانات مفترسة لا تأكل سوى لحم النساء ولن يكون هناك مجتمع مدني قائم على حقوق وواجبات المواطنة إن استمر حرمان نصف المجتمع من حقه بذلك على قدم المساواة.

الشرف إذن هو قيمة القيم, فقيم الأمانة والصدق والإخلاص والعدل والنزاهة واحترام الخير والانتماء الوطني جميعها تحتاج لصونها والالتزام بها على قاعدة الشرف وأي انتقاص منها هو انتقاص للشرف وبلا أدنى شك فان إخلاص المرأة واحترامها لذاته أولا ثم لمجتمعها وناسها وعدم ممارسة الرذيلة بأي حال من الأحوال بما في ذلك رذيلة اللسان يندرج ضمن هذه القيم لا بالجسد فقط وإنما بالرأي والفكر والكلام فشرف اللسان كشرف اليد التي تفقد شرفها إن سرقت أو آذت كشرف القدم التي تجري لتسرق أو لتقتل وشرف العيون التي تسترق النظر على خصوصيات الآخرين وشرف الأذن التي تسترق السمع خلسة على أسرار الغير وحياتهم وبيوتهم فلا حدود إذن للشرف كقيمة عليا تطال كل حياتنا وكل أفعالنا وهي اكبر وأسمى من أن تنحصر ما بين سيقاننا فقط, والشرف هو عماد السلم والسلام الداخلي لأي جماعة أيا كانت حين تنتظم أمور حياتهم على قاعدته الأوسع والأكثر وضوحا وشمولية.

وقد لا يكون ضروريا هنا مواصلة البحث عن القيم وتفصيلها فقد فعل العديد من الكتاب والفلاسفة ذلك منذ بدء التاريخ ولا يمكن حصر القيم وإنما يمكن ذكر بعضها كالعدل والصدق والعونة والحب والانتماء والإخلاص والاستقامة والنزاهة والشفافية والعفة والتسامح والقيم لا حصر لها أبدا فالحنو على الآخرين قيمة والإحساس بالغير ومعاناتهم قيمة ومد يد العون للمحتاج قيمة وكلما تسامت قيم الأمم كلما استقامت حياتها وسمت بأهدافها وانتظمت حياة ناسها بما يوفر كل المقومات لقيام مجتمع مدني في دولة المواطنة القائمة على أسس العدل والمساواة في الحق والواجب في آن معا وكلما انحطت قيم الأمم كلما انحطت مكانتها وتحولت إلى قانون الغاب بلا قيم ولا مبادئ سوى مبدأ وقيمة الأنا المنغلقة ومصالحها مهما اتسعت مساحات الأنا هذه.

 ___
*كاتب فلسطيني 

  

 

 

 

شاهد أيضاً

mazen-maarouf

مازن معروف يفوز بجائزة «الملتقى» للقصة القصيرة

فاز الكاتب الفلسطيني مازن معروف بجائزة الملتقى للقصة القصيرة في دورتها الأولى، عن مجموعته “نكات …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *